الشباب في القرآن (95): أصحاب الكهف (12)

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام منه على رسوله الكريم، وعلى آله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين من قبله، آمين، وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين، ومرحباً بهم أجمعين؛  

اليوم ربما نودع أصحاب الكهف وكلبهم، ونتجه إلى لقاء آخر مع شبابٍ من جنسهم، لكنا لن نودعهم حتى نغترف شيئاً من خيرهم ونتزود شيئاً من تقواهم، وأول هذه الأشياء ترك المراء فيما لا علم به لنا، وعدم الاعتماد على أقوال الناس، في أخباء الناس ولا في شئون الناس، فالناس يُلبسون أقوالهم بالأهواء، ويخلطون أخبارهم بالمبالغة والغلواء، والناس لا يعلمون من أمور أنفسهم ماذا يكسبون غدا، فكيف يعلمون ما غاب عنهم ومضى، إن العلام بالماضي والحاضر والآتي، هو الله الخالق الباري، الذي يستوي عنده الظاهر والخافي، وكل ما في السماوات والأرض بأمره جاري؛ (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ(5)هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(6))[سورة آل عمران].

هكذا قال لنا في سورة آل عمران، ولهذا فإنه يقول لنا هنا في سورة الكهف معقباً على حديث أصحاب الكهف ومخاطباً رسوله وكل متبعٍ له: (وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا(23)إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ..)[سورة الكهف].

فالإنسان مسير بربه، مدبر بأمره، فلا يصح أن يقطع بشيءٍ إلا مستعيناً به، ولا يصح أن يعزم على شيءٍ إلا متوكلاً عليه، ولا يصح أن يقول وعداً إلا معلقاً ذلك بمشيئته، لقد أراد أصحاب الكهف أن يعتزلوا عن قومهم ليعيشوا بعيداً عن فتنتهم وأذاهم، وليمضوا بقية حياتهم القليلة منقطعين لربهم، لقد أرادوا هذا لأنفسهم، لكن الله المدبر شاء لهم شيئاً آخر هو ما عرفناه من قصتهم، وما أصبحوا به آيةً لغيرهم، وهكذا هي مشيئة الله مع كل العبيد، فأنت تريد، وأنا أريد، والله يحكم ما يريد، إن اليقين بهذه الحقيقة هو السبيل الآمن للسلام والاطمئنان، وهو السلوك الدال على الثقة بالله والإيمان، ولكن هذا لا يتم ولا يتحقق للبشر، إلا بذكر الله المستمر، ولهذا قال الله لنا بلفظٍ آمر:-

(..وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ وَقُلْ عَسَى أَنْ يَهْدِيَنِي رَبِّي لِأَقْرَبَ مِنْ هَذَا رَشَدًا(24))[سورة الكهف].

إن الاستقامة على ذكر الله، والرجاء في هداه، هو خراج الاقتراب إليه، ونيل الرشد من لديه، وهذا هو المقام الذي يجب أن نتسابق عليه، فلقد نال إبراهيم من قبلنا رشده من ربه، وعلينا أن نقتدي به في السعي إلى نيل مقام الراشدين، والسمو إلى سماء الذاكرين، وبعد فهذا بعض ما اغترفناه من آثار أصحاب الكهف الصالحين، وبعض ما تزودناه من آيات هؤلاء الشباب الذاكرين الراشدين، ثم ماذا سنستزيد من خبرهم؟، وماذا ننتظر من علمٍ عنهم؟.. إن المنتظر هو مدة لبثهم في كهفهم، وإن من المؤكد أن الخبر لا يمكن أن يكون حقاً إلا من ربهم، ولا يمكن أن يكون صدقاً إلا بالله الذي هو أعلم بهم، فلنسمتع إلى ما يقوله الله العليم عن مدة لبثهم:

(وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا(25))[سورة الكهف].

هذا هو الحق لا سواه، وهو الصدق الذي علمه الله وأحصاه، ولا علم بشيءٍ عن هذا لفريقٍ سواه، فلا تسمع إلى قول من الآخرين، ولا تعتمد على علم ٍ إلا من رب العالمين، فمن ادعى أنه يعلم فليكن موقفك هو: (قُلْ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا..).

الله وحده العليم بهذه القضية وسوى علمه يُرفض، وكيف لا وهو وحده: (..لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ..)، إنه المختص وحده بعلم الغيب، وما يقوله فلا مراء فيه ولا ريب.. وكيف لا وهو السميع لكل شيءٍ، بل هو السميع للخواطر الخفية، والبصير بكل الأشياء القريبة والقصية.

(..أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ..) أي ما أبصره وما أسمعه، فهي صيغة تعجب تدل على التعظيم لشأنه في هذا المجال، والتأكيد على تفرده بالإحاطة والعلم بلا جدال، والتقرير لتوحده في تدبير وتسيير الخلق إلى الكمال، فهو الولي والمولى لكل الخلق والكبير المتعال، (..مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا(26))[سورة الكهف].

إنها كلمة الفصل التي لا تُجحد، وكلمة الحق التي تُعتمد، وكلمة الرشد الذي يقصد، فالله هو الولي لكل الأشياء، وهو الوكيل الذي يرجى، فلا يذل من والاه، ولا يعز من عاداه، ولا يشقى من اهتدى بهداه، ولا يطمئن من ضل وتناساه، فلنتخذه لنا الولي والنصير، والحبيب والمجير، والوكيل الذي لا يغلب، والمجيب الذي يلبي كلما يطلب، ولكي تكونوا أيها الشباب على يقين من هذه الحقيقة الكبرى، فإن الله يختم الآية بقوله:

(وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا).

فكلما يجري هو المتفرد بإجرائه، وكل ما يأتي هو المتوحد بأبنائه، وكل ما نأمله هو الذي يكفله، وكل ما نسأله هو الذي علينا يسبله، وكل ما نرجوه هو الذي يلبيه، وكل ما نتمناه هو القادر على تحقيقه متى يشاه، فلا أحد يشارك في أمره ولا حكمه، ولا أحد يشير عليه في مشيئته ولا علمه؛

(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ(23))[سورة الأنبياء].

فهو يقضي بما يشاء ويحكم، ولا راد لحكمه لأنه شديد، وهو المتصرف الفعال لما يريد، لأنه هو العليم ذو العرش المجيد، وهو الخالق والرازق لكل الخلق والعبيد، لأنه هو المحيط علماً بحاجة كل شيءٍ وحي، قبل أن يحسب أنه يريد، وهو المجيب المضطر قبل أن يشعر بالضرر، وهو الملبي للسؤال قبل السؤال، وباختصارٍ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1)اللَّهُ الصَّمَدُ(2))[سورة الإخلاص]، فسبحانه هو الذي يُدعى ويُقصد أبداً، وبالحكم والخلق والأمر تفرد سرمدا، ولا يُشرك في حكمه أحدا، وبعد أيها الشباب هنا نودع أصحاب الكهف، فأين سنتوجه بعدهم؟ ومَنِ الخَلَف؟. هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: