الشباب في القرآن (114): وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام منه على محمدٍ رسول الله ، وعلى آله وصحبه، وعلى الأنبياء والمرسلين من قبله، آمين وبعد:

السلام على الشباب وعلى المستمعين جميعاً، ومرحباً بهم؛

 بعد التحية والسلام، نمضي مع ذي القرنين في رحلة الختام، لقد كانت له محطتان في رحلته الأرضية، الأولى إلى مغرب الشمس وهي تغرب في عينٍ حمئة، ألا وهي القارة الأمريكية كما أكدنا ذلك بالأدلة المستوحاة من النص القرآني والكلمات المستعملة، ذلك أن كلمة عين حمئة لا تعني إلا المياه النهرية لا البحرية، أي المياه الحلوة، فلو كان مغرب الشمس هو غرب أفريقيا المطل على المحيط الأطلسي لما انطبق عليها النص، إذن فالعين الحمئة هي مستنقعات الأنهار الأمريكية، أما المحطة الثانية في القطب المتجمد الشمالي من الأرض، أي شمال أوروبا، وقد عرفنا ذلك من النص القرآني (حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ..)، ولم يقل مشرق الشمس، والمطلع يعني أنها منطقةٌ تبقى الشمس فيها طالعةً طوال اليوم على القوم، ولم يجعل لهم الله من دونها ستراً أي ليلاً يسترهم، وهذا يؤكد أنها منطقة الشمال، وأن ذا القرنين بلغها في فصل الصيف الذي تكون فيه الشمس طالعةً على المنطقة باستمرار.

لقد عدنا إلى المحطتين باختصار بغرض الربط للموضوع وإفادة من استمع إلى هذه الحلقة ولم يستمع الحلقتين الماضيتين.

والآن نصل إلى محطة الختام، فأين ستكون هذه المحطة؟.

لنقرأ الآيات..

(ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا(92)حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ..).

يبدو أن ذا القرنين قد اتجه من الشمال نحو الجنوب الشرقي من الأرض، ويفهم هذا من المحطتين السابقتين، فإذا كانت الأولى في الغرب، والثانية في الشمال كما عرفنا، فإن الثالثة لا بد أن تكون مقابلةً للسابقتين، ولهذا لم تحدد بالنص، لأن الإنسان يفهمها من الفحوى والسياق، وعلى أي حالٍ فماذا وجد ذو القرنين بين السدين أي الجبلين؟.

(..وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا(93))[سورة الكهف].

يعني أنه وجد قرب السدين قوماً مشغولين بالحروب والعناد، فهم لا يفقهون قولاً غير شئون الدفاع عن أنفسهم من الفساد، ولهذا فإنهم بادروا ذا القرنين بالحديث عن الموضوع الذي يهمهم ويشغلهم، (قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ..).

ومعنى هذا أن فساد هذه القبيلة قد استشرى فأصبح عادةً لها، ولا يصدهم عن جيرانهم مانعٌ أو حمى، فلقد حاول هؤلاء القوم أن يعمروا المواضع والسدود فلم يفدهم ولم يمنعهم من الفساد المعتاد، ولعلهم وجدوا عند ذي القرنين خبرةً لا تتوفر لديهم وأن عنده من التمكين له والأسباب ما يمنعهم من الطغيان ويصد يأجوج ومأجوج عن العدوان، هكذا كان حالهم وهكذا كان حال ذي القرنين ولهذا بعد أن أوضحوا له فساد يأجوج ومأجوج المستمر، عرضوا عليه غرضهم فأضافوا قائلين: (..فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا(94))[سورة الكهف]. لقد عرضوا عليه دفع المال الوافر الكافي، ليقيم لهم السد الواقي، وبما لان عنده من التقنية ما يفوق عملهم المعهود في السدود، فماذا كان رد ذي القرنين؟. هل فرح بالمال المدفوع؟ وهل استجاب استجابة الطموع الهلوع؟. كلا؛ إن الرجل ليس من هذا النوع، إنه ضد الظلم والطغيان بل إنه يجول في الأرض ليجتث الفساد، فإذا كان يأجوج ومأجوج مفسدين في الأرض فليبادر إلى صد هذا، وليستجب للعرض ولكن بلا مال ولا غرض، إلا صلاح الأرض، واستمعوا جوابه، فإنه يدل على سلامة قصده وصوابه، (قَالَ مَا مَكَّنَنِي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ..)، يعني أن الذي لدي من التمكين لي في الأرض وما أوتيت من الأسباب من ربي خيرٌ من المال المعروض علي، لأن الله مكنني وآتاني الأسباب ليكون صد الفساد، ثم العمل الصالح من واجبي، وعليه؛ فأنا لا أريد منكم المال، ولكن عون الرجال؛

(..فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا(95))[سورة الكهف].

إن الذي سيعمله ليس سدا، ولكن ردما، أي عملاً يردم ويختم المجال بين القوم وبين الفساد، وهذا عملٌ لا يتوقعه المفسدون، وهنا بدأ يعمل بجدٍّ وخبرة، ويقدم العدة والعتاد من لديه بوفرة؛

(آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ..).

إن الحديد هو المستعمل في الردم المشيد وهو زبرٌ وقطعٌ كبيرةٌ لها بأسٌ شديد، ولقد وضع الزبر بشكلٍ متين؛

(..حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا..).

لقد أصبح الحديد يملأ المجال بين الجبلين ثم جاء بتقنيةٍ أخرى تجعل البناء أقوى، إنها المنافيخ الكبرى، التي تصهر الحديد صهراً؛

(..حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا..)..

لقد أثرت المنافيخ حتى جعلت الحديد يتحول إلى نارٍ ملتهبة، وقطعةٍ مذابة، وهنا لا بد من رابطٍ بين القطع يجعلها لا تتزعزع فما هو؟.

(..قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا(96))[سورة الكهف].

والقطر هو النحاس المذاب، ولما اختلط الحديد والنحاس أصبح الردم كالجبل الأصم في قوةٍ وبأس، إنه عملٌ معجز، وبالخبرة والعلم منجز، جعل الفساد أمامه يعجز؛

(فَمَا اسْتَطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا(97))[سورة الكهف].

لقد أذهل هذا العمل يأجوج ومأجوج، وجعلهم أمامه في أمرٍ مريج، فلا استطاعوا مواصلة الظهور على الردم، ولا استطاعوا ثقبه ولا الهدم، بل كفوا عن الفساد في ذلٍّ وعجزٍ وندم، وهكذا كان هذا الشاب المهندس، لاجتثاث الفساد هو المتحمس، فقدم الخبرة والتقنية المتطورة، وأعطى القوم أجمل ما عنده من خبرة، بلا مقابلٍ ولا استغلالٍ للبلاد، ولا استعبادٍ للناس والعباد، لأنه عبدٌ من عباد الله لا يريد علواً في الأرض ولا فساداً ولكن يريد للناس أن يعيشوا أحراراً، جماعاتٍ وأفرادا، ولقد أنجز ذو القرنين عمله المعجز، وكان له الحق أن يفخر بما أنجز، ولكنه لم يفخر ولا اختال، ولا ادعى الفضل والكمال، بل أعاد الفضل إلى ربه ذي الجلال؛

(قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي..).

فهو الذي مكني، ومن الأسباب آتاني، ومن واجبي أن أعمل ما يرضيه عني، ثم إن عملي هذا ليس باقياً خالداً، فكل شيءٍ سيكون هالكاً، ولهذا قال:

(..فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ..).

إنه الإيمان الصادق، والقلب الواثق، في أن الكل يفنى ويبقى وجه ربه الخالق، وأن كل شيءٍ فقيرٌ ومحتاجٌ إلى ربه الرازق، فيا له من شابٍ مؤمنٍ واثق، على هذا نودع ذا القرنين، وقد أحسن في الأرض بالتمكين، ولم يكن من الطاغين، إنه مثالٌ للشباب المبادر الوثاب، الذي يعمل بإخلاصٍ وصواب، على هذا نودعكم أيها الشباب، والسلام عليكم ورحمة الله. 

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: