الشباب في القرآن (90): أصحاب الكهف (7)

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه، وعلى الأنبياء والمرسلين من قبله، آمين، وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين، ومرحباً بهم أجمعين؛

أيها الشباب: تعالوا معنا اليوم نعود إلى الكهف وإلى فتيانه الأصحاب، لقد كانت الشمس معهم خادمة مأمونة، بل أماً حنونة، وذلك من فضل الله الذي يرعى العباد والصالحين، ويرفع مقام الشباب الصادقين، ويحب المؤمنين المخلصين؛ (ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ)، فهو الذي يهدي المؤمنين، ولا هدي إلا هداه، ومن لم يهده الله فهو في ظلام ومتاه، (مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا).

ومن أين له مُرشد، وهو عن نور الله مبتعد، ولهواه متبع، وعلى المتاع معتمد؟.

إن من اعتمد على غير ربه، فقد ضل عن دربه، وأذعن للشيطان وحزبه، وذلك هو الخسران الذي يبقى، والضلال الذي في الهلاك يُلقى، وإذن فأصحاب الكهف كانوا بهدى ربهم محفوفين، وفي رحمته محفوظين، وعلى رشدٍ منه مستمرين، وبخيرٍ من الله مستبشرين، ولهذا سنراهم في كهفهم على حالٍ تدل على أنهم نالوا من الله الآمال، وفازوا عنده بأجمل الأحوال، وكانوا على وعدٍ بأحسن مآل، ولنقرأ ماذا تحدث الله عنهم وكيف قال، إنه خطابٌ موجهٌ إلى كل الناس وإلى كل الأجيال، وحديثٌ يلقيه إلينا عنهم ربهم ذو الجلال، ليدلنا على ما عنده لعباده من جميل العطاء، فاستمعوا معنا يا شباب وأحسنوا الإصغاء؛

(وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ..).

ماذا يعني هذا الوصف لأهل الكهف؟.

إن المتأمل بإمعان، يدرك أنهم دخلوا الكهف وجلسوا مستأنسين، وعلى موعدٍ مع عطاءٍ  من الله مجتمعين، فجاء العطاء من ربهم، بأن ضرب على آذانهم، وإنها رحمة بهم، حتى لا يُحسوا بما حولهم، وينعزلوا عما يهمهم، وهكذا أصبحوا في الكهف على حال الجلوس أو القعود، عيونهم مفتحة بلا خمود، حتى لتحسبهم أيقاظاً وهم رقود، فهم في حالة همود وسكون، ولكنهم جالسون مفتحوا العيون، إن حالهم لم يتحول من الجلوس إلى الاضطجاع، ولم يضطروا إلى وضع الخدود والرؤوس على القاع، بل استمروا جالسين وكأنهم في حالة اجتماع، تحسبهم في يقظةٍ لأن عيونهم في حيوية والتماع، أما أجسادهم، فهادئة لا تدرك ما حولهم، ولا تدري بمن دخل عليهم كهفهم، ومع ذلك فالله يتولى أمرهم في كل حال، كما أكد ذلك وقال:

(وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ).

إنها رحمة الله ليصونهم من الذبول والانحلال، وليجعل أجسادهم متحركة الأعضاء، متدفقة الشرايين بالدماء، لتبقى حياتهم سليمةً من كل داء، وليستمر حالهم كما دخلوا بلا تأثر بالبلاء، إن هذا قد يثير لمن يستمع الاستغراب، ويقول هذا أمرٌ عجاب، لكن الدليل أمامنا واضحٌ على ما قلنا، وذلك هو قوله تعالى:

(وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ)، إن هذه إشارةٌ إلى حالهم الفريد، فإن كلب الحراسة معروفٌ عنه أنه لا ينام حتى ينام صاحبه، وها هو الكلب باسطٌ ذراعيه بالوصيد، ولا يبسط الكلب ذراعيه إلا في حالة استعدادٍ للانطلاق، فهو في حالة تحفزٍ وحذر، وذراعاه مبسوطتان للانطلاق إلى أي خطر، إن هذه الحال التي نراها في وضع كلبهم تدل على أنه كان في حالة يقظة مثلهم، ولقد ضرب الله على أذنه كما ضرب على آذانهم، فتراه في حالة يقظة وهو هامدٌ مثلهم، ثم إن المعروف لدينا أن الكلب إذا نام يضع رأسه بين رجليه ويُخفيه، ولا يستمر باسطاً ذراعيه، وهذا يعني أنه لم يكن في حالة منام، ولكن كان في حالة استعدادٍ لأي شيءٍ هام.

ثم إن هناك دليلاً ثانياً يضاف لنا عن حالة الفتية وكلبهم يؤكد لنا ما قلناه عنهم، أو ما تصورناه من معنى الآيات هذه في وصفهم، ذلك هو قوله تعالى معقباً:

(..لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا(18)) [سورة الكهف].

وهنا أسألكم سؤالاً بديهياً: هل يفر أحد إذا رأى أناساً نائمين؟، وهل يمتلئ رعباً إذا شاهد رجالاً في وضع المنام، وجفونهم مطبقةً على العيون بإحكام؟. هل هذا المنظر يدعو للرعب والفرار؟، وهل الاطلاع على من اضطجع يدعو إلى الفزع؟. كلا..

إذاً فلماذا يقول الله: (لَوْ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْ رُعْبًا)؟.

إن هذا لا يعني إلا أن عيونهم مفتوحة محدقة إلى الأمام، فإذا دنوت منهم وحدثتهم لا تجدهم يسمعون الكلام، ولا يردون عليك ولا يلقون لك اهتمام، وهذا حال يُفزع بلا إنكار، ووضعٌ يُرعب ويدعو للفرار، إذاً فهم كانوا جالسين في قعود، ومن يراهم يحسبهم أيقاظاً وهم رقود، ومعنى رقود: أنهم في حالة همودٍ واستسلام، لا في حالة اضطجاعٍ ومنام، ثم إن تقلبهم ذات اليمين وذات الشمال يعني أنهم يتحولون بالأجسام الجالسة من حالٍ إلى حال، تماماً كما يغير الجالس وضعه في كل المكان، ليريح مفاصله من الاحتقان، وليتيح لنفسه مواصلة الجلوس الطويل، بلا تعبٍ ولا ضررٍ ولا ملل، وعلى أي حالٍ فإن الفتية في وضعٍ معزول عما حولهم، ومعهم معزولٌ كلبهم، في حالة تراهم أيقاظاً، عيون مفتوحة وأجسام في وضعٍ غير مضطجعٍ للمنام، وهذا وضعٌ مفزع، لمن اقترب أو اطلع، وهكذا نتركهم حتى نرى ماذا سيجري لهم، وغداً بإذن الله نعرف ذلك، والسلام عليكم ورحمة الله. 

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: