الشباب في القرآن (112): وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى الأنبياء والمرسلين:

السلام على الشباب وعلى المستمعين الكرام؛

ها نحن اليوم نواصل رحلتنا مع ذي القرنين، وقد عرفنا أمس صفاته أو أهم مميزاته التي نالها من ربه، وذلك هو قوله تعالى:

(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84))[سورة الكهف].

فهو شابٌ متمكن، ورجلٌ يعرف الأسباب التي تتصل بمهمته، ثم إنه رجلٌ رحالٌ سهل الله له في الأرض، ويسر له أسباب الانتقال في طولها والعرض، مع جحفلٍ من الرجال الذين لهم خبرةٌ في مخر العباب، واقتحام الجبال وتجاوز الصعاب، وبناء السفن والجسور واتخاذ الأسباب، وأمام هذه الأسباب وهذا التمكن والتيسير لا بد أن ذا القرنين قد وصل إلى مناطق بعيدة في الأرض وبلغ مواقع غريبة وغير متوقعة، فأين وصل تمكنه؟، وأين ذهبت به أسبابه؟.

استمعوا يا شباب.. ها نحن نرحل في أول رحلةٍ معه لنصل إلى بقعةٍ غير متوقعة؛

(فَأَتْبَعَ سَبَبًا(85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا..).

أين هذه المنطقة وأين هذا مغرب الشمس؟.

هل تظنونها في المحيط الأطلسي على شواطئ المغرب وموريتانيا؟.

لا لا لا ، هذا غير صحيح.

هل تظنونها على شواطئ فرنسا وأسبانيا والبرتغال أو بريطانيا المطلة على شرق المحيط الأطلسي؟.

كلا كلا.

إذن فأين هذا المغرب الذي سماه الله مغرب الشمس؟.

أنظروا كيف يقول الله بعد ذلك:

(..وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ..).

والعين هي المياه الحلوة، هذا أولاً، وهذا يعني أن المنطقة منطقة أنهار، ثم كلمة "حمئة" تدل على أن هذه المياه الحلوة لها مستنقعات وبحيرات تجعل الطين حَمَا أي لزج كما هو طينُ خَلْقِ الإنسان من حمإٍ مسنون، وعلى هذا فإن المنطقة التي وصل إليها ذو القرنين في مغرب الشمس هي منطقة البحيرات الكبرى في أمريكا أو منطقة نهر الأمزون في الجنوب أو منطقة نهر المسيسبي في شمال أمريكا؛ لأن هذا هو المتوقع أن يكون عيناً حمئة كما وصفنا، أما مياه البحر التي توجد على غرب أفريقيا وأوروبا فلا تسمى عينٌ حمئة، وهكذا يتضح أن ذا القرنين وصل قبل ماجلان وقبل البرتغال والأسبان إلى أمريكا، ولقد عرفها واختلط بأهلها وكان له معهم شأن؛

(..وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا..).

من هم هؤلاء القوم؟.

إنهم الذي نسميهم الهنود الحمر الذين أبادهم الأوروبيون واستولوا على أرضهم وحضارتهم وسخروا من حياتهم فكانوا ضحية الطغيان الأوروبي الذين هم اليوم الغطرسة الأمريكية، لكن ذا القرنين كان له معهم شأنٌ عادلٌ هو قوله:

(..قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا(86))[سورة الكهف].

إنه شابٌ مؤمنٌ داعية، وهو رجلٌ يزن الأمور بنفسٍ واعية، فالله يترك له التصرف بما يراه وما يلمسه من حياة كل قومٍ يصل إليهم، فإن استجابوا وتركوه يدعو إلى الله تركهم، وإن قاوموا وصدوا عن سبيل الله حاربهم، أو اتخذ الطريق الأحسن وهو الحوار، وعلى أي حال فقد قرر ذو القرنين طريقته في التعامل وهو قوله:

(قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ..).. والمراد هنا بكلمة "ظلم" أي صد عن سبيل الله ولم يسمح للناس بالتفكير الحر والقرار الحر، بل أرغمهم على ما يريد فمن هذا حاله فإنه لا بد أن يحارب ليترك للناس الحياة حرة، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، ولا يصح أن يرغمهم على غير ما يختارون، والمراد بالعذاب هو الحرب ضده هذا في الدنيا (ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا(87))[سورة الكهف].

إذن فذوا القرنين ليس إلا منفذاً لإرادة الله، وعبداً من عباد الله الصالحين، ولهذا أضاف؛

(وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا(88))[سورة الكهف].

يا سلام!! إنه يؤمن أن من عمل صالحاً فإن الحسنى أي الجنة هي جزاؤه عند ربه في الآخرة، أما جزاؤه في الدنيا عند ذي القرنين فهو أن يلقى القول الجميل، والعمل الميسور والمعاملة الميسرة التي تجعلهم يستمرون في الحياة سعداء، ويواصلون مسيرة الحياة أحرارا، وهكذا كان موقف ذي القرنين مع سكان أمريكا الجنوبية والشمالية، إنه الحرية والإحسان والسير والاطمئنان، والدعوة إلى الرحمن، لا الاستغلال والسيطرة، ولا إعلان الحروب المدمرة كما تفعل أمريكا الآن، وهكذا نعرف ذا القرنين، ولا غرابة في ذلك فالله قد قال:

(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84))[سورة الكهف].

فكيف لا يصل إلى مغرب الشمس بهذه الأسباب والتمكن، وعلى أي حالٍ فأين كانت محطته الثانية؟.

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: