الشباب في القرآن (106): إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله الكريم وعلى آله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين ، آمين:

السلام على الشباب وعلى المستمعين ، ومرحباً بهم؛

لقد سمعنا يوم أمس المسيح عيسى بن مريم عليه السلام وأمه تشير إليه أن يجيب على القوم، فإذا به ينطق في المهد ويحدثهم حديث العقلاء الكبار، ويعلن:

(إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ ‎وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32))[سورة مريم].

آياتٌ تنطق بخلاصة الرسالات، والنطق بها من طفلٍ وليدٍ في المهد آيةٌ تخرس التقولات في أمه وترفعها إلى سماء المؤمنات الطاهرات القانتات، وترفع المسيح إلى سماء العباد الصالحين الذين اختصهم ربهم بآياتٍ باهرات، ولا غرابة فلقد أيده الله بروح القدس وآتاه البينات المتوالية مدى حياته وعند الممات، ولكن هذه القضايا من الآيات إنما كانت لتأييد رسالته لا لادعاء ألوهيته كما يقول النصارى واليهود، ولا لإعلان بنوته لله كما يقولون، تعالى الله عن ذلك، وهذا ما يؤكده الله في الآيات التالية:

(ذَلِكَ عِسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(34)مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(35))[سورة مريم].

نعم؛ فلقد قضى أن يولد عيسى من مريم بنفخٍ من روح الله، وأن يكون كلمةً ألقاها إلى مريم، وإذا أراد الله شيئاً قضاه وما شاءه كان، لكن اليهود المضلين منهم اتخذوا حادثة الولادة وآية الله التي جعلها في مريم وابنها، اتخذوا هذا وسيلةً لتضليل الناس فقالوا: "المسيح ابن الله" بل إن الله هو المسيح عيسى بن مريم، ولقد كفروا بهذا وأشركوا، فلم يقل عيسى لهم ذلك ولم يبلغهم إلا ما أمره الله به وأرسله وهو:

(وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(36))[سورة مريم].

لكن الأتباع الضالين أضلوا الآخرين بدعاويهم الكاذبة، ولهذا يقول الله:

(فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ(37)أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنْ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ(38))[سورة مريم].

وهذه الآية تؤكد لنا شيئاً آخر وهو دحض ادعاء اليهود والنصارى أن المسيح سيعود إلى الأرض قبل القيامة، لقد دحض الله ذلك بقوله في الآية السابقة:

(..فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ(37)أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا..)[سورة مريم].

وهذه كلها تشير إلى يوم القيامة، فموعد المسيح مع المكذبين والكافرين هو هناك في ذلك اليوم العظيم يوم يأتون إلى الله أجمعين.

ثم إن الله يؤكد لنا هذا الدحض لليهود في آيةٍ أخرى، فيقول المسيح أمام ربه يوم القيامة حينما يسأله عما قاله للناس:

(..أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّي إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ..).

إنه يجيب جواباً ينفي ذلك، ثم يختمه بقوله:

(مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنْ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ(117))[سورة المائدة].

وهكذا يتضح أن الافتراء على المسيح قد تعدد، فمنهم من يقول أنه ابن الله، ومنهم من يقول إن الله هو المسيح ابن مريم، ومنهم من يقول إن الله ثالث ثلاثة، ومنهم من يقول أنه سيعود قبل يوم القيامة، وكل هذه المفتريات اليهودية بنوها على ولادته التي هي آية من آيات الله لهم، فيؤكد رسالته إليهم وليصحح إيمانهم بالله، ويصلح تحريفهم لكتب الله، ولكنهم اتخذوا الآيات وسيلةً لزيادة الكفر بالله والافتراء عليه، فهم يكتبون الكتاب بأيديهم ويقولون هذا من عند الله، وهم يتبعون الهوى ويقولون هذا دين الله، وعلى أي حالٍ فلنعد إلى سورة آل عمران لنرى ما هي مهمة المسيح، وبماذا أيده الله ليؤدي رسالة الله، وكيف كان موقف اليهود معه، ولنقرأ قول الله عنه:

(..وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ(48) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنْ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنينَ(49))[سورة آل عمران].

هذه هي آياته، وتلك بيناته، ثم هو مع ذلك جاء ليصحح وليصلح دينهم الذي انحرفوا عنه، فهو يقول مضيفاً:

(وَمُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنْ التَّوْرَاةِ وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (50))[سورة آل عمران].

كيف يطيعون وكيف يتقون؟. ها هو يوضح ويؤكد ما قاله أولاً:

(إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(51))[سورة آل عمران].

إذاً فهو رسول الله، وهو عبدٌ لله، وهو يدعو إلى عبادة الله، لكن اليهود كفروا به وكذبوه وقالوا هذا سحرٌ مبين، بل حاولوا قتله فما قدروا، ولكنهم مع ذلك يدعون ويفخرون بقتله، وكان قتل الرسول عندهم فخرٌ ورصيدٌ لهم في تاريخ البشرية، فما أوقحه من ادعاء، وما أقبحه من فخر، وتب هذا الرصيد الذي يوردهم النار، ويحل عليهم غضب الله ولعنته؛

(وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ(54))[سورة آل عمران].

إن المكر هو محاولة قتل الرسول، وتب مكرهم، لقد كان رد الله عليهم هو قوله:

(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنْ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ(55))[سورة آل عمران].

إذن فالموعد بين المسيح والكافرين به والمتبعين له هو يوم القيامة، وهو يوم الرجوع إليه لينبئ الجميع بما اختلفوا، ويتضح للكافرين أنهم أخطأوا وأن جزائهم العذاب الشديد، وأن جزاء المؤمنين أن يوفيهم الله أجورهم ويزيد، وهكذا تندحض فرية عودة المسيح مرة ثالثة بهذه الآية الواضحة البينة، فهل من مفترٍ بعد هذا أيها اليهود والنصارى؟، كلا ، إن موعد العالمين هو يوم الدين، وعلى أي حالٍ وفي الختام فالمسيح بن مريم يُعرِّفُه الله بقوله:

(إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ(59))[سورة الزخرف].

وعلى هذا الأساس فإن على المسلمين أن يتجنبوا ما وقع فيه اليهود من اتخاذ الأنبياء أرباباً من دون الله، فهل الأنبياء يرضون للناس بالكفر بعد إذ هم مسلمون، كلا بل نقول كما قال الحواريون؛

(رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ(53))[سورة آل عمران].

وإلى اللقاء في حلقة ٍ قادمةٍ بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: