الشباب في القرآن (104): يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام منه على رسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين، آمين. وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين ، ومرحباً بهم أجمعين؛

اليوم ندعوكم أيها الشباب والشابات لمتابعة الشابة المؤمنة القانتة لربها، كما أمرها ربها:

(يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43))[سورة آل عمران].

هكذا وبهذا النداء الحميم، يأمرها ربها العليم، لتستعد للحدث العظيم، الذي تميزت به وجعلها آية، وإن هذا ليؤكد لنا ولكل شابٍ وشابةٍ في كل زمانٍ ومكان، أن الاعتصام بالله والاستسلام، والقنوت والطاعة له بالتزام، والسجود والركوع بخشوعٍ تام، هو الطريق لنيل عطائه الواسع، وهو المعراج لصعود مقام الصالحين الرائع، فلنكن قانتين لربنا ولنكن له ساجدين، وفي امتثال أوامره راكعين، إن هذا هو موكب كل العالمين، وهو درب كل الصالحين والسابقين، فالانضمام إلى هذا الموكب الكريم هو الفوز والسلام..

(وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ(15))[سورة الرعد].

وعليه، فإن الخروج عن هذا الموكب هو ابتغاءٌ لشيءٍ لا يرضاه الرب، بل هو سيرٌ في طريقٍ مظلمٍ حالك، ونهايته مصيرٌ هالك، لأنه في غير دين الله سالك..

(أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83))[سورة آل عمران].

إذن فإن مريم القانتة لربها قد سجدت وركعت لربها مع الراكعين، وهم كل هؤلاء الذين ذكرتهم الآيات، فكل ما حولنا وما فوقنا وما تحتنا مسبحٌ لله مسلمٌ ساجد، فما بال الإنسان يخرج عن هذا السبيل القاصد،  ويبتغي غير دين الله الواحد، إن الإسلام هو دين كل شيءٍ وحي، ودين الكواكب والأشجار، ودين المياه والأحجار، ودين الملائكة والأبرار، كلهم راكع لله الواحد القهار، وبعد فها هي مريم قد انضمت إلى هذا المسار، فماذا نالت في هذا المضمار؟.

استمعوا أيها الشباب هذا النداء الموجه إليها:

(إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42)يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)ذَلِكَ مِنْ أنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ(44) إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ(45))[سورة آل عمران]..

يا للجمال والجلال!!

ها هي العذراء القانتة لربها، والتي أحصنت فرجها، ها هي بمولودٍ تبشر، ولم يمسسها بشر.. إن هذا تصديقٌ لوعد الله بأن يجعلها آية، فها هي تصبح فعلاً آية من آيات الله، وتصير أماً لمولودٍ جليلٍ بإذن الله، إن الولادة بغير أن يمسها بشر، آية عظمى من آيات الله العزيز المقتدر، وإنها لآيةٌ تلوح على الناس بمقامٍ رفيعٍ لا ينكر، نالته هذه القانتة لربها الأكبر، وستبقى آيةٌ في كل زمانٍ ولسانٍ تذكر، هل توقف العطاء عند هذا الحد؟. وهل العطاء توقف عند أن تحمل مريم وتضع الولد؟.

كلا، بل إن مولودها على غيره تميز، وبالآيات تفرد، ولنستمع إلى ذلك بشكلٍ مؤكد؛

(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنْ الصَّالِحِينَ(46))[سورة آل عمران].

وهل هذه الآية هي النهاية؟.

لنتابع الأحداث لنرى ما سيحدث لمريم قبل الولادة وعند الولادة وبعدها، ولكي نشاهد ذلك لننتقل من سورة آل عمران إلى سورة مريم، ففيها التفصيل لما به الله عليها أنعم. وقبل الانتقال نلفت الأنظار إلى أن سورة آل عمران سميت باسم أسرة مريم وباسم أهلها التي تنتمي إليهم، ومع ذلك فإن اسمها أطلق على سورةٍ أخرى هي سورة مريم، لنتأمل سبب هذا التكريم لهذه الأنثى، لقد نالته بقنوتها لربها والتقوى، وهذه دعوةٌ لكل أنثى بعدها، ولكل امرأةٍ قانتةٍ صالحةٍ مثلها، أن تثق من عطاء ربها، والآن وعلى سنا هذا التكريم من ربها الأكرم، ننتقل معاً إلى سورة مريم، سنشاهد مريم هناك، تستقبل بشارة البشير بانبهارٍ وارتباك؛

(قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُنْ بَغِيًّا(20)قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا(21))[سورة مريم].

لقد استغربت مريم الحمل الذي جاء به البشير، لكنه يؤكد لها أن حملها وولادتها هينٌ على ربها الذي هو على كل شيءٍ قدير، فلقد أراده الله آيةً للناس ورحمة، وما أراده الله لا راد له، وهكذا استسلمت وكان أمراً مقضياًَ لا بد منه، ولنتابع المشهد كما يقصه الله:

(فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا(22))[سورة مريم].

لقد خرجت من المحراب، لأنها أحست بأن الولادة على اقتراب؛

(فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ..).

إنها تلجأ إلى جذع نخلةٍ يابسٍ فراراً من أوجاعها، ولما أصبح المخاض يُلحُ عليها (..قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا(23))[سورة مريم].

لقد أفصحت عن معاناتها الجسدية والنفسية، وعن قلقها من الأقوال الكيدية، لكن الأمان والاطمئنان يأتيها من منبع القلق الذي ينتابها، فإذا المولود يتكلم بما يؤنسها، وبصوتٍ عالٍ لا يخفى عليها، إن مصدر القلق أصبح منبعاً للأمان؛

(فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(24)وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا(26))[سورة مريم].

أسمعتم هذا الكلام المتدفق بالجمال والأمان؟! وهذا النداء الصاعد بالسلام والاطمئنان!!

إن هذه هي الآية الأولى والكبرى في هذا المقام، تتلوها آياتٌ يبشرها بها مولودها في المهد باحترام، فإذا الأم يتفجر في موقعها نهرٌ عذبٌ لتشرب، وهذه هي الآية الثانية، ثم إن الجذع اليابس حولها والباقي من النخلة، يساقط الرطب الجني، فيكون للأم أجمل أكلة، وهذه هي الآية الثالثة.. ثلاث آياتٍ بل أربع آياتٍ تتجلى للأم القلقة المحتارة الوحيدة، لتسكب عليها الطمأنينة والسعادة، وتشد أزرها أمام كل الأقوال الكيادة، فما عملت الأم أمام هذه الآيات المتوالية؟. هل وقفت منعزلةً متوارية أم انطلقت به إلى الناس غير مبالية؟.

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: