الشباب في القرآن (108): ..قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد الكريم، وعلى آله وصحبه والأنبياء والمرسلين أجمعين، آمين وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين الكرام، ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم؛

اليوم سنعود بكم من جديد إلى أنموذج للشباب ليس محدداً بشخصٍ مذكورة قصته كما سبق من الحلقات، ولكن الأنموذج هو شخص الإنسان في كل زمانٍ ومكانٍ، وهو أنموذج يضعه الله أمامنا في القرآن ليكون لنا جميعاً هدىً وليكون كل واحد منا هو المعني بهذا الأنموذج الإنساني الرائع، إن الله يريد الإنسان أن يكون مثالاً للخير والإحسان، وبالذات إلى والديه، أقرب الناس إليه، فإذا أحسن الإنسان لوالديه فإنه لا شك سيحسن إلى الناس، أما إذا أساء إلى والديه وهما أقرب الناس إليه، وأحن الناس عليه، وأكثر الناس عطاءً له، إذا أساء الإنسان إليهما فإن إساءته إلى الناس متوقعة بل مؤكدة لا محالة، ولهذا يقال للسيء الخلف إنه عاقٌ لوالديه، ويقال لمن لا يقبل الناس التعامل معه أنه لا يحسن التعامل مع أبيه فكيف أتعامل معه، فهم يظنون الاقتراب منه شؤما، والتعامل معه يجلب الهم والغما، ويقلب النعم نقما، لأنه عاقٌ والديه، ولكي يخرج الإنسان من هذا المنزلق الصعب والسيئ المنقلب، فإن الله يوصي الإنسان بقوله:

(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا)[سورة الأحقاف].

هذه بداية آية جاءت في سورة الأحقاف بينما آية حلقة أمس جاءت في سورة لقمان. وكانت مطلقةً فقال: (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ)[سورة لقمان]، ألم يذكر الإحسان؟.

وعلى أي حالٍ فالمطلق يحمل على المقيد، وهذا ما أوضحنا في إيضاح آية لقمان، فقد أكدنا أن الإحسان هو المراد مع غيره من السجايا الإنسانية والمسلك العرفاني الذي يليق بالإنسان، ويتفق مع مشاعره الشفافة المرهفة، فالإحسان للوالدين أقل ما يمكن أن يقدمه إنسانٌ سوي لهما، وأبسط ما يبسطه من العطاء إليهما، وكيف لا وهما ربيانه صغيراً، وصبرا عليه صبراً كثيراً، وأغدقا عليه عطاءً وفيرا، فلم يبخلا ولم يقولا كفى، بل يفرحان بما أعطيا، ويحزنان إن قصرا، فمن حقهما أن ينالا بعض الوفاء من ولدهما الشباب أو الكهل أو الشيخ على السواء، ولهذا جاءت الآية لتوصي الإنسان بشكلٍ عامٍ ليشمل كل الأعمال، وليشمل الجنسين الذكر والأنثى، وليشمل كل الناس في كل زمانٍ وعلى كل دين؛

(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا..).

يا للجمال!! لقد ذكر الإحسان ليدل على أنه إحسان متنوع الجوانب متعدد الصور والأشكال في الكلام والطعام والمنام، في العطاء والمنع، في السفر والإقامة، في البيت والشارع، في الشباب والكبر، وفي كل حال، وفي كل علاقةٍ بلا استثناء، فذلك حق للوالدين بشكلٍ عام، ثم ها هي الأم تحظى باهتمامٍ خاص، ويلفت الله إليها الانتباه فيقول:

(..حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا..).

فهي تحمله مكرهة بأمر الله، وتضعه مكرهةً بإذن الله، ومع ذلك تصبر وتحمل وتفرح بما تحمل وبما تضع، ثم ليس الأمر ينتهي بالوضع بل المعاناة تستمر فإذا هي تعيش ثلاثين شهراً في سهر وعطاء، وتعب وعناء، وهم ورجاء، ومرض وشفاء، وعطش وارتواء، وكل ذلك لأجل ولدها الذي تريد له الخير والنماء، والصحة والجمال والبقاء، وهذا هو معنى قوله تعالى:

(..وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا..).

فالحمل من ستة أشهر إلى تسعة، أما بقية الثلاثين الشهر فهي تلك المتاعب المتنوعة، إنها تستمر عامين إن كان الحمل ستة أشهر أو عام ونصف وثلاثة أشهر إن كان الحمل تسعة، قد يسأل سائلٌ أن آية أمس قالت: (وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ)، وهذه قالت: (وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا)، فماذا يعني هذا؟.

نقول: هذا يعني أن أقل الحمل ستة أشهر، وعلى أي حالٍ فللشباب أن يفهم أن عليه أن يرحم، وأن يحسن إلى والديه وأن يهتم، فإن هذه وصية من الله الذي خلق ورزق وأنعم، والذي سواك يا شباب من نطفةٍ وأصبحت الآن رجلاً قوي السواعد والمعصم، مفتول العضلات تعلم وتتعلم، وعلى غيرك تحاول أن تتقدم، فتذكر فضل الله عليك وفضل والديك واشكر لهما، وكن وفياً صالحاً محسناً لهما، ألست ترجو لمستقبلك السعادة بولدٍ أو أولاد؟. وتريد أن يكونوا لك أوفياء محققين المراد؟. فلتكن من الآن مستعداً شاكراً لله ولوالديك ليصلح لك أولادك، ولهذا يقول الله لك:

(..حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ..).

وبلوغ الأشد هو هذا السن النابض بالحياة سن الشباب، إنه موعدٌ للإحسان والاتجاه إلى الصواب، وهو البداية للخير والإحسان في كل مجال، فإن نالك هذا الموعد النابض بالقوة والجمال والحياة، فإن هناك محطة أخرى أنتبه أن تفوت عليك قبل أن تموت، وهي قوله تعالى:

(..وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً..).

إنها المحطة الأخيرة وبعدها الندم إن لم تفهم، وإذن ففي هاتين المحطتين الهامتين يجب على الإنسان أن ينتبه، فإذا بلغ أحدهما؛

(..قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(15))[سورة الأحقاف].

هذه هي وصية الله لك أيها الشاب.. أيها الإنسان، وقد تسأل ماذا يعني هذا الدعاء في آخر الآية؟.

وهذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: