الشباب في القرآن (107): وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله الكريم محمد وعلى آله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين من قبله، وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين الكرام، ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم؛

اليوم لن نقدم أنموذجاً واحداً، ولكنا سنقدم أنموذجاً عاماً للشباب ذكراً وأنثى يضعه الله أمامنا لنكون على بينة منه، إنه أنموذجٌ يشمل كل بني الإنسان، ويشمل كل من له أبٌ وأمٌ من بني الإنسان، ومن ذا الذي لم يلده أبٌ وأمٌ، إننا كلنا أبناء ذكر وأنثى؛

(يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13))[سورة الحجرات].

ولعل أتقى الناس هو الذي يبدأ بالتقوى من الأصل، من البيت، من محيطه الذي نمى فيه وترعرع، وأول من يحيط به هما والداه، ولهذا ينبه الله الشباب إلى البداية الأولى للتقوى والإحسان فيقول في كثير من الآيات:

(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ..).

فأي الآيات من هذه نختار اليوم؟، لعل من المناسب أن نختار الآية التي في سورة لقمان فهي تتوسط عظات لقمان لولده، وتأتي استطراداً حسناً لتؤكد أن محبة الأب لابنه فطرة، واهتمام الوالد بولده لا تحتاج إلى توصية، لأنها غريزة الأبوة والأمومة التي لا تختفي، لكن الأبناء هم الذين يحتاجون إلى التوصية في آبائهم وأمهاتهم لأن الحياة قد تصرفهم عن ذلك، والآمال الدنيوية قد تميلهم عن الاتجاه إلى الوالدين، ولهذا يقول الله ظمن موعظة لقمان لابنه وفي خلالها:

(وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ..).

هكذا تأتي الوصية من الله الخالق العليم، لكل إنسانٍ ولكل شابٍ سليم، توصيه بوالديه ولم يُحدد بماذا أوصى، المهم أن على الولد أن يهتم بوالديه وأن يحسن، وأن يفي وأن يرحم، وأن ينفق وأن يشفق وأن لا يضيق بما يفعل من إحسان، وأن يطيع الوالدين وأن ينال ذلك منه الإثنان، ولكن الأم هنا تحظى باهتمامٍ خاصٍ فيقول الله:

(..حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ..).

فهي التي حملت عن ضعف فيها وضعف فيه، ورغم ذلك صبرت على ضعفها وعلى ضعف النطفة ثم الجنين المحمول حتى اكتمل وأصبح طفلاً يستعد للوضع والخروج إلى وضعٍ جديدٍ ينفصل فيه عن أمه، ولكن أيضاً في حالة ضعفٍ هو فيها وضعفٍ هي فيه فإذا هي تصبر وتعاني، كم تصبر وكم تعاني؟.

ها هو الله يحدد:

(..وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ..).

فهي تتحمل ضعف المولود وتساير نموه بقلبٍ ودودٍ وبصيرٍ بلا حدود، تسهر وهو ينام، تتعب ليرتاح، تتألم ليسلم، تعطي ليغنم، تجوع ليشبع، تضعف ليقوى، فإذا قوي واكتمل وأصبح شاباً مفتول العضلات ظلت معه حنونة الحنايا، دائمة الاهتمامات، لكنه عنها مشغولٌ باهتماماتٍ أخرى، ناسياً ما قدمته من عطاء، ومستهيناً بما بذلته من عناء، ولهذا استحق الشاب والشابة أن يوصى من ربه بأبيه وأمه، وأن تحظى بالأفضلية أمه، لأنها حملته وحملت همه، وعلى أي حالٍ فإن هذه هي العلاقة الدنيا، وهي علاقة عطاءٍ مقابل عطاء، وعلاقة طاعة مقابل صبرٍ وعناء، لكن هنا أنت أيها المولود أصبحت الآن شاباً، وأصبحتِ أنتِ شابةً، فكيف تكون العلاقة الدينية مع والديكما؟. استمعا إلى ربكما كيف يوجهكما فيقول:

(وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا..).

نعم لا تطع والديك في طريق الانفصال عن ربك وربهما، لا تطع والديك ولو اجتهدا ولو جاهداك وأغرياك، لا تطعهما في نسيان من خلقك فسواك فعدلك، لا تطعهما في الشرك بربك الذي يعلم سرك وجهرك، وعنده رزقك وأجلك، وإليه مصيرك ومرجعك، وعليه حسابك، كلا لا تطعهما في هذا المضمار، فإنه خسرانٌ وبوار، وقد تسأل إذن فكيف التعامل مع الوالدين وقد أوصاني ربي بهما؟ وكيف أعصيهما وقد أمرت بالإحسان إليهما؟.

لكن الله يجيب على هذا التساؤل؛

(..وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا..).

يعني استمر على صلةٍ بهما صلةً دنيوية لا دينية، تنفق.. تعطي.. تعالج.. تسامر.. تؤاكل.. تفي بما يحتاجانه من متاع.. تقدم إليهما ما يضطران إليه من عونٍ في الحياة الدنيا بلا امتناع.. تفعل ذلك ابتغاء وجه الله وترجوه رضاه، ووفاءً للوالدين لما بذلاه، ولكن بلا اتباعٍ في أمور الدين، فذلك أمرٌ لا لقاء فيه ولا اجتماع، فمن إذاً تتبع في هذا الأمر الهام؟.

استمع إلى توجيه ربك العلام.. إنه يقول:

(..وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ..).

يعني أيها الشاب، أيتها الشابة، إن أمر الدين لا يتبع فيه إلا من أناب إلى الله وأخلص له الدين، واستقام على هداه في حبٍ ويقين، هذا هو الذي يتبع، ولو كان بعيداً عنك في النسب، ولو كان لك غير أمٍ وغير أب، لأن الله هو الأهم والأحب، وهو الأبقى والأقوم، فإليه المآب، وعليه الحساب، ولهذا يقول:

(..ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ(15))[سورة لقمان].

فلا تقلق من فراق أبويك في شأن الدين، وعدم طاعتهما في الشرك برب العالمين، فالله عليمٌ بأعمال الجميع، وسينبئ الكل ويجزيهم بما عملوا.

وهكذا أيها الشاب وأنت أيتها الشابة، ليكن الله هو الأمل، فهو المؤمل وإليه المآل..

على هذا نودعكم، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: