الشباب في القرآن (118): فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام منه على رسوله محمد، وعلى آله وصحبه، وعلى الأنبياء والمرسلين، آمين وبعد:

السلام على الشباب، وعلى جميع المستمعين الكرام، ومرحباً بهم؛

اليوم ندعوكم إلى مشهدٍ مثير، وإلى موقفٍ شبابيٍ مُنير، إنه موقف مجموعةٍ من الشباب النادر، استطاع أن يتحدى الظلم والطغيان الكافر، وأن ينظم إلى ربه الوهاب القادر، قد تسألون من هم هؤلاء الشبان، وفي أي زمانٍ كانوا وأي مكان، إنهم في زمن فرعون الذي طغى، والذي كذب موسى وقال أنا ربكم الأعلى، أما المكان فهو في أرض مصر التي كانت تخضع للطغوى، وتتبع فرعون في الصد عن الهدى، لقد جاءهم موسى يدعو إلى ربه الذي أعطى كل شيءٍ خلقه ثم هدى، ولقد جاء إلى فرعون بآياتٍ كبرى، ولنستمع ما قاله الله عنه لنا:

(وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى(56) قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى(57)فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى(58))[سورة طه].

هكذا تحدى موسى، وسمى الآيات سحراً، ووصف الدعوة إلى الله بأنها محاولةٌ لإخراج الناس من أرضهم، والاستيلاء على سلطان آل فرعون وملكهم، وهي دعوى باطلة ومعاذير، ليغرر بها الجماهير، لكن موسى لم يخف التهديد والوعيد، ولم يتراجع عن الموعد الأكيد، بل أكد ذلك الوعد وحدده أجمل تحديد؛

(قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى(59))[سورة طه].

لقد اختار موسى يوماً مشهوراً للمصريين، وموعداً مشهوداً لهم مدى السنين، يخرج فيه الناس إلى الحدائق الفواحة بأزهار الربيع، وكلهم في زينةٍ تدل على السرور الشامل للجميع، وهكذا تحدد الموعد والمكان، وأصبح الناس على موعدٍ مع المباراة بين الكفر والإيمان، وبين السحر والبرهان، وإنهم لفي شوقٍ ليوم الرهان؛

(فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى(60))[سورة طه].

لقد حشر من كل المدن المصرية، كل وسائله السحرية، وأعلن للناس أنه الغالب، وأن رسول الله موسى كاذب، هكذا كانت البداية كما جاءت في سورة طه، ولو انتقلنا في القصص إلى سورةٍ أخرى هي سورة الشعراء لوجدنا قوله تعالى:

(فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ(38)وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ(39)لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ(40))[سورة الشعراء].

وبهذا السحر الجامع، وبهذا الكيد الخادع، أقبل السحرة إلى فرعون في موكب كيدهم، وبدأوا يعرضون عليه شروطهم؛

(فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ(41))[سورة الشعراء].

إنهم جاءوا على جناح الأطماع، وأقبلوا على أمل الانتفاع، فكان فرعون قابلاً للشروط بدون امتناع، بل أجابهم باقتناع:

(قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ(42))[سورة الشعراء].

إنه إغراءٌ بالمال والمناصب، ووعدٌ بأكبر المكاسب، عسى أن يكون هو الغالب، وأمام هذا الوعد المغري، بدأ اجتماع السحرة السري، والاستعداد للنصر السحري، ولنعد إلى سورة طه لنسمع نقاشهم الذي يجري، وفرعون معهم يشارك ويدفعهم إلى أهم المعارك؛

(فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى(62) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمْ الْمُثْلَى(63))[سورة طه].

إنه اجتماعٌ يدل على الذعر، ويشير إلى اضطراب الأمر، لكن أسباب الإغراء تدفع الاجتماع إلى النجاح، وتبرز بواعث النصر والفلاح، وتحذر من الفشل والفراق، وتحث على الاستمرار والوفاق، وأمام هذا الإصرار، أعلن المجتمعون القرار:

(فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنْ اسْتَعْلَى(64))[سورة طه].

وعلى هذا الإجماع الكامل، والاجتماع الحافل، برز السحرة كلهم إلى الرهان، وأصبحوا أمام موسى في الميدان، وفي الموعد المحدد الزمان والمكان، وقبل اللقاء بدأ الحوار بين السحرة وموسى على الإلقاء:

(قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى(65)قَالَ بَلْ أَلْقُوا..).

لقد أراد موسى أن يبدأوا بإلقاء وسائل سحرهم:

(فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى(66)فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى(67)قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى(68)وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى(69))[سورة طه].

وهكذا اختصرت الآيات السباق، وأصبح الغلب والأمر لموسى؛

(فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ(119))[سورة الأعراف]

وهنا لا بد من تحولٍ لهذه المسابقة، ولا بد من آثارٍ تظهر على هؤلاء السحرة، وهذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: