الشباب في القرآن (103): وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله الأمين، وعلى آله وصحبه والأنبياء والمرسلين، آمين.. وبعد:

السلام على الشباب وكل المستمعين ، ومرحباً بهم أجمعين؛

نحن مستمرون مع مريم العذراء، مع الشابة القانتة لربها التي ضرب الله بها المثل في العفة والنقاء، فكانت آية في الناس والنساء.

لقد تركناها في حلقة أمس مولودةً في حضن أمها، وهي تعلن أمام ربها اسمها وتدعوه أن يصونها، وتقول:

(..وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ(36))[سورة آل عمران].

إنها أنموذجٌ جميل، لكل أم وأب يحب لمولوده الخير الجزيل، وكيف لا وقد أحسنت الأم الصالحة اختيار الاسم لابنتها، واتجهت إلى ربها بالدعاء أن يعيذها من كل شيءٍ يبعدها عن ربها، وما الشيطان إلا عدوٌ يغوي ويغر الإنسان عن ربه، فإذا هو بعيدٌ عن ربه، غافلٌ عنه قلبه، وهذا هو الضلال الذي يجب أن نفر عن أسبابه، ونلوذ بربنا من الابتلاء به، فهو المعيذ والمعين لعباده وأحبابه، وإن الدليل على ما نقول هو في الآية التي تلت دعاء أم مريم البتول، فالله يقول:

(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا..).

إذن فالله يستجيب دعاء الأمهات والآباء للأبناء والبنات، ويلبي رغبتهم في إنباتهم أحسن إنبات، وهذا يدفعنا إلى التوجه إلى الله بأحسن الدعوات لأبنائنا والبنات، لينالوا من ربهم الخيرات، وليكونوا من خير الشبان وفضلى الشابات، وهذه هي أجمل الأمنيات، ومن أجلّ النعم والهبات، ولهذا يقول الشاعر:

نعم الإله على العباد كثيرةٌ         وأجلهن نجابة الأولاد

وبعد فإن الذي توقعته امرأة عمران لابنتها مريم، قد أجيب لها وتم من ربها الأكرم، ولم يقف العطاء عند هذا الحد من الإحسان في القبول والإنبات، بل إن الفتاة نالت اهتماماً خاصاً يليق بها وبأمها الصالحة، ذلك هو قوله تعالى: (..وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا..).

فهذا الرجل النبي الصالح الأواب، أصبح الكفيل لمريم الذي يرعاها ويخدمها وهي منقطعةً لربها في المحراب، فيا له من كافلٍ كريم، يرعى شابةً على طريق مستقيم؛

(..كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ..).

إن زكريا يفاجأ كل يومٍ بعلمٍ واسعٍ لدى مريم، وهذا هو الرزق الذي به من ربها تكرم، ولهذا سألها باستغرابٍ واستبعاد؛ (يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا)؟.

أي من أين لك هذا العلم الواسع، وهذا الرزق الغزير النافع؟.

قالت هو من عند الله، فالله يعطي عباده المنقطعين إليه ما يستحقوه من علمٍ يقربهم إليه، ويرتفع بهم لديه، وهو يزيد المهتدين هدى، ويؤتيهم من علمه نوراً، ولا غرو ولا غرابة فهذه هي سنة الله في أحبابه، ولهذا ختمت مريم كلامها بقولها:

(..إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37))[سورة آل عمران] فهذا عطاء منه وهو الوهاب..

قد تقولون : إن زكريا كان يجد عند مريم الأكل النادر، والفواكه في غير موسمها كما قال المفسرون، ولكن لماذا كان يدخل عليها المحراب؟، إنه لا يدخل إلا ليقدم لها الطعام، لأنه كافلها وربها هو الذي كفلها زكريا ليقوم بهذه المهمة، كما جاء في أول الآية، إذن فالرزق المراد به العلم الواسع، والهدى الحق والمعرفة العميقة بربها الوهاب، ولهذا أكدت له أن الله يرزق من يشاء بغير حساب، وإن شئتم الدليل على أن الرزق هو العلم والهدى، فالله يقول لرسوله محمد:

(وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى(131))[سورة طه]..

أي لا تهتم بمتاع الدنيا، ولا تمتد عينك إلى من همهم الطعام، فهذا شيء يفنى، وما لديك من العلم والقرآن هو الرزق الأبقى، ثم إن شعيب يؤكد الدليل:

(قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقًا حَسَنًا..)[سورة هود].

فما هو الرزق الحسن هذا؟.

إنه العلم والنبوة، وعلى أي حالٍ فإن الرزق الذي نالته مريم من ربها وهو العلم والهدى، قد دفع زكريا إلى التطلع إلى مثله في ذريته، فاتجه إلى ربه في الحال:

(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ(38))[سورة آل عمران].

فالتطلع إلى الذرية الطيبة يعني أنه وجد عند مريم علماً يستحق أن يطلبه من ربه، وهكذا كان، فبشره الله بيحيى وجعله رضيا، وآتاه الحكم صبيا، وقد سبق أن قدمناه كأنموذجٍ للشباب الطيب في حلقاتٍ سابقة، ولهذا لن نخرج الآيات عما نحن فيه، ولن نغادر محراب مريم، فها هي تزداد من الله رزقاً حسناً، وعطاءً متميزاً، فاسمعوا ماذا نالت:

(وَإِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42))[سورة آل عمران].

اصطفاك لعبادته وحبه، واصطفاك على نساء العالمين بأن تكوني آيةً في الولادة والمولود، وتصبحين بذلك درة نادرة الوجود، ولكي تنالي هذا المقام يستمر النداء:

(يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43))[سورة آل عمران].

وهكذا استمرت واستقامت، حتى جاءها البشير بأروع ما نالت امرأة وما به بشرت، فماذا جاءها وبماذا بشرت؟.

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




One Thought on “الشباب في القرآن (103): وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ

  1. احمد الحياري on 17 يونيو، 2014 at said:

    كلمت مريم مامعناها

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: