وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ

لنقرأ قول الله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ) [9]

هل تظن أن قوله (خَلَقَهُنَّ العَزِيْزِ العَلِيْم) يمكن أن يقوله أولئك المسرفون الذين وصفهم الله بقوله: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) [7]؟

كلا ، إنهم لا يفهمون هذا المقام لله لأنهم لا يعرفون أن الله عزيز عليم ولا يفقهون أنه الخلاق العليم بل يعرفون أنه خلاق فقط ولكنه لا يعلم ما خلق ولا يدري بما صعد وبما هبط سبحانه وتعالى عما يقولون.

وعليه: فالصفتان في نهاية الآية هي مقرونة بالله العظيم، لقد وصف نفسه بأنه العزيز أي الغالب على أمره الغني عن خلقه الرفيع قدره ومع ذلك فهو العليم بكل شيء وحي بكل دقه وخبره بل هو لا يخفى عليه من الإنسان شيء من سره وجهره، 

وعليه: فعلى هؤلاء أن يخافوا بطشه الذي أصاب الأولين، وأن يتخذوه رباً وينبذوا اتباع المسرفين فإن الإسراف هو الذي أبعدهم عن الذكر المبين، وجعلهم من الضالين. ثم بعد هذه الصفات التي لا تخفى على الأذكياء، استرسل الله في وصف آلائه، وتعريف عباده بقدرته، فقال موضحاً معنى العزيز العليم بطريق الالتفات الجميل فقال: (الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الأرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَالَّذِي نَزَّلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ) [10-11]ثم أضاف ما هو أعظم وأوسع فقال: (وَالَّذِي خَلَقَ الأزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ الْفُلْكِ وَالأنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ *  لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ * وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ) [12و13و14]

 

ألا ترى معي أيها القارئ المتتبع معنا لهذا الموقع أن هذا الأسلوب القرآني أسلوب ممتع يأخذ اللب بالجمال، ويسمو به في سماء الجلال. لقد بدأ القضية بسؤال واضح الجواب، هو من خلق السماوات والأرض، فالجواب معروف، إنه الله بلا شك ولا ريب ولكنه لم يلفظ الجلالة بل أتى بأهم صفات الله وهو (العزيز العليم) فهو عزيز غالب على أمره غني وهاب لخلقه، وهو عليم بشأن كل شيء وحي، ولا يخفى عليه شأن ولا شيء،

ولكي يوضح هذه العزة وهذا العلم الذي اختص بها الله أتى بالآيات التي تلي هذه الصفات والتي سبق أن أوردناها حتى النهاية، فهي تبدأ بتمهيد الأرض ويتوسطها إنزال الماء من السماء بقدر، فإذا به كل حي يحيا وينشر، ثم وهذا يدل على أننا سنخرج من الموت وسنحشر، فلنكن على استعداد لهذا اليوم الأكبر ثم تنتهي الآيات بخلق الأزواج كلها ومنها الفلك والأنعام التي سخرت لنركبها فكل ذلك مسخر لنا بفضل الله الذي ذللها ويسرها فإذا نحن على ظهورها مستوون وعلى مرساها ومجراها مسيطرون

وبهذا فلا بد أن نكون لله ولنعمته ذاكرين ولربنا مسبحين شاكرين فلولاه ما كنا لهذه القوى مقرنين ومن رزقه وفضله بها مبتغين وعليها إلى كل بر وبحر منتقلين، إنه نعمة وفضل للعالمين ومتاع إلى حين فلا نندفع إليه متكاثرين ولا نفخر به متنافسين ولا نفرح به متعادين. لأنه فانٍ ونحن فانون: (وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنقَلِبُونَ)

لنلقى منه الجزاء بما فعلنا، ولنرى حاضرا ما عملنا، فكيف ننسى العزيز العليم؟ الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما ثم خلق الإنسان وكرمه وسخر له ما فيهما إنه الجدير بأن يعبد ويحمد ويرجى ويقصد، وعليه يتوكل ويعتمد، فهو الله أحد، الله الصمد.  

 

One Thought on “وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ

  1. السيف on 19 مارس، 2013 at said:

    قولك ياشيخ هل تظن أن قوله (خَلَقَهُنَّ العَزِيْزِ العَلِيْم) يمكن أن يقوله أولئك المسرفون الذين وصفهم الله بقوله: (وَمَا يَأْتِيهِمْ مِنْ نَبِيٍّ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون) [7]؟

    مع ان الله صرح فى الاية للمبصر انها من قولهم وليس قول الله عز وجل والا لقال الله وبين انهم لايعرفون من خلقهن وقال ( ولئن سالتهم من خلق السموات

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: