الشباب في القرآن (113): وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، والأنبياء والمرسلين، وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين جميعاً، ومرحباً بهم؛

 لا زلنا نتابع رحلة ذي القرنين الذي مُكِّن له في الأرض، لقد تركناه في مغرب الشمس، وأكدنا حينها أن المراد به أمريكا؛ لأن الآية تؤكد أنها تغرب في عينٍ حمئةٍ، أي أنهارٍ ومستنقعات، والعين لا تطلق إلا على المياه الحلوة، وليس هناك أنهارٌ في غرب أفريقيا الشمالية ولا مستنقعات، إذن فالعين الحمئة هي نهر الأمزون في أمريكا الجنوبية، ونهر المسيسبي في أمريكا الشمالية، فلقد وصل ذو القرنين إلى شرق أمريكا فكانت الشمس تغرب أمام عينيه في هذه الأنهار الواقعة في ناحية الغرب، وعلى أي حالٍ فلنغادر رقعة هذه المحطة لننتقل إلى المحطة الثانية.. فأين كان وإلى أين؟.

قبل الانتقال يجب أن نذكر أن الله يقول عنه:

(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا(84))[سورة الكهف].

فالتمكين له في الأرض يعني تسهيل مهمته في تجواله، وتوفير الأسباب المعينة على انتقاله، وعلى هذا الأساس ننتقل معه على كلمات الآيات حيث يقول الله:

(فَأَتْبَعَ سَبَبًا(85))[سورة الكهف].

يعني أنه أرسل سبباً ومده أمام رحلته، فكان تابعاً له للانطلاق إلى ما أمله، فإلى أين وصل به؟.

(حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا(86)قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا(87)وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا(88)ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا(89)حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا(90))[سورة الكهف].

لماذا لم يقل الله مقابل مغرب الشمس الأول مشرق الشمس هنا.. ولماذا أتت كلمة "مطلع الشمس" بدل مشرق، إذا تأملنا العبارة وعرفنا أن القرآن يستخدم الكلمات استخداماً دقيقاً لأنه الله العليم بكل شيءٍ؛ إذا تأملنا العبارة سنجد أن المراد بمطلع الشمس الأرض التي لا تغيب عنها الشمس، بل تبقى طالعةً ظاهرةً طوال اليوم، ويكون هذا في فصل الصيف، حيث يمتد النهار إلى شمال الأرض إلى عشرين ساعةً وأكثر، إذاً فإن ذا القرنين هنا قد وصل إلى القطب المتجمد الشمالي من الأرض، وهو المكان الذي لا تغيب عنه الشمس، بل تظل طالعةً ظاهرةً طوال اليوم الصيفي، وغائبةً طوال اليوم الشتوي، وعليه فإن ذا القرنين قد اختار أن تكون رحلته إلى القطب صيفية لا شتوية، فكان وصوله وبلوغه إلى المنطقة الشمالية للأرض التي وصفها الله بأنها مطلع الشمس، فماذا وجد؟.

(وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا(90))[سورة الكهف].

أي ليس فيها ليل، لأن الليل يسمى في القرآن ستراً ولباساً أليس كذلك؟.

إذن فهي تطلع على القوم طوال اليوم ولا يسترهم ليل، ولا يجدون إلا النهار وقتاً للعمل والنوم، وهذا معروفٌ اليوم عندنا ومعلوم، وهكذا يتضح أن ذا القرنين كان رحالةً ماهراً، وشاباً ولوعاً بالتجوال، والاطلاع على أقطار الأرض والأحوال، ومعرفة شئون الناس وإبلاغهم بالخير والصلاح ودفع الضر والفساد، فماذا عمل هنا في هذه المنطقة الشمالية من الأرض مطلع الشمس؟.

لقد اتخذ نفس السياسة التي اتخذها في مغرب الشمس وهي أمريكا، وتعامل مع هؤلاء القوم الذين ليس لهم من دون الشمس سترا، كتعامله مع القوم الذين في مغربها، ولهذا يقول الله:

(كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا(91))[سورة الكهف].

أي أنه نفذ السياسة المتبعة.. (أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ..(87))[سورة الكهف].

أي من قاوم الدعوة للصلاح والإيمان وصد عن سبيل الله، فإنه سيحارب ويؤدب ويُكف عن الصد، ثم إذا انتهى العذاب القليل الدنيوي فإن من صد عن سبيل الله سيرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكرا. وهذا هو شأن الله وسنته مع كل من صد عن الدين، وقاوم دعاة الخير والصلاح للعالمين، فكلهم راجعون إلى ربهم لينالوا العذاب اللائق بهم، لأنهم وقفوا ضد حرية الإنسان وسعادته وكرامته، هذا هو موقف ذي القرنين ممن ظلم وصد، أما موقفه مع الجانب المقابل فهو قوله:

(وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى..).

نعم إن جزائه الجنة والحياة الحسنى عند ربه يوم يلقاه، وأما في الدنيا فسوف يكون موقف ذي القرنين معه هو السلام والإحسان واليسر في التعامل، ولهذا قال مؤكداً:

(وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا(88))[سورة الكهف].

نعم إن الناس مدعوون للإيمان ليسود بينهم السلام واليسر، ولتسهل الحياة وتنمو وتزدهر، ويكون كل إنسانٍ مسروراً بأخيه، حراً في العمل والإنتاج محسناً في سلوكه، متقناً في أداء عمله سخياً في تعامله مع أخيه محباً للعمل المتسم بالتساوي والتعاون، المبتعد عن السيطرة والطغيان، والاستغلال والعدوان، وبهذا يكون اليسر للعلاقات وللحياة هو الأساس وهو العنوان، ويكون الحب هو الصلة وهو الهدف بين الناس وبين البلدان، فيا له من جمالٍ وافر، ونعيمٍ متدفقٍ وارف الظلال داني الثمار، وعلى هذا المبدأ الجميل الميسر، يواصل ذو القرنين المسير، فأين ستكون محطته القادمة؟.

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: