الشباب في القرآن (92): أصحاب الكهف (9)

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والأنبياء والمرسلين، آمين، وبعد:

السلام على الشباب وعلى كل المستمعين الأحباب، ولهم جميعاً أجمل الترحاب؛

عرفنا أمس حال أصحاب الكهف وقد بعثوا من مرقدهم، وأصبحوا يتناجون في كهفهم، وبينما سأل أحدهم عن مدة لبثهم، إذا بهم يعيدون علم مدة لبثهم إلى ربهم، وانطلقوا يبحثون أمر مستقبل أيامهم، ولقد عرفنا أن أول قرارٍ اتخذوه وأول المهام، هو أن يبعثوا أحدهم إلى المدينة ليحضر لهم الطعام.. هل تدرون ما هي الورق؟.

إنها قطع الفضة التي تصك عملة للتداول، ومعنى هذا أن الفتية كان لهم ما يمكنهم من العيش في غنى مدة الاعتزال، وهذا هو الحزم في مثل هذه الأحوال، ولقد بعثوا أحدهم بلا مراء، وأوصوه أن يختار من الطعام الأزكى ، وأن يتلطف عند الوصول ولا يشعرن بهم أحدا، لماذا لا يريدون أن يشعر أحد بهم ولا بمكانهم؟.

هل هم يكرهون الناس؟. كلا..

هل هم في حالة اكتئابٍ فلا يريدون مقابلة أحد؟.. كلا.

هل هم يريدون تدبير شيء ضد قومهم في الخفاء، وأن يثيروا ضد أهلهم الرعب والفوضى؟.. كلا. فهذه ليست طبيعة المؤمنين أولي التقوى، ولكنها عادة الجهلاء، فإن الدعوة للدين ليست بالإكراه والأذى، ولا يصح أن تُقاوِم المكذبين بالغدر والطغوى، إن الغدر خيانة، والله لا يحب الخائنين، وإنما الواجب أن تدعوهم باللطف واللين، فإن حاولوا الإضرار بك مع الإصرار على الضلال فلتبادر إلى الاعتزال، وهذا هو موقف الفتية مع قومهم فلقد اعتزلوهم ولجأوا إلى الله ذي الجلال، ولنعد إلى السؤال وهو: لماذا أوصوا مبعوثهم إلى المدينة أن لا يشعرن بهم أحداً؟.

إن الجواب هو:

(إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا(20))[سورة الكهف].

إذن.. فالتحذير ليس سببه ما عللناه سابقاً بل السبب هو أنهم يتوقعون من قومهم البغي والعدوان المؤذي إلى القتل أو التعذيب بتهورٍ وبهتانٍ وامتهان، يجعل الفتية المؤمنين يعودون إلى ملة قومهم الكافرين، "وهما أمران أحلاهما مر" فالقتل والرجم المهين، يتساوى عند المؤمن مع الارتداد عن الدين، وهذا مسلكٌ خاسرٌ مبين، إن التأمل في هذه الكلمات يجعلنا ندرك استمساك هؤلاء الشباب بالدين، فهم لا يخافون الظهور والوقوع في أيدي الكفر، ولا يرهبون الضر، ولا يخشون القتل والتعذيب المهين، ولكنهم يخشون فقط العودة إلى ملة الكافرين، إن الفتية يخشون الفتنة، وإن الاستسلام للفتنة والرضوخ لطغيان قومهم ومغريات الزينة، هو الخسران المخيف الذي يجسد أشد المحنة، وكيف لا والدين هو النعمة والرحمة والمنة، وهو الأمن والسلام من الهلاك والجُنَّة، وهو الذي عقباه الرحمة والجَنة، وإن من أصبح عن دينه مرتداً، فإن الفلاح يفارقه أبداً، وكيف لا وقد فارق ربه الواحد الأحد، واستسلم محباً للدنيا وتعدى، وبهذا فهو يصلى النار مخلداً (وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى(11))[سورة الليل]. هذا هو ما أمكن أن نقرأه في أقوال الفتية، ومع ذلك نقول باختصار: إنهم لا يخشون الفتنة عن دين الله، ولهذا ختموا كلامهم ختاماً مرشداً، وأطلقوا قولهم قوياً مؤكداً (وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا).

إنها كلماتٌ واسعة الصدى، ولا يزال الدهر لها مردداً، هذا ما نفهمه أيها الشباب من قول هؤلاء الفتية أولي الألباب، وإنه لموقفٌ يستحق الإعجاب، وكلامٌ يشع بالحق والصواب، إن على الشباب المؤمن أن يحرص على دينه كما يحرص على الحياة، بل إن إخلاص الدين لله هو الحياة، فالحياة بلا دينٍ ظلامٌ وفناء، والذين يعيشون غافلين عن دين الله أمواتٌ في شكل أحياء، وأن من يحيا جاهلاً ربه العليم الحكيم، يعمل في ظلامٍ بهيم، ويسعى إلى هباءٍ موهوم، وأن من لا يعرفون ربهم القدير الخبير، لا يهتدون إلى النور، وسوء عملهم يبور، وكل أملهم وسعيهم مهدور، إنهم باختصار موتى بلا قبور، وهم أشقياء في القبور ويوم النشور، وهذا هو ما خشيه أصحاب الكهف وأطلقوا عنه التحذير، فالفلاح هو المقصود لكل شاب واعي، ورضاء الله في الدنيا والآخرة هو الذي يتنافس فيه كل عاملٍ وساعي، وهدى الله هو الصراط الذي يجب أن يحرص عليه الحاكم والراعي، والزارع والصناعي، إن علينا اليقين أن الله ليعدنا بالفلاح، لأنه يعلم أنه هو الأجدى من كل أرباح، وهو السعادة والأفراح، (قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ(58))[سورة يونس].

وبعد أيها الشباب؛ فقد نسينا رسول الفتية إلى المدينة وهم في كهفهم، فياترى بماذا عاد لهم وكيف قابله الناس وقابلهم؟، هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: