الشباب في القرآن (99): وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ

بسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على رسوله محمد الكريم، وعلى آله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين من قبله، وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين الكرام ومرحباً بهم على الدوام؛

ها نحن اليوم ندعوكم أيها الشباب لما سألناه أمس عن الصاحبين بعد الحوار، هل دامت صحبتهما وبقي كلٌ منهما على حاله باستمرار؟.

إن الجواب نجده من الله العليم القادر، الذي يعلم الماضي والآتي والحاضر، فلقد قال عن مصير هذا الفتى الذي اغتر بمتاع الدنيا، (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ..) لم يحدد من الذي أحاط بها، لأنه لا يمكن إلا أن يكون هو الله الذي أنعم بها، لكنه جعل الفعل مجهول الفاعل، ليدل على أن عقابه مفاجئ وعاجل، والله يعلم الغيب والشهادة بشمول، لكن الإنسان غافلٌ عما يأتيه من الغيب المجهول، فهو بما بين يديه مشغول، وهو بالأموال والآمال مغلول، بل نائمٌ في ذهول، ولا يصحو من غفوته، إلا بالمفاجئة والمباغتة، فإذا به يعلن غفلته، ويعترف بغباوته، ولكن حين لا ينفع الندم، ولا يجدي الحزن والألم، فما حصد إلا ما بذر، ولا أصابه إلا ما به افتخر، فهو الذي قدم ما جنى، وهو الذي اصطدم بما سعى، فلنعد العبارة، لندرك ما أصاب صاحب الجنة، (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ..)، فماذا كان له من قوة، وأين ماله وأين عزة نفره، لم يجد منها شيئاً ينفع، ولم ينجده أحدٌ ليدفع، فلنشاهده على حالته كما يصورها الله:

(فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا(42))[سورة الكهف].

إن الكفين مكفوفتان فلا تملكان إلا أن تتقلبا حزناً، ولا تملكان أن تتغلبا حزما، إن المال المنفَق قد ضاع وتفرق، فلم يلملم ولم يجمع الشمل الممزق، وعروش الأعناب الدانية، وفروع النخل الباسقة العالية، أصبحت متمرغةً بالتراب خاوية، وأعاليها تحت أسافلها واطية، وأطيانها لأثمارها طاوية، وأشجارها في ركام غبارها متوارية، فيا لها من إحاطةٍ حاطمةٍ ماحية، ويالبؤسه من فتىً أمام نكبته القاضية، لقد نسي ربه الكريم المسخر، وانبرى بالمال والنفر يفتخر، لكنه الآن يعود إلى ربه الذي أكرم، ويتذكر ربه المعطي في ندم، وهو الآن فقط يعلن أنه أشرك به ويفهم، فهو يتمنى أنه لم يكن على هذا المنزلق أقدم:

(وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا).

أسمعتم أيها الشباب إلى قول هذا الفتى؟، تأملوا معنا قوله:

(يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا) لقد اعتبر اعتزازه بالمال الكثير، وعزته بقوة العشير، شركاً بربه الكبير، ولقد اعتبر اعتماده على ثمار جنته النضيد، وظنه أنها باقيةٌ لا تبيد، اعتبر هذا السلوك شركاً بربه الغني الحميد، ولقد أيقن الآن أن الاستبعاد للساعة، والاعتقاد بأن المقامات تباع فيها مثل البضاعة، أيقن الآن أن هذا شركٌ بربه العليم القدير، واللطيف الخبير، لأنه نكرانٌ لقدرته وحكمته، وعدله في الخلق، وكأنه خلق كل شيءٍ عبثاً ولم يخلقهم بالحق، وهذا ظنٌ يردي ولا يقوله إلا الأحمق، وكيف لا والله هو الولي والمولى، وهو الذي إليه المصير والمأوى، لتجزى كل نفسٍ بما تسعى، فلا يعزب عنه شيء ولا يخفى، وهو المدبر لكل ما في الأرض ومن في السماء، فمن اعتمد على سواه فقد هوى، ومن استنصر بغيره فقد غوى، ولهذا يُنبهنا إلى مصير ذلك الفتى فيقول: (وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا(43))[سورة الكهف]. لم ينصره مالٌ ولا رجال، ولا ثمارٌ ولا أنهارٌ ولا ظلال، بل خرَّ في خسرانٍ وضلال، لأنه نسي الله ربه ذا الجلال..

(هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا(44))[سورة الكهف].

فهو ولينا الحق؛ الذي له دعوة الحق، وهو العليم بما خلق، ولنطلب الثواب لديه، فالخير كله بيديه، ولنسأل منه العقبى، فهو العليم بما نسعى وبه يحسن الجزاء، وهكذا ندرك الفارق بين الصاحبين، فمن تولى المال والثمر، واعتز بالأهل والنفر، أصبح في خسرانٍ لا ينكر، ولم ينفعه ماله ولا نصر، ولم يستطع بشيءٍ أن ينتصر، فالناصر والولي هو الله، والخير والثواب عنده لا سواه، والعاقبة الحسنة لمن استسلم له واتبع هداه، والعز والأمان لمن استنصر به وتولاه، والخير والاطمئنان أبداً لمن قال:

(لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا(38))[سورة الكهف].

وهذا هو ما قاله الصاحب الآخر، وأعلنه أمام صاحبه الذي افتخر، لقد استمسك بربه فاطمأن قلبه، ولقد وثق بعطائه المستمر، فآتاه من رحمته غيثٌ منهمر، ومن سلامته سرورٌ مثمر، وله مع ربه وعد لقاءٍ سعيد، يوم لا ينفع مالٌ ولا بنون ولا يفيد، إنه يومٌ يكون فيه الفريقان مختلفين، والصاحبان متفاوتين، (وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ(38)ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ(39)وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ(40)تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ(41))[سورة عبس].

وجوه من هذه المغبرة؟.

ها هو الجواب من الله الذي يعلم ما أخفى العبد وأظهره:

(أُوْلَئِكَ هُمْ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ(42))[سورة عبس].

فهل بعد هذا أيها الشباب لا نختار؟، وهل بعد هذا البيان نحتار؟، لا شك أننا سنختار سلوك الصاحب المستقيم على الدين، وسنمقت سلوك الصاحب الذي اعتمد على المال والبنين، وهذا هو الذي يجب على أولي الألباب، وهو الميدان المفتوح لكل شابةٍ وشاب، على هذا نودعكم أيها الأخوة ونودع الصاحبين على استبصارٍ للصواب، على أن نلتقي بكم غداً في قصصٍ آخر فيه عبرٌ لأولي الألباب، فإلى اللقاء بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: