الشباب في القرآن (96): وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلام على رسول الله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والأنبياء والمرسلين من قبله، وبعد:

السلام على الشباب والشابات وكل المستمعين والمستمعات، ومرحباً بهم أجمعين؛ 

الآن وقد عشنا مع النماذج المشعة من الشباب والشابات ، فإن من المناسب أن نحاول الاقتراب من النماذج المظلمة، لقد وردت في القرآن بصورة محكمة، وللشباب ملهمة، يا ترى أين سنجد هؤلاء النماذج المظلمة الظالمة، لنحاول أن نبحث عن هؤلاء في جوانب الكهف عسى أن نجد بعضاً منهم على مقربةٍ من الفتية الصالحين قبلهم، لو تجولنا في الجوانب الداخلية من السورة، وتوغلنا إلى أعماقها فلا بد أن نجد في الأعماق، بعض الشباب الأصحاب ولكن على غير اتفاق، ولكن كيف جمعت بينهم الصحبة، وهم متناقضون في الأفكار والصفة؟! هذا الكلام قد يطرح كسؤال، لكن الجواب هو أن المراد بذلك ضرب الأمثال، كما أن الناس في صحبةٍ دائمةٍ على هذه الأرض مهما تعددت السبل بهم وتفاوتت الأحوال، ذلك أن الناس كما تؤكد آيات السورة فريقان: فريقٌ مؤمنٌ موحدٌ لله، معتمدٌ على ربه بلا شريك ولا أنداد، وفريقٌ منطلقٌ على هواه لا يذكر الله، ولا يُلقي عليه الاعتماد، إذن فالفريقان في افتراقٍ وتضاد، ولكلٍ طريقه وأسلوبه في التعامل مع الحياة، فالموحد يستسلم لربه ويتبع هداه، والملحد يستسلم لشهوته ويتبع طغواه، ويمثل الفريق الأول أصحاب الكهف التقاه، ويمثل الآخر كل إنسانٍ استغنى عن الله، وظن أن المال والأهل والأتباع، عليهم الركون والقوة وبهم العز والانتفاع، وعلى أي حالٍ فإن الفريقين ممثلان بأوضح صورة، في الآيات التي سننطلق إليها في وسط السورة، وقبل أن نأوي إلى أشعة الآيات سنجد على أشعة النور آياتٍ قبلها تحدد مصير الفريقين من الناس الذين أشرنا إليهم، فالله يقول:

(وَقُلْ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ..).

هكذا هو شأن الله مع عبيده، فهم أحرارٌ أمام ما أنزله من القرآن الذي ينطق بالحق، إنهم مخيرون بين الإيمان أو الكفر ما داموا في هذه الدنيا، لكن المصير إليه وكل فريقٍ بما عمل في حياته الدنيا سيجزى، وهذا ما يوضحه الله ويقول أولاً عن جزاء الكافرين:

(..إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا(29))[سورة الكهف].

هذا هو مصير من لم يؤمن بالقرآن، أما الفريق الثاني فإن إيمانه يسمه بسمةٍ جميلةٍ هي:

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ..).

هذه هي الصفة، إنه الصلاح والإحسان في كل الحالات، موقنين أن عملهم لوجه الله الذي لا ينسى، ولهذا قال:

(..إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا(30))[سورة الكهف].

فما هو الأجر يا ترى؟.

ها هو الله يوضح بجلاء:

(أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا(31))[سورة الكهف].

إنه العلو والسمو العظيم، والنعيم المقيم، والاطمئنان الذي يدوم، والرضوان من الله الكريم، فيا له من مقامٍ رفيع الدرجات، وهو جزاء لارتفاعهم في الدنيا عن الشهوات، والمرافقة للصالحات، فكان الجزاء من نفس العمل، وهذا هو الذي يجعل الإنسان يسعى للآخرة ولها يعمل، ولا يغتر بالدنيا ولا يفخر، ولا يرضى بالمتاع القليل المعجل، ولا يعتمد عليه ويظنه هو الغاية والأمل، فإن فعل ذلك فقد كفر بالله الخالق، بل جعل له المال شريكاً لربه الرازق، لا أقول هذا منطلقاً من علمٍ بلا دليل، ولكن الآيات التي سننطلق إليها هي البرهان الأصيل، ثم لماذا التسرع في الأحكام والدليل آتٍ، فلندخل إلى الآيات ففيها الأمثال البينات، فاستمعوا المثل أيها الشباب، فإنه خير برهانٍ لأولي الألباب:

(وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا(32)كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا(33))[سورة الكهف].

أسمعتم؟.

ها هما الرجلان أمامنا ماثلان، أحدهما يملك أهم متاع الدنيا وأهم مصادر المال، لماذا يملك؟، ومن أين أوتي ذلك؟.. من الله وحده، ولهذا فإنه ينسب كل ما في الجنتين إليه لا سوى، فهو يقول: (جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ).. ثم : (وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ).. ثم: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا).. ثم: (وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا).

فالكل عطاءٌ من الله الكريم، وهكذا نال هذا الفتى هذا العطاء العظيم، بينما الرجل الآخر، عاطلٌ من المال والثمر، ورغم ذلك فهو لصاحب الثراء مصاحبٌ مصطبرٌ على الفقر، راضٍ بما أراد ربه له وقدر، فلا يشك ولا يضجر، لكن صاحبه الذي أوتي الجنان ذات الأثمار، والمتفجرة الأنهار، ظنها خالدةً بلا اندثار، فلنشاهده يرى الثمر فيزهو بافتخار، ويضمر لصاحبه الاحتقار:

(وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا(34))[سورة الكهف].

لماذا يقول لصاحبه هذه المقولة؟.

إنه الغرور الأبلة، وحالٌ يدل على الغفلة، لقد ظن هذا الفتى أن المال هو المأمن المنيع، وإذا النفر لديه والأعوان هو العز والمقام الرفيع، فيا له من فهمٍ للحياة وضيع، ثم هل عند هذا الحد يتوقف الافتخار؟.

كلا، بل تواصل واستبان باستمرار، فلنستمع إليه ولنوجه الأنظار:

(وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا(35))[سورة الكهف].

هكذا هو الفتى الغافل، يظن أن العطاء من ربه غير زائل، بل ويظن أنه هو الذي شيده وتحكم، ولا يدري أنه لنفسه ظلم، وكيف لا يكون هذا الفتى لنفسه ظالماً، وقد نسي ربه الذي أعطاه المال والماء، ومكنه وأدام له النعماء، وليت الأمر توقف هنا بل إن الفتى المغرور، يشك أن إلى ربه المرجع والمصير، فقال:

(وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً..).

إن هذا الفتى قال الكلمة الهادمة الحاطمة، فيقول في فخرٍ واختيال:

(..وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا(36))[سورة الكهف].

أليس هذا الكلام يفصح عن الغباء، فهل كثرة المال والأعوان تجعل للناس عند الله خير مكان؟، وهل يوم القيامة تُشترى بالمال الوجاهةُ وتباع السلامة؟. كلا، إنما هذا الفتى صدق أوهامه، فلنتركه لأوهامه، ولنسأل عن صاحبه، فماذا كان موقف صاحبه؟. هل انخدع وخضع؟، ولغرور صاحبه مال واتبع؟، أم استمسك واقتنع؟.

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: