الشباب في القرآن (105): فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين من قبله، وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين ، ومرحباً بهم أجمعين؛

سنواصل اليوم الاصطحاب لمريم الشابة القانتة، ولكن رحلتنا معها ستصل إلى النهاية، ولقد تجلت لنا من حياتها آية، ومن مولودها آية، بل لقد شاهدت حولها ساعة الولادة أكثر من آية، فمولودها يستهل حياته بآية الكلام في المهد الأول، ويدلها على آياتٍ حولها، ثم ما تقول وما تفعل، ويسكن فيها خبايا الخوف والوجل، فلنسمتع ولنتأمل:

(فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(24)وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25))[سورة مريم] هاتان آيتان.

ثم ماذا؟. ثم يأمرها بحنانٍ فيقول:

(فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا(26))[سورة مريم].

هنا أصبحت الأم في ركنٍ مكينٍ من الأمان والاطمئنان، وكيف لا والآيات أمامها ومن حولها ومنها ومن ولدها تتوالى بإتقان، وإحسانٍ من ربها الرحمن، ولقد قال عنها بامتنان:

(وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْنَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ(50))[سورة المؤمنون].

وهنا نجدها بما أوتيت من الآيات البينة تنطلق بابنها إلى الناس مطمئنة؛

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ..).

يا للعجب!! هذه العذراء التي أحصنت فرجها، ولزمت محرابها، تخرج على الناس بمولودٍ في يدها، إنه لأمر يثير من يراها، ولهذا انطلقت من القوم كلمات اللوم؛

(..قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا(27)يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28))[سورة مريم].

إنها تهمٌ تكال، وكلماتٌ بلا وعيٍ تقال، ومع ذلك فإن الشابة المؤمنة أمامهم في أحسن حال، مطمئنة البال، فهي فعلاً كما قالوا من أبٍ ما كان امرأ سوء، ومن أمٍ ما كانت بغياً، ولهذا فلن تأتي شيئاً فريا، ولكن ما قالوه هو الذي يُسمى أمراً فريا، ومع هذا الاطمئنان الواثق، وهذا اليقين الصادق، فقد استمرت على قسمها السابق، بأنها لن تكلم إنساناً ولن يكون لسانها بشيءٍ ناطق، إذن فكيف ترد على هذا الكلام الذي بالتهم دافق؟. ليس أمامها إلا اللجوء إلى المولود الذي كلمها قبل قليل، ليرد عنها هذا السيل من الكلام الوبيل، وليسكت هذا اللجب المفترى الثقيل؛

(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ..).

نعم.. أشارت إلى المولود أن يرد على القوم، لأنها واثقةٌ أنه يحسن القول ويجيد الكلام، وأنه سيحاورهم بإفحام، ولكنهم عند الإشارة إليه، استغربوا هذه الإشارة بسخريةٍ عليه؛

(..قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(29))[سورة مريم].

أنه قولٌ عليه العادة تدل، فلا ينطق أبداً من كان في المهد، فكيف تشير إليه بأن يجيب القوم؟.

لكن المفاجأة تنفجر أمام القوم وما يقول، ويصبح الجميع في حالٍ ذهول، لقد انطلق المولود بكلامٍ فصيح، وبلسانٍ طليقٍ صريح، معبراً عن عطاء ربه الكريم، ومعلناً دوره القادم العظيم، ولنستمع إليه وهو يكلم القوم، ولنصغ إلى قوله السليم، ويحسن بنا هنا أن نودع كريم، ولنتابع المولود في المهد يتكلم؛

(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32))[سورة مريم].

هكذا بهذه الصفات ولد المسيح، وبهذه المهمات وجد المسيح، فهو أولاً عبد الله وهذا لتفنيد من يدعون أن المسيح ابن الله، أو الذين يقولون أن الله ثالث ثلاثة، فالمسيح عبد الله وهو مخلوقٌ بإذن الله، وهو كلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه، ثم لماذا يستغرب الناس ويجعلونه إلهاً؟!

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59))[سورة آل عمران].

إذن فهو مخلوق كأي مخلوق، ومن البديهي أن يكون عبد الله وفقيراً إليه ومحتاج إليه، وعليه فإنه قد آتاه الله ما يحتاج إليه وهو:

(..آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30))[سورة مريم].

قد تقولون: لماذا تأتي هذه الأفعال بصيغة الماضي وهي لم تقع بعد، لأنه يتحدث بها وهو طفلٌ في المهد؟.

نقول: لقد جاءت بصيغة الماضي لتحقق وقوعها في المستقبل، ولنواصل الأفعال التي ستكون، لكي يتضح لنا أن المسيح آية سيكون؛

(وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32))[سورة مريم].

إنها كل مقومات النبي والرسول، فهو مسلحٌ بالكتاب والنبوة، وهو بركةٌ وخيرٌ ورحمة، وهو قدوةٌ في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، أي في الطاعة والتزكي في سبيل الله، وهو كذلك مستمرٌ مستقيمٌ ما دام حيا.

ثم إن صلاته لا بد أن تظهر سلوكاً، ولهذا كان براً بوالدته محباً لها، ولم يكن في الناس جباراً، ولا يمكن أن يكون شقياً ولا أن يشقى به الناس بل تسعد، وهكذا كل سلوك يتخذه الإنسان بهذه الصفات فإنه يسعده ويجعله في أحسن الحالات، وبهذا ينال السلام في الحياة والممات وبعد الممات، كما ناله المسيح فقال:

(وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(33))[سورة مريم].

إن من البديهي أن من كانت تلك صفاته، وذلك سلوكه، فإن السلام رفيقه في كل حياته، وهكذا كل شابٍ وشابة، إذا اتصف بالصلاة والزكاة والطاعة والبر بوالديه والإحسان للناس فإنه يكون بركةً وسعداً، فلا يشقى به أحد بل يسعد به كل الناس، وبهذا يكون له السلام، وعلى الناس السلام في كل حال، وفي الدنيا وفي المآل، فهل نحن على استعداد لنيل هذا المقام والتنافس عليه؟.

إن هذا هو طريق الشباب أولي الألباب، فغداً بإذن الله نلتقي حول سبيل جديد إلى طاعة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: