الشباب في القرآن (98): وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والسلام على الشباب وعلى المستمعين ومرحباً بهم أجمعين؛ وبعد:

قد عجبتم من وصف الصاحب الصالح لصاحبه المغتر، بأنه قد كفر، ولكن لماذا العجب والأمر واضحٌ لمن تفكر؟.

فالله رب العالمين هو المعطي وهو الوهاب للنعم، وهو القادر على نزع ما أعطى وقبض ما أنعم، وكيف لا وهو الله البارئ الخالق، وهو المدبر والرازق، وكل شيءٍ منه يسأل وإليه يفتقر، وكل شيءٍ عليه يعتمد ولعطائه ينتظر، فهو الذي بيده ملكوت كل شيءٍ وبيده الخير وهو على كل شيءٍ قدير، وإذن فهو الذي يُرجى ويُدعى، ويُقصد، وعليه يُركن ويُعتمد، فمن دعى سواه أو ترجاه، فقد أشرك مع الله سواه، ومن قصد غير الله، أو اعتمد على شيءٍ من متاع الأرض، فقد كفر بربه وعن شكره أعرض، ومن ظن أن شيئاً في الأرض أو في السماء ينفع أو يضر أحداً فقد جعل لله أنداداً.

إن الشرك بالله هو الطريق الأخطر، وهو الذي للناس وللأمم يدمر، ولهذا يقول الله: (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلُ كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُشْرِكِينَ(42))[سورة الروم].

فالشرك هو سبب الهلاك لكل القرون، وهو المدمر للأولين واللاحقين، ولهذا فإن الصاحب الصادق، حاول أن ينبه صاحبه إلى الخطر الماحق، ثم حاول أن يرشده إلى السلوك المستقيم، فقال بكلامٍ حنونٍ حميم:

(وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ..).

هكذا يدله على الطريق الآمن، الذي يليق بالمؤمن، وهو الواجب على كل مسلمٍ موقن، وهو حضٌّ لكل الشبان في كل زمانٍ ومكان، وهو نداءٌ لكل أصحاب المال في كل زمان، فهل نعي هذا النداء؟. وهل نتبع هذا الهدى؟. إن هذا هو الواجب على كل فتاةٍ وفتى.

وبعد فقد يقال:

ألم يبدأ الصاحب المغرور حواره بالفخر والاختيال، فلماذا لم يرد عليه صاحبه في الحال؟، هذا سؤالٌ سألناه في الحلقة الماضية، والجواب على السؤال هو أن السبب مهمٌ، وله دواعي عالية، فالرجل لم يهتم بنفسه التي أراد صاحبه إهانتها، ولم يتأثر بالثروة التي صاحبه يتمتع بها، فلا يضر المطمئن إلى ربه أن يتفوه أحدٌ بإهانته وبخسه، ولا تهزه كلماتٌ نفث بها فاقد لحسه، فذلك شيء يجب أن لا يتلفت إليه من سمى، ولا يتأثر به من ثبت على التقوى، كلا بل المهم عند المؤمن الصالح، هو الدعوة إلى الله بأسلوبٍ واضحٍ وناصح، وهذا هو ما بادر إليه أولاً الصاحب العاقل، ثم لما انتهى من النصيحة بدأ بردٍ على تفاخر صاحبه الغافل، لقد أرسل الرد باسلوبٍ لطيف، وبدأه بحرف الشرط الخفيف، فقال بتماسكٍ شريف:

(..إِنْ تُرَنِي أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا(39)فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِي خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنْ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا(40)أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا(41))[سورة الكهف].

إن الكلام بإجماله يدل على تماسكٍ متين، وعلى الثبات والاستقامة على الدين، فلم يُفتِ الرجل بما ناله صاحبه من مالٍ وبنين، ولم يُبدِ ضعفه أمام تفاخر صاحبه المبين، إن كثيراً من الناس يفتنه الترف فيُبدي الهلع، ويحاول أن يلحق بالمترفين ويخضع، وإذا لاح منهم الإغراء انقلب على عقبه وتزعزع، ولهم استجاب ولفسادهم اتبع، وهذا أمرٌ يحدث كثيراً في كل زمان، ولن تعدم أن ترى ذلك في كل مكان، وهذا أمرٌ أكده الله بأوضح بيان فقال: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ(11))[سورة الحج].

وهذا ما يحدث فعلاً في كل حين، لكن هذا الفتى الصاحب لم يكن من هؤلاء المتهورين، بل ثبت كالجبل الأشم، مطمئناً إلى ربه الأكرم، وبالاختيال والافتخار من صاحبه لم يهتم، وأعلن بشكلٍ حازمٍ قاطع، أن كثرة المال والولد لا تعني شيئاً عند المؤمن الخاشع، فهو على أملٍ كبير، أن الخير عند ربه كثير، وأنه سيؤتى منه بكرمٍ وفير، وإنما المال والولد ابتلاءٌ وزينة، ولن تدوم ولن تبقى وإنما الباقي أن يخلص لله دينه، بل إن كل مالٍ ومتاعٍ عند الناس يتبدد، وما عند الله باقٍ لا ينفد، وهكذا نبه الصاحب صاحبه، إلى أن الخير المؤمل عند ربه هو الأولى بأن يفرح به، ثم ذكره أن هذه الجنة المثمرة، والأنهار المتفجرة، إنما هي من الله مسخرة، ولو شاء الله لأرسل عليها حسباناً من السماء، والحسبان هو المقدار المحسوب من العذاب، الذي يجعل الحياة كاليباب، فتصبح الأرض صعيداً يابساً أمْلَسَاء، وتصير الجنة زلقاً لا تمسك من الأسباب شيئاً، فلا التراب يبقى خصباً، وهذا الماء الذي يسقي الأشجار فتثمر ثمراً طيباً، قد يصبح غائراً في أعماق الأرض بل يصبح هو الغور البعيد بنفسه، فلا يمكن أن يدرك أو يستطيع صاحبه له طلباً، لكن الحق أن هذا الكلام ليس المراد به الحسد المثير، بل المراد به التنبيه والتذكير، والتعريف بقدرة ربه الكبير، بل إنه أورده على قصد التحذير المفيد، الذي يدل على حبه لصاحبه وحرصه الشديد، فالمؤمن لا يحسد ولكن ينصح، والمؤمن لا يفسد ولكن يصلح، وهذا هو الذي أراده الصاحب المتذكر، لصاحبه المغرور المفتخر، وبعد فماذا أعقب هذا الحوار؟، وهل بقيت الصحبة باستمرار؟. وهل بقي كل من الصاحبين على نفس الحال؟. أم تغيرت بهما الأحوال؟..

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: