الشباب في القرآن (100): إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلام على رسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين، آمين. وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين الكرام، ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم؛

اليوم سنبدأ رحلةً أخرى مع أنموذج الشباب المظلم النفوس، فقد قدمنا في الحقات الماضية أنموذج الشاب الذي افتخر بالمال والثمر، واعتز بالقوم والنفر، فظلم نفسه وأظلم سبيله، فتحطمت عروش الأعناب ونخيله، وأحيط بثمره وهان قبيله: (فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا(42))[سورة الكهف]. وهكذا تركناه فقيراً منفرداً، لأنه جعل لله نداً، فهو شاب مظلم النفس مغرور، وبالمتاع الفاني مختار فخور، وهانحن اليوم نقترب من نوعٍ مماثلٍ من الفتيان، فتنوا بجنةٍ جناها دان، ويُقال أن هذه الجنة في اليمن وفي بلاد همدان، وعلى أي حالٍ فأينما كانت الجنة وأصحابها فإن المهم هو العبرة التي سنخرج بها، والاطلاع على مآبهم المظلم بعد أن فاجأهم مآبها، إن هذه الحكاية معروفة مشهورة، وهي في سورة القلم غرة السورة، فلنقرأ الحكاية من البداية، فإنها تشع بالعبرة لكل ذي دراية؛

(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)وَلَا يَسْتَثْنُونَ(18)فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19)فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20))[سورة القلم].

هذه هي البداية، ولنبدأ باستقرائها قبل أن نستعجل الوصول إلى النهاية، إن هذه الآيات تأتي بعد أن نهى الله رسوله الأمين، وكل المسلمين معه إلى يوم الدين بقوله تعالى: (وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ(10) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ(11)مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ(12)عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ(13)أَنْ كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ(14)إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ(15))[سورة القلم].

وهذا أنموذج بشري يتكرر في كل مكان وحين، وهو في هذا العصر واضحٌ مبين، فالناس يتكالبون على المال، ويتوسلون لذلك بأسوأ الأفعال، بالهمز واللمز فيما بينهم حقداً وبغضاً، وبالحرب والعدوان، وبالإثم والعتو والطغيان، فهم عتاولةٌ أشداء فيما يجلب إليهم الخطر، وهم يتسابقون للشهرة في كل شر، وكل هذا من أجل المال والأعوان، وكأنه هو السلام والأمان، وينسون أن المعز والمؤمن والسلام هو الله الرحمن، إذن فهم كالحيوانات لا يعرفون إلا الأكل بشكل منهوم، وكأن كل واحدٍ له إلى أكل المال خرطوم، ولهذا قال الله:

(سَنَسِمُهُ عَلَى الْخُرْطُومِ(16))[سورة القلم].

فالخرطوم وسامه الذي هو موسوم، وأمام هذا الواقع المزري والسباق المحموم، يقول الله إن هذا العطاء إنما هو ابتلاء ليظهر من الناس من هو أحسن عملاً، ومن هو أسوأ فعلاً، فهل نجحوا في الابتلاء، يبدوا أنهم لم يفلحوا بل زادوا طغوى، ولهذا فإن الحكاية التي نحن بصددها توضح الحال وتدلنا على المنتهى، فلنعد إليها ولنتأملها بإمعان، فنجد العبرة والبيان؛

(إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)وَلَا يَسْتَثْنُونَ(18)فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19)فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20))[سورة القلم].

إذن فإن الانخداع بالمال والتراب، إنما هو انخداع بالسراب، فالأمر كله بيد الله وهو المدبر والمقدر، فمن ركن إلى سواه، فقد وكل نفسه إلى الهباء وضاع في المتاه، وكيف لا والناس ينامون وهم إلى الحي القيوم، والناس يموتون وإليه يرجعون، وهم إليه محتاجون وهو الغني الحميد، وهو الذي ينمي الزروع والثمار، وهم يأكلون ويجنون الثمار، فكيف يستغنون عنه ولا يستثنون، وكيف يظنون أن القرارات بأيديهم وهم بيد ربهم ولا يشاؤون إلا ما يشاء، ولو ظنوا أنهم يقررون، فقد جعلوا لله شريكاً في تدبير ما يكون، وحاشا أن يحدث شيءٌ أو يجري، والله به لا يدري، فيا أيها الشباب كونوا على يقينٍ أنكم بيد ربكم رب العالمين، وأن قوتكم من قوته، ولا حول ولا قوة إلا به، فلا تغتر يا فتى بالعضلات والمال، ولا تفخر بما تتمتع به من قوةٍ وصحة، فإنما هو عاريةٌ مستردة، والله هوالمانح، فإذا لم تشكر وتعمل العمل الصالح فإنك تفقد العطاء وتذكر ما حدث لهؤلاء الشباب أصحاب الجنة:

(فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19)فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20))[سورة القلم].

فماذا حدث لهم بعد الصحو من المنام وكيف وصلوا جنتهم عند الصباح؟. هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله. 

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: