أالشباب في القرآن (94): أصحاب الكهف (11)

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين، آمين، وبعد:

السلام على الشباب وعلى كل المستمعين، ومرحباً بهم أجمعين؛

لقد تساءلنا في نهاية حلقة أمس سؤالاً طالما سأله الناس عن أهل الكهف، ولقد استمر تساؤلهم بلا جواب ، واضطربت أقوالهم بلا صواب، وكيف يجدون جواباً عن شيء من الغيب، وكيف يقولون الصواب وهم لا يعلمون ما غاب في ماضي الزمن، ولا يدرون ما يكسبون غداً، وإذن فالعليم هو الله علام الغيوب، الشاهد على كل حيٍ وشيءٍ في كل زمان ومكان، ولا يعزب عنه مثقال ذرةٍ في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتابٍ مبين.

وعليه، فإن سؤالنا أمس عن عدد أهل الكهف وعن سنوات مكثهم فيه إنما يعلم جوابه الله الذي يعلم ما نبديه وما نخفيه وبكل خلقٍ عليم، فلنسمتع إلى ما يقوله الله عن أقوال الناس وما يقرره في عدد أهل الكهف بأسلوبٍ جميلٍ حكيم:

(سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ..).

هكذا إذن هو علم الناس، وهكذا هي أقوالهم في كل شأنٍ تضطرب وتختلف، بل وتقول ما لا تعرف، وعلى الظنون تعتمد، ومن الأوهام تغترف، فإذا هم في أمرٍ مريجٍ مضطرب، وللصواب لا يقترب، وعن الحق يغترب، إنه باختصار كما يصفه الله: (رَجْمًا بِالْغَيْبِ).

وإن هذا لهو الخطأ الذي لا شك فيه ولا ريب، فكيف ينفق الإنسان جهده ووقته في المجهول، وفيما لا يعلمه يقول، إنه لأمر غير مقبول، لأن الإنسان عن السمع والبصر لمسئول، ولهذا فإن على الشباب أن يعتمد في كل عملٍ وقولٍ على العلم واليقين، وإن يقيم أبحاثه على الأسلوب العلمي الذي يؤدي إلى الحق المبين، وعلى أي حال فإن الناس في عدد أهل الكهف قد اضطربت أقوالهم، لكن الله يقرر الحالة الثالثة وهي أنهم سبعةٌ وثالثهم كلبهم، قد تسألون كيف عرفنا أن هذا هو العدد الحق، ونقول أن هناك قاعدةً لغويةً تؤكد أن الواو حين تسبق أحد الأقوال فإنه هو القول الحق، وها هنا يقول: (وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ)، ثم قال هو مقرراً هذا الرقم (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)، فأتى بالواو المقررة لآخر الأقوال، فأصبح الرقم الأخير هو اليقين عن عددهم (وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ)، وهكذا يتضح أن قول الناس مراءٌ لا يفيد، ولهذا يقول الله: (..فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِرًا وَلَا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَدًا(22))[سورة الكهف].

والآن وقد عرفنا هذا من الله العليم، تعالوا نقرأ أسلوب الآية الحكيم، فلقد ترددت الأرقام من الثلاثة إلى السبعة، ثلاث مرات، هكذا:

ثلاثةٌ رابعهم كلبهم، خمسةٌ سادسهم كلبهم، سبعةٌ وثامنهم كلبهم.

لماذا هذا التكرار؟. ولماذا يضاف كلبهم في كل مرةٍ إلى عددهم؟.

إن في هذا سراً من أسرار القرآن، بل من أسرار الله الذي أنزله للبيان، فإن أردنا الاقتراب من هذا السر بشكلٍ خجول، فإننا يمكن أن نقول أن التكرار مقصودٌ لبيان اضطراب الأقوال على مختلف الأرقام والأشكال، وليؤكد لنا جهل الناس بكلما حولهم، وغفلتهم عما يحيط بهم، فلماذا يحاولون الادعاء بأنهم على علمٍ بما ينفعهم؟. ويستغنون عن ربهم ؟.

إن هذا يزيد التأكيد على غفولهم هذا أولاً، ثم إن التكرار كان له غرضٌ آخر هو أن تكرار كلمة كلبهم ثلاث مرات وإضافته إلى عددهم، وكأنه واحدٌ منهم، يدل على أن الناس الصالحين يمنحون من يخالطهم شأناً ومقاماً يستحق به الاهتمام من الله كالإنسان، وها هو الكلب الذي رافق هؤلاء الفتية الصالحين المخلصين لرب العالمين،  أصبح ذا شهرةٍ وشأنٍ وكأنه إنسان، بل لقد ذُكر معهم مرةً أخرى وهم رقود، وكلبهم باسطٌ ذراعيه بالوصيد، فأصبح ذكره أربع مراتٍ معهم، دليلاً على أنه ذو شأنٍ ما دام رفيقاً لهم ومخلصاً معهم، لقد خالط الصالحين فنال من خيرهم، وأصبح كأنه واحد منهم يستحق أن يُعدّ معهم ، وأن يُحْسب منهم، وفي العباد الذين يستحقون الاهتمام من ربهم، فيا له من درسٍ عظيم، ويا له من دليلٍ مبين، على أن صلاح الإنسان في الأرض يسعد معه كل حيٍ وشيء، وأن استسلام الإنسان لربه الأكرم؛ يسمو به الإنسان ويسمو معه كل شيءٍ ويسلم، ولهذا نفهم معنى قول الله لرسوله محمد: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ(107))[سورة الأنبياء].

إن كلمة "عالمين" تشمل كل حيٍ وكل شيءٍ بل كل ما في الأرض والسماء، فكيف يكون الرسول رحمةً لهؤلاء، وسلوك الإنسان على الصراط المستقيم يجعله يحمي ويصون كل ما حوله ويتعامل معه بأسلوبٍ سليم، وإن التزام الإنسان بالتقوى والإحسان يجعله يرحم ويكرم كل مخلوق وكل كائن حوله مهما كان شأنه وأينما كان، وبهذا تسعد الحياة والأحياء، ويعيشون كلهم في أمان، ويبارك الله لهم في كل عطاء، ويفتح بركات الأرض والسماء، برحمته التي وسعت كل شيءٍ، وهكذا يكون الإسلام والاستسلام معه هو الرحمة والسلام للإنسان ولكل المخلوقين، يفتحها الله رب العالمين عليهم أجمعين، وهذا وعدٌ منه واضحٌ مبينٌ.. فلقد قال (..وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ..(156))[سورة الأعراف]. كما أن المتقين هم الموعودون بالبركات، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنْ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْبِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ(96))[سورة الأعراف].

وهكذا تدرك أن أهل الكهف وكلبهم رمز للصالحين الذين تصلح الأرض بهم، وبعد فلقد أطلنا الحديث عن عددهم وفاتنا مدة لبثهم، لكنا على موعد مع ذلك غداً بإذن الله، ، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: