الشباب في القرآن (117): وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على رسوله محمد الكريم ، وعلى آله وصحبه، وعلى الأنبياء والمرسلين من قبله، آمين وبعد:

السلام على الشباب ورحمة الله، وعلى المستمعين الكرام، ومرحباً بهم؛

تعالوا نواصل مشاهدتنا لموقف الشاب المؤمن أمام طغيان فرعون، لقد كان الفتى مؤمن آل فرعون، يقارع الطاغية بالبرهان، ويدعو الجماهير بأجمل البيان، ويقف منفرداً أمام عنف الطغيان، واستمر هكذا يواصل مواعظه، وينقض دعاوى الطاغية الباطلة، حتى أعلن فرعون دعواه المضحكة، وأراد تغرير الجماهير الغافلة حيث قال:

(..يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36)أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا..).

أسمعتم الطاغية كيف يدعي؟.

أسمعتم؟.

إنه يزعم أمام الناس أنه يستطيع أن يبني صرحاً يبلغ به السماء، إنه يريد أن يغوي الجماهير عن الهدى، ويجعلهم ينسون حديث الرسالة ودعوة موسى، ويستمرون منتظرين لهذه الدعوى التي أطلقها فرعون أمام الناس للإغواء.

تعالوا نعد ما قاله فرعون لهامان:

(..ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ(36)أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ..).

لماذا يبلغ هذا المرتقى؟.

إنه يعلل ذلك بقوله:

(..فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى..).

إن الأمر مهم فهو يريد أن يطلع ويصل إلى إله موسى، إن موسى يقول: إن ربه رب السماوات والأرض، وفرعون يزعم أنه رب الناس في مصر، فكيف يكون لموسى رب، وأين هو؟. لا بد من الاطلاع عليه، ومعرفة مكانه ونوعه، هل هو نجمٌ أم كوكبٌ؟ أم شيء غير ذلك؟. وإنه لجهلٌ من فرعون أن يبحث عن إله موسى ويظنه جسماً أو شيئاً من المخلوقات، ولكن هكذا ادعى، ومع ذلك فهو يؤكد أن موسى هو الذي يدعي، ولهذا قال فرعون للناس ولنفسه:

(..وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا..).

يا للعجب!! الرجل الذي يدعو إلى الله رب العالمين هو الكاذب، والطاغية الذي يزعم أنه رب الناس هو الصادق، المصدق بين الجماهير، وهكذا استخف فرعون قومه وما هدى، وظن أنه على السواء، وحاول كيد الرسالة وتكذيب موسى..

(..وَكَذَلِكَ زُيِّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ وَصُدَّ عَنْ السَّبِيلِ وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلَّا فِي تَبَابٍ(37))[سورة غافر].

نعم هذا هو طريق التباب والهلاك، وهذا هو سبيل الثبور بلا فكاك، وأمام هذا اليقين لمصير فرعون، انبرى هذا الفتى المؤمن ليرد الجماهير عن الطريق المفتون، وليدعوهم إلى السبيل المأمون:

(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُونِي أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ(38))[سورة غافر].

إن الرشاد هو أن نتبع هدى الله، وأن الفساد هو الذي يدعو إليه فرعون، فإلى الرشاد أيها القوم إلى الرشاد، وما هو سبيل الرشاد؟.. إنه عدم الافتتان بالدنيا وعدم الإخلاد إلى الفساد، والاهتمام بدار المعاد، فمن اهتم بالآخرة فقد نال الفوز والمراد؛

(يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ(39))[سورة غافر].

فلا تصدقوا فرعون في حب الدنيا فإنه يدعوكم إلى البوار، وإن الدنيا قليل ثم مصيرها الاندثار.

ثم إن الأعمال في الدنيا مهما توسعت، فنهايتها متلاشية، وجزاء من تعب ومن لم يتعب غير مفيد، وقد يكون الظالم فيها هو الفائز والمستفيد، لكن جزاء الله له نظامٌ آخر وهو العدل والرحمة والكرم؛

(مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ(40))[سورة غافر].

هذا هو العطاء الجميل، وهذا هو الذي يجب العمل لأجله وهو خير سبيل، فيا قوم أنا أدعوكم إلى ربكم الجليل، فاتبعوني فإني صادقٌ أرجو لكم الفلاح، وأنتم تبغون الهلاك؛ هكذا كان الشاب المؤمن يواصل المهمة، ويحمل رسالته، ويدافع عن الحق، ويدفع الباطل ليزهق، وكان قوله هو الأصدق؛

(وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ(41)تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ(42))[سورة غافر].

إن الفريقين في افتراقٍ كبير، فالرجل يدعو إلى الجنة، والفرعون وقومه يدعون الناس إلى النار، والرجل الفتى المؤمن يدعو إلى الله العزيز الغفار، وهم يدعونه إلى آلهةٍ لا تعقل وإلى عبادة الأحجار، فأي الفريقين أحق بالأمن والفوز والاستبشار، إنه الفريق الذي يتجه إلى الله الواحد القهار، ويرجو العزة والغفران من العزيز الغفار، وهذا هو طريق الفتى المؤمن الذي استمر على طريقه فكان له الانتصار، ولم ينله كيد فرعون بشيءٍ ولم يصبه أي شرٍ من الأشرار؛

(فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ(45)النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ(46))[سورة غافر].

وهكذا فإن الله يقي من اتقى، وينصر من انتصر به، ويدمر من صد عن هداه، ويعذب من دعى إلى سواه، إنه الله الذي لا إله إلا هو رب كل شيءٍ، ورازق كل شيءٍ، وإليه يفتقر كل شيءٍ، فكيف نشرك به وكيف ننساه، إن الاستجابة والاعتماد إليه هو طريق الخير والنجاة، وهو الفوز لكل الشباب في دنياه وأخراه، على هذا نودعكم، والسلام عليكم ورحمة الله.

 

 

 

 




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: