الشباب في القرآن (109): قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين، وعلى آله وصحبه والأنبياء والمرسلين، وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين جميعاً، ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم؛

 ليكن معلوماً لكم أيها الشباب أن كل من بلغ سن الرشد من الناس فقد بلغ أشده، وبالتالي فإن هذا هو موسم العطاء الرباني، ولكن كيف تنالُهُ وكيف تُؤْتَاهُ؟.

إن الطريق إليه هو الإحسان، ولهذا يقول الله عن يوسف عليه السلام:

(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(22))[سورة يوسف].

ويقول الله عن موسى عليه السلام:

(وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ(14))[سورة القصص].

إذن فهي منة الله في خلقه، من أحسن في بداية شبابه آتاه الله العلم والحكمة سواءٌ كان ذكراً أو أنثى، ومن أي قومٍ أو وطن، وبلا تفريق بين زمنٍ وزمن، فما ناله يوسف قد ناله موسى من بعده، وما ناله موسى ستناله أنت الآن، وسيناله كل إنسانٍ له رغبةٌ في الإحسان، وعلى هذه المقدمة الأكيدة، وعلى هذا الأساس نأخذكم إلى الآية التي توقفنا عندها في حلقة أمس من سورة الأحقاف وهي:

(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا).. إلى آخر الآية 15.

إننا كلنا مدعوون من الله إلى الإحسان، بل إن كل شاب وشابة مدعوون إليه من الرحمن، وإذا استجابوا نالوا بلا شكٍ العلم من ربهم والحكمة، وانهالت عليهم رحمة الله والنعمة، وهذا هو ما تضمنته الآية التي أشرنا إليها، فقد قال الله عن الإنسان:

(..حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(15))[سورة الأحقاف].

لعلكم تذكرون أنا ختمنا حلقة أمس بسؤالٍ عن معنى هذه الآية، ولعلكم تنتظرون الجواب، وها نحن نفي ونقول: إن من المعروف أن الآية توصي الإنسان بوالديه إحساناً، وهذا أمرٌ لا يصدر إلا من عبدٍ نبيهٍ يقظٍ لا يفوته من عمره شيءٌ إلا أنفقه في الإحسان والصلاح، وهكذا فهو ما إن يبلغ سن الشباب والتكليف حتى يتوجه إلى عمل الخير والصواب، بأسلوبٍ كريمٍ شريفٍ، فكان من أولي الألباب، فإن فاته زمن الشباب والفتوة، استيقظت نفسه في زمن الكهولة، وانطلقت للأعمال الجميلة، فهما مرحلتان لا يصح أن تفوت على الإنسان، وإلا وقع في الخسران، وهكذا فإن الإنسان اليقظ ينتبه في إحداهما، ويتوجه إلى ربه قائلاً:

(رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ..).

إنه يسأل الله القوي الخلاق، أن يجمع قوته وجهده ويعينه على توجيه نشاطه إلى شكر نعمة الله عليه وعلى والديه، فما المراد بالشكر؟.

المراد به أن يستمر مستقيماً على نعمة الإسلام، وأن يتمسك مخلصاً بدين الحق وأن يقوى على طريق الهدى بلا انفصام، فما إذا استقام العبد شاكراً لنعمة الله وهي الإسلام، فقد نال السلام في الدنيا والأخرى وهذا منتهى المرام، ثم ماذا؟.

ثم ها هو يضيف على ذلك أن يرجو من ربه العون على شيءٍ هام، وهو:

(..وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ..).

لقد ذكر كلمة صالحاً ليشمل كل صلاح، ذلك أن العمل الصالح هو المطلوب من الإنسان، وهو الطريق الحق إلى غفران الله وإلى جناته والرضوان، ولكن لا يفلح العمل الصالح إلا إذا كان الله قد قبله ورضي به، ولا يقبل الله إلا العمل المخلص الذي لا رياء فيه، ولا شريك لله فيه، فهذا هو الذي يرضاه الله، وإذا رضي الله فقد استحق صاحبه كل خير، ثم ماذا؟.

إن الرجل الصالح لا يقنع بأن ينال وحده رضاء الله، بل يتمنى أن يمتد الرضا والعطاء إلى من وراءه من الذرية ليسعد الجميع ويأمنوا، وليفوز الجميع ويفلحوا، ولهذا قال:

(وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي).

والمراد أن تكون الذرية تابعةً له في الصلاح، ومباركةً في الأعمال والعطاء، واسعةً في الأثر وفي الهدى، ليسعد بهم الناس جمعاء، وهذا كما بارك الله في ذرية إبراهيم وكما جعل عيسى مباركا، بل وجعل القرآن مباركاً وأنزله في ليلةٍ مباركةٍ فكان خيره شاملاً للناس والأزمان، فهو دعاءٌ جميل، أن يقول الإنسان: (وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي) .. ثم ماذا بعد:

ثم يختم الدعاء بقوله:

(..إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ(15))[سورة الأحقاف]..

وهاتان الصفتان التوبة والإسلام، هما الوسيلة لنيل عطاء الله على الدوام، ولهذا يقول الله مستجيباً مشيراً إلى هؤلاء الرجال الشباب الصالحين:

(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ(16))[سورة الأحقاف]. صدق الله العظيم.

أيها الشباب.. على هذا الوعد الجميل نودعكم، وإلى اللقاء غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




One Thought on “الشباب في القرآن (109): قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ

  1. الحمد للة رب العالمين

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: