الشباب في القرآن (116): وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ

شكراً للقارئ ومع ذلك أرجو أن يسجل النصوص، فإن ذلك عملٌ أجره له مخصوص، هو عليه في القرآن منصوص، فلقد قال الله عن المحسنين الذين يتلون الكتاب المبين:

(إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(13)أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ(14))[سورة الأحقاف].

وإنك يا عبدالوهاب قد عملت فاستقم وأتم، والله معك ربك الأكرم، وقال عن الوارثين الكتاب والعاملين به والمبلغين له والسابقين في فضله:

(ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ(32)جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ(33)وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ(34)الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ(35))[سورة فاطر]، فبادر بالتسجيل لكل مكتوب، ولتكن من السابقين الذين لا يمسهم نصبٌ ولا لغوب، إن وعد الله لك مثوبة مستحقة، فاحرص على نيلها بيقين وثقة، والآن لنبدأ الحلقة، بعد أن سمعنا الوعد بالمثوبة الحقة.

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله الكريم محمد، وعلى آله وصحبه، والأنبياء والمرسلين من قبله، آمين وبعد:

السلام على الشباب، وعلى المستمعين الأحباب، ومرحباً بهم جميعاً؛

اليوم ندعوكم إلى شابٍ شامخ المقام، صادق الإيمان والإسلام، انطلق إلى النور من ركان الظلام، وآمن بربه ثم استقام، وفي الهدى كان للناس هو الإمام، وكان القدوة لكل شابٍ يحمل رسالة السلام، هل تدرون من هو هذا الشاب؟.

إنه من الذين قالوا لموسى إنه ساحرٌ كذاب، وله إلى فرعون انتساب، لكن الفتى رفض هذا الزور الفرعوني، وقال أنا من الفريق الإيماني، وعلى الطريق الرباني، فلنتابع موقفه، ولنشاهد شجاعته المشرفة، إنها حكايةٌ يقصها الله رب العالمين، لتكون عدةً للشباب في كل حين، ولنستمع الحكاية، ولنقرأ الآيات من البداية:

(وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ(23)إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ(24))[سورة غافر].

هكذا واجهوا الرسول بالبهتان، وقابلوا السلطان بالطغيان، والآيات بالسخرية والاستهجان، ولكن موسى يستمر ويتابع، ويُظهر الحق الساطع، رغم الطغيان الشائع، ولهذا يقول الله موضحاً بلاغه الصادع: 

(فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءَهُمْ..).

أسمعتم كيف المواجهة؟.

إنها عنيفة، وإن الموانع أمام الحق كثيفة، لكن الحق لا يختفي، ولهذا يقول الله:

(..وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ(25))[سورة غافر].

وبين هذا الجو المحموم، والتكذيب المذموم، والكيد المحكوم، يزيد فرعون من طغيانه، ويعلن بعصيانه، ويُغرِ الناس بقوة سلطانه؛

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ..).

لقد تجاوز بالقتل من المؤمنين الذين صدقوا موسى إلى قتل موسى الرسول، وأعلنها مدويةً غير مبالٍ برب موسى ولا بدعائه المقبول، ولم يكتف بهذا بل صور للناس أن الصلاح هو الذي عليه فرعون يعتاد، وأن موسى رسول الله يدعو إلى الفساد، فأضاف بعناد:

(..إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ(26))[سورة غافر].

يا للعجب!! رسالة الله رب العالمين، وآياته وسلطانه المبين، يصبح فساداً في الأرض ويصبح طغيان فرعون هو الحق والدين، وهكذا هو شأن الطغاة في كل حين، إنهم يُغرون الجماهير المساكين، ويظهرون لهم بمظهر الحريص الأمين، وهم يقودونهم إلى العذاب المهين، لكن موسى لا يبالي بالتهديد، وكيف وهو رسول ربه القوي الشديد؛

(وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ(27))[سورة غافر].

فالله مع رسوله يسمع ويُعين، ويعيذه من الظالمين، قد تقولون أين هذا الشاب الذي وعدتنا بموقفه، لقد أطلتم الحديث عن سواه ونفوسنا إليه متشوقة، لكننا لم نقصد إلا المقدمات، التي تدل على قوته والثبات، وها هو الآن يبرز من بين الظلام الشديد، ومن بين التهديد، ومن بين القتل والتشريد، يبرز هذا الفتى بصوتٍ عالٍ رشيد، ويعلن موقفه أمام فرعون العنيد، ويتحدى كل بطشٍ وتهديد، فلنسمع قوله السديد:

(وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ..).

إنه فتىً مقربٌ من السلطان، وشابٌ له في آل فرعون مكانة، ورغم ذلك لم يحرص على الملك والمقام، بل أعلن موقفه الهمام، ورفض الظلام، ورفع عن الكتمان اللثام، واندفع إلى الإسلام، فماذا قال في هذا المقام؟.

(..أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّي اللَّهُ..).

إنه استنكارٌ لا بد أن يقال، ولا بد أن يصدر من أصدق الرجال، فكيف يقتل رجلٌ يدعو إلى الله، ويقول ربي الله، إن قتله هو العدوان، وأسلوب الطغيان، ثم إن القتل يزداد إجراماً وإثماً، حين يكون هذا الرجل قد جاء يحمل نوراً وعلما، ولهذا أضاف الفتى متكلما:

(..وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ..).

فإن هذه البينات ليست من موسى بل من ربكم، الذي خلقكم ورزقكم، والذي بيده حياتكم وموتكم، وإليه مرجعكم، فاستجابة البينات فرضٌ عليكم، ومن واجبكم، وإلا تعرضتم لغضبٍ من ربكم، ومع هذه الحجج التي يسوقها الفتى، فإنه يضيف للقوم الإنذار والتحذير بأسلوبٍ أزكى، فيقول أمام الملأ مشيراً إلى موسى:

(..وَإِنْ يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِنْ يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُمْ بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ..).

يا له من فتىً حصيف، ذي منطقٍ لطيف، ورأيٍ سديدٍ نظيف، وأسلوبٍ شريف، إنه أسلوبٌ يدمغ الباطل، ويقيم عليه الدليل الكامل، ويضيق الطريق على كل مجادل. ولهذا يختم الكلام بقوله:

(..إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ(28))[سورة غافر].

فإذا كان موسى مسرفٌ فالله لا يهديه، ولكن الهدى واضحٌ عليه، فكيف لا نتبع ما يدعو إليه، إن فيه النجاة من الهلاك، وهو للناس الطريق المؤدي إلى السلام، ولهذا أضاف يقول:

(يَاقَوْمِ لَكُمْ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ يَنصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا..).

تأملوا كيف يهدد وينذر، بأسلوبٍ لطيفٍ متبر، فهو يضع الكلمات على الأشياء التي يحبون، وهو الملك والظهور في الأرض، فهم عليها حريصون، وعنها مدافعون، ولكنه ينقض هذا الأسلوب في الدفاع عن الملك والظهور، ويؤكد أن هذا أسلوبٌ يؤدي إلى الاندثار والثبور، فإذا جاء بأس الله فما يكون لنا من دونه نصير، وإذن فليكن هو الملجأ والنصير، ولنجب الرسول إلى دين الله الخبير، لكن فرعون يتجاهل كل هذا البيان، ويتوجه إلى الناس مؤكداً لهم أن له القيادة والسلطان، وأنه الرشيد المرشد للأمان:

(..قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ(29))[سورة غافر].

إنه كذبٌ وادعاءٌ باطل، ودفاعٌ عن الملك الزائل، وتمسكٌ بالظهور على الأرض والناس بلا مجادل، فهو الهادي وهو المرشد، وهو الذي يجب أن يتبع بلا تردد، وهكذا استمر الجدال والسجال بين فرعون الطاغية، وبين المؤمن الداعية، وبهذا يتضح لنا أن الدعاة إلى الله وأن قيادات الناس إلى الحق لا تعتمد مؤهلاتهم على الأنساب والأحساب، ولكن على الإيمان بالله الوهاب، والانقياد والمبادرة للصواب، فمن استجاب لله، فهو إمام الناس الهداة، وهو الذي يتبع، ما دام بأمر الله يصدع، وبعد فلنتأمل، فماذا كان موقف الفتى بعد إعلان فرعون أنه المرشد إلى الهدى؟.

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: