الشباب في القرآن (102): وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والأنبياء والمرسلين، آمين. وبعد:

السلام على الشباب وكل المستمعين ، ومرحباً بهم أجمعين؛

اليوم سنكون مع أنموذج رائع من الشابات المؤمنات اللواتي أخذن في القرآن حيزاً يليق بهذا الأنموذج المشع بالإيمان، قد تسألون من هي هذه المرأة التي تحتل هذه المكانة القرآنية، ولماذا تنال هذا المقام؟.

إن الجواب يأتي في القرآن:

(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ(12))[سورة التحريم].

لا شك أنكم قد عرفتم هذه المرأة الآية، وهذا هو الجواب على السؤال الأول وعلى الثاني. ذلك أن الثاني كان عن السبب، وهو لماذا نالت هذا المقام، ولهذا فالله يقول:

(الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا)، فماذا يعني هذا الإحصان؟.

إنه يعني الطهر والنقاء عن شهوات الدنيا، والانصراف إلى البر والتقوى، فلقد اعتزلت الحياة الدنيا وأسبابها، وعزفت عن الحياة الزوجية وعشرتها، وانقطعت إلى الله عابدةً ولم تمتد عينها إلى سواه، بل كانت له قانتة، ولهذا يقول الله:

(وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ).

وهذه الآية التي أوردناها قد جاءت في آخر سورة التحريم، وقد ختمت بمثلين ضربهما الله لنوعين من الناس هم الذين كفروا والذين آمنوا، وكان التمثيل للفريقين بمثلين من النساء، فأما الفريق الأول فقد كان مثاله امرأة نوح وامرأة لوط، فكيف كانا مثلاً؟.

إن الإيضاح هو:

(كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنْ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ(10))[سورة التحريم].

إذن فالمرأة التي تخون الرسل وتخرج عن الدين، ولا تتبع الصالحين، فإنها تدخل النار مع الداخلين، ولا ينفعها أن يكون زوجها من المرسلين، وهذا ما يجب أن تعرفه الشابات في كل زمان، فهن مكلفاتٌ بالصدق والإيمان، ولنعد إلى الموضوع، فلقد جاء بعد المثل الأول مثلٌ ثانٍ للذين آمنوا وكان المثل لهم امرأتين صالحتين، الأولى امرأة فرعون فها هي في قصر الطغيان والشر وادعاء الربوية في الأرض، ولكنها تنصرف عن ذلك وتتجه إلى ربها تنادي:

(..رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11))[سورة التحريم].

هذه هي المثل الأول للمؤمنين ، أما المثل الثاني فهو (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ..) إلى آخر الآية التي تصدرت الحلقة، وإذن فإن هذا العرض السريع والاستطراد المقتطف، لا نريد به إلا الوصول إلى الهدف، وهو مريم ابنة عمران، فقد ضرب بها المثل لأمة الإيمان، وكانت علامةً من علامات الطاعة لله والإذعان، وكانت امرأةً تشع بأروع مثل للنسوان، وتدل على أن للمرأة مقاماً رفيعاً عند الرحمن، ما دامت على هداه تسير بإيمان، ولهذا وصف الله مريم بقوله:

(..وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ(12))[سورة التحريم].

وهكذا هو شأن كل شابةٍ في كل زمان، أن تؤمن وتصدق بكتب الله وبالقرآن، وأن تعمل بما تقرأ، وتصدق بما تعلم، ثم تظهر ذلك في السلوك طاعةً وقنوتاً لله، بهذا تنال من ربها العطاء كما نالت مريم، فالله قريبٌ من كل عباده، وهو العليم بما في قلوبهم من خيرٍ فيعطي كل واحدٍ بما يستحق، فمن أحسن زاده خيراً، هل جزاء الإحسان إلا الإحسان، ولهذا فإن قنوت مريم وطهرها وتصديقها بعلم ربها، كان سبباً في عطاء ربها؛

(..فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ(91))[سورة الأنبياء].

لقد أصبحت هذه الشابة الطاهرة آية للعالمين، كما كانت مثالاً حسناً للمؤمنين، وليس هذا فقط فقد زادها الله عطاء، فكان ابنها المسيح عيسى بن مريم آيةً أخرى، ولا يزال إلى اليوم عبرةً للمعتبرين، ودليلاً على قدرة الله رب العالمين، ولو نظرنا إلى أسباب هذا السر والعطاء الرباني، وعدنا إلى متابعة الأولى، لوجدنا أن الأسرة الكريمة المخلصة لربها تحظى بنسلٍ كريمٍ محظوظ من عطاء ربه، فلقد كانت أم مريم امرأة صالحة مؤمنة، وهي البداية لهذه الآيات البينة؛

(إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35))[سورة آل عمران].

فها هي هذه المرأة تنذر ما في بطنها لربها وتحرره من كل أسباب الحياة الدنيا ليبقى مخلصاً لله لا سواه، وها هي تنادي ربها بأسلوبٍ موقنٍ بأنه القريب فتناديه بدون حرف نداء وتقول: رب. ثم تسأله القبول وتصفه بأنه وحده السميع العليم، فلا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو العليم بكل ما يبدو وما يخفى فكيف لا يتقبل منها هذا الدعاء والله هو السميع العليم. وعليه فلنتابع الموضوع، ولنشاهد امرأة عمران وهي تقترب من الموعد الذي هو الوضع للولد..

(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى..). لقد ظنت أن الأنثى لا ترقى إلا مستوى النذر والتحرير، وأن الله لم يقبل منها نذرها، لكن الله يؤكد لنا وهو العليم أن الأنثى قد تفوق الذكر، فيقول:

(..وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ..). ثم يقول: (..وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى..).

أي ليس الذكر الذي طلبت كالأنثى التي وهبت، فهذه الأنثى سيكون لها شأناً، وستكون آيةً بإذن الله، وستكون أنثى متميزة بفضل الله، وهذا ما ستسفر عنه الأيام، وعلى هذا الأساس سلمت امرأة عمران، وقبلت ما وهبها الرحمن، فهي تقول:

(..وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36))[سورة آل عمران].

وهكذا ندرك أن الأصل والمنبع لمريم وابنها أصلٌ كريم، ومنبعٌ تزكى بالإيمان، ولهذا فهي تعيذ مولودتها بالله ربها ولا ترجوه شيئاً سوى هذه الحماية، التي تسمو بمولودها، وهذا هو ما يجب أن يتوخاه كل أبٍ وأمٍ في مواليدهم، لينالوا رعاية الله لهم، تماماً كما نالت مريم، فماذا نالته مريم من ربها؟.

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: