الشباب في القرآن (93): أصحاب الكهف (10)

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والأنبياء والمرسلين، آمين، وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين، ومرحباً بهم أجمعين؛

لا بد لنا اليوم أن نتقصى خبر فتى أهل الكهف وهو للمدينة مُرْسَل، هل وصل؟ وهل على الطعام حصل؟.. كيف استقبله الناس وماذا فعل؟. أسئلة كثيرة، ولكن الآيات تطوي الإجابات عليها وتأتي بالنتيجة.

يقول الله عن هؤلاء الفتية:

(وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا..).

إذن فقد وصل الفتى إلى المدينة، وقد وجدها مدينةً غير التي عرفها في الأيام القديمة، وجد أناساً لا يعرفهم وأحياء ومساكن لا عهد له بها، كما أن الناس استنكروا منه الأسئلة التي يطرحها، عن أشياء وأشخاصٍ يعرفها، ولا بد أنهم استغربوا العملة التي يشتري بها الطعام فهي عملةٌ مضى عهدها.

وهكذا اتضح للناس وللفتى أن القضية مثيرةٌ للتساؤل، وأن حال الفتى وأمره مُستنكرٌ، وهو على أمرٍ عجبٍ يدل، بل ربما أنه يشير إلى قصةٍ يعرفونها عن فتيةٍ كانوا مؤمنين، وكان لهم مع قومهم خبرٌ يتناقله الناس مدى السنين، وهنا بدأ السؤال عن الفتى وعن أصحابه، وكان الوضوح والصدق متدفقاً في جوابه، وبهذا اكتشف الناس ما جرى له ولأصحابه، وهذا ما يخبرنا الله به: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ).. أي كذلك الحال الذي بعثناهم في كهفهم أعثرنا الناس عليهم، وجعلنا الناس يعرفون مكانهم، ويهتدون إلى كهفهم، ويطلعون على خفايا قصتهم، ويستوضحون تفاصيل أمرهم، وكل هذا لحكمةٍ يريدها الله للناس بالعثور عليهم، ما هي الحكمة؟. هي قوله تعالى:

(لِيَعْلَمُوا).. أي ليعلم الناس ، لا ليعلم أهل الكهف.

ماذا يعلم الناس؟.

(..لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا..).

نعم أليس في اختفاء هؤلاء الفتيان في الكهف سنين عدداً، وهم رقودٌ أحياء، ثم لم يتغير شيءٌ من حالهم ولا صورهم ولا القوى، أليس في هذا دليلٌ على أن الله قادرٌ على أن يحيي الموتى، وأن وعده بالآخرة حقٌ؟. بلى، بلى، إن هذا الذي حدث لأصحاب الكهف من الأحوال، دليلٌ واضحٌ على أن البعث قادمٌ بلا جدال، وأن الله سيجمع الناس كلهم ليوم الفصل وعرض الأعمال، فليستعدوا لهذا اللقاء القريب، وليعملوا عملاً صالحاً ليكسبوا رضاء ربهم الحبيب، فهو العليم بما يبدوا ويغيب، وهو على كل شيءٍ رقيب، وهو المحصي كل عملٍ والحسيب، وإذن فيجب أن نخشاه وله نستجيب، وأن نعمل عملاً صالحاً به حياتنا الدنيا والأخرى تصلح وتطيب، فالجنة معدةٌ لمن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، ولمن طاب عمله فلا يفسد ولا يطغى، ولهذا يقال للمتقين الطيبين، وهم إلى الجنة قادمون: (..سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ(73))[سورة الزمر].

وهذا ما يجب أن يسعى إليه الشباب الطيبون، وبقية الفتية النابهون، فالآيات أمامنا تدل على أننا إلى الله راجعون وإليه مبعوثون، فيا سعد من جاء ربه بقلبٍ سليم، إنه الفائز بالرحمة والنعيم المقيم، وبعد فقد كان بعث أصحاب الكهف إلى الحياة دليلاً على أن الله خالق الموت والحياة، ثم ماذا كان موقف الناس من هؤلاء الفتية وماذا جرى لهم؟. لا شك أن الفتية ماتوا بعد عثور الناس عليهم، وبعد أن أخذوا العبرة من حالهم، واتضح الحق من آياتهم، ولكن الناس انقسموا فريقين حول مصير الفتية، وكلٌ له قولٌ وحول أمرهم رؤية..

(..إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ..).

وهذا التنازع انصب حول طريقة الدفن لهم:

(..فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِمْ بُنْيَانًا رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ..).

هذا رأيٌ للفريق الأول فقد دعى إلى إقامة بنيانٍ عاديٍّ بلا تعظيمٍ ولا اهتمام، وعللوا هذا الرأي بقولهم:

(..رَبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ..).

وهذا رأيٌ حسنٌ جميل، فماذا تفيد القبور المرفوعة والمزخرفة، والمباني الشامخة المترفة، على أمواتٍ قدموا بأعمالهم على ربهم، فهو أعلم بهم وبأعمالهم، والمباني الشامخة لا تنفعهم ولا تزيد عند الله قدرهم، (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى(39))[سورة النجم].

لكن هناك فريقاً آخر له رأي آخر هو كما يوضحه الله العليم بما جرى:

(..قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا(21))[سورة الكهف].

هؤلاء هم الفريق الذي قام على أمر الفتية، وعثر عليهم وتابع القضية، فهو يعتبرهم يستحقون الاهتمام والتقدير، ولهذا صمموا على إقامة مسجدٍ على الفتية شهير، وهذا هو الذي تنفذ كما يتضح من الآيات، لكنه رغم هذا اندثر، ولم يعد أحدٌ يعرف له أثراً ولا علامات، وإذن فقد كان القرار منطلقاً من الخرافات ومن سوء العادات، التي تتخذ القبور مساجد، وتظن أن من حواه المبنى رجلٌ خالد، وهو وهمٌ ورأيٌ فاسد، فلا يبقى بناءٌ مشيد بل يندثر، ولا يبقى أحدٌ من الناس بل يفنى كل الأنام؛ (وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ(27))[سورة الرحمن].

وهكذا رغم تشييد المسجد على الفتية، فإنه لم يعد له أثرٌ ولا علمٌ لأحدٍ بالمكان، بل لقد اضطرب الناس في عددهم كما جاء في القرآن، فكيف وصف القرآن اضطراب الناس في عددهم وأمرهم؟. وهل حدد القرآن عددهم؟، وهل أوضح سنوات مكثهم في كهفهم؟.

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، ، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: