الشباب في القرآن (101): إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والأنبياء والمرسلين، آمين. وبعد:

السلام على المستمعين وعلى الشباب، ومرحباً بهم أجمعين؛

لقد سلكنا بكم في الحلقة الماضية طريق الفتية الذين أقسموا على أن تكون جنتهم لهم وحدهم، فلا ينال منها أحدٌ خيراً، ولقد ضرب الله بهم المثل لمن يبخل، ويطيل الأمل، كيف يخيب ويفشل:

(..إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ(17)وَلَا يَسْتَثْنُونَ(18))[سورة القلم].

ها هم يقسمون أن الجنة سيتولون هم حصادها بأنفسهم، وسيعاجلون ذلك مع الصباح مبكرين، ولا يتركون فيها شيئاً من الثمار، لطيرٍ أو عصفورٍ أو مسكين، وهذا هو معنى: (وَلَا يَسْتَثْنُونَ).

هكذا أرادوا وقرروا، وبهذا عزموا وتشددوا، ظانين أن الأرض بأيديهم، وأن السماء لا تعصيهم، وأن ربهم لا يسمع سرهم، لكن الله يسمع ويرى، وبيده الأرض والسماء، وهو المدبر لكل ما فيهما ومن فيهما، وبيده ملكوت كل شيءٍ وهو على كل شيءٍ قدير، ولهذا فإن الفتية الغافلين ناموا مصممين على ما عزموا، وهم على يقينٍ أن قرارهم لا يُنقض، لكن الله الحي القيوم يدبر من نام ومن تيقظ، فلقد أراد لهم غير ذلك وهو الله إذا قال لشيءٍ كن فإنه يكون؛

(فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ(19)فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ(20))[سورة القلم].

إنه طائفٌ خفيف، وهبة ريح، طافت على الجنة ذات الحفيف، فإذا الشجر والثمر الكثيف، يصبح يابساً هشيماً، ومسوداً صريماً، فليس للأغصان نعومةٌ ولا رفيف، ولا للثمار ولا للظل أثرٌ معروف، حدث هذا وهم نائمون، وفي يد الله مستسلمون، لا يدرون ماذا يجري، ولا يعلمون ماذا يكون، وهكذا هو الإنسان يظن أنه يملك القرار وعليه يعزم، وهو ضعيفٌ يأخذه النوم، بل لا يدري ما سيكسبه بعد لحظة، ولا يعلم ماذا يكون بعد دقيقةٍ حظُّهُ، وكيف لا وهو لا يعلم من الغيب شيئاً بل الله هو علام الغيوب الذي لا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، لقد نام الفتية وهم عن هذه الحقيقة غافلون، بل واستيقظوا وهم عنها غافلون، وعلى قرارهم مصرون؛

(فَتَنَادَوا مُصْبِحِينَ(21))[سورة القلم]..

أي كل واحدٍ نادى الآخر واستعجله للمهمة، وكأنهم يسابقون الضوء إلى الجنة.

ماذا كان التنادي بينهم؟.

(أَنْ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنتُمْ صَارِمِينَ(22))[سورة القلم].

هذا هو النداء المتبادل بين الفتية، لقد استجاب كل واحدٍ لصاحبه، وتجمعوا عصبةً على الحصاد عازمة، والتقوا على الطريق التي إلى الجنة ذاهبة، وهناك أسرع الموكب بعزائم واثبة، لكن النوايا سيئةٌ خائبة، ولهذا كان الحوار بينهم همساتٍ مخافتة..

(فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ(23)أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ(24)وَغَدَوْا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ(25))[سورة القلم].

هكذا انطلق الموكب، وهو إلى الحصاد ذاهب، وهو يحصي الأرباح والمكاسب، ويظن أن المسكين إذا دخل عليهم ليعمل أو يسأل فسيأخذ منهم الغلات التي أملوا، وسينقص عليهم المكاسب التي حسبوا فكيف يدخل معهم المسكين، إن هذا لا يمكن أن يكون، إن الجنة لا تسمح بالاستثناء، فكل ما فيها خاصٌ بنا، ولا نسمح لأحدٍ أن يشاركنا، وكيف يشاركنا ونحن الحارثون والحاصدون، ونحن المالكون والزارعون.. قالوا هذا وهم غافلون أن الله هو الزارع، ولو شاء لجعل الزرع حطاماً، وقالوا هذا وهم ناسين أن الله هو الذي أنزل الماء، وسقى الحرث والزرع، ولو شاء لمنع الماء، أو لجعله ملحاً أجاجاً، فلا ينفع ولا يثمر، ولا ينمو عليه شيء ولا يخضر، ولكن ينقع ويدمر، وعلى هذا الأساس غدوا إلى الحرث حاصدين، وظنوا أنهم سيكونون عليه رابحين، ومن الزرع متمكنين ومن منع المساكين، لقد كان الحرد وهو المنع هو ما قدروا عليه، فلولا قدروا على البذل والعطاء، لقد كان البخل والشح هو ما عزموا عليه، فهلا عزموا على الجود والرجاء، واليقين في ربهم الذي خلق فسوى، كلا لقد كان الحرد هو الحزم والمقصد، ولقد كان المنع هو العزم الأرشد، هل قدروا على ما قدَّروا؟، وهل وجدوا ما حددوا؟، وهل نفذوا ما قرروا؟، وهل كانت الجنة في انتظارهم كما تصوروا؟.

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: