الشباب في القرآن (119): فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه، وعلى الأنبياء والمرسلين من قبله، وبعد:

السلام على الشباب ورحمة الله، ومرحباً بالمستمعين الكرام؛

ربما تكون هذه الحلقة هي الأخيرة في هذه السلسلة القرآنية الشباب في القرآن، ولقد تمكنا بعون الله من وضع نماذج مشرفة للشباب من خلال هذه الحلقات، وها نحن اليوم نختم اللقاء بأنموذجٍ مشرقٍ وضاء، خرج من الظلام إلى الضياء، وأصبح مثالاً رائعاً للصدق والتقوى.

لقد كانت حلقة أمس مقدمةً لحلقة اليوم عن السحرة الذين جلبهم فرعون، فلقد عرفنا أمس المغريات التي قدمها لهم فرعون ليكونوا عوناً له على دعوة موسى، وأغراهم بالمال والمناصب، وكان لما طلبوه مستجيباً وفيه راغب، ولكنهم بعد الرهان والمسابقة عرفوا أن موسى ليس بساحر، ولكنه رسولٌ صادق، وأن الإيمان به هو الحق، والله الباقي وكل شيءٍ سواه يفنى، فلنشاهد الموقف عن كثب، كما يرويه الله لنا فهو العليم وهو القريب، وها هو يقول:

(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا..) يعني أنهم أصبحوا مسلمين مؤمنين بما جاء به موسى، فاستسلموا لله وأصبحوا ساجدين، في كل حينٍ مطيعين، وعليه متوكلين؛

(..قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى(70))[سورة طه].

إنه الرب الذي يطاع  وهو الذي يعلم كل شيءٍ ويستجيب من دعى، وهو الذي خلق كل شيءٍ وهو الذي هدى، وهو الذي يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى، هكذا آمن السحرة، وهكذا انقلبوا من الظلام إلى الضياء، ومن الطمع في الدنيا إلى حب الله والتقوى، ومن التطلع لما في يد فرعون إلى الطمع فيما عند الله، وهنا يسمع فرعون بإيمانهم فيدعوهم إليه ليوبخهم ويهدد؛

(قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ..).

إنه يريد أن يستولي على القلوب كما استولى على الأجساد، وأن يتحكم في العقول كما تحكم في الأموال، لكن هذا من المحال، ولهذا لم يجد سبيلاً إلى رد هؤلاء إلا التهديد بالوبال:

(..إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى(71))[سورة طه].

هذا هو التهديد، وهذا هو الوعيد، إتهامٌ لموسى أنه الكبير في السحر وأن السحرة اتبعوه في هذا العمل المشين، مع أن فرعون كان له من المؤيدين، وكان له من الطالبين، وهكذا الطغاة يظلون متخبطين، ثم إن فرعون يهدد السحرة المؤمنين برب العالمين، يهددهم بالقتل والصلب لكن هذا التهديد وهذا الوعيد، لم يؤثر في الشباب المؤمن بربه الأكبر، لقد تأصل الإيمان في قلوبهم وتجذر، فلا يستطيع أحدٌ أن ينزعه منهم أو ينزعهم منه، فهو الأساس الذي عليه ينال الإنسان الخير والرشد والأمن المستمر. فلنستمع إلى جواب هؤلاء الشباب، أمام التهديد بأشد العقاب؛

(قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا..).

لا يا فرعون مش ممكن نقدمك على الله، غير ممكن أن ترانا نخافك ولا نخشى الله، فهو الذي فطرنا وخلقنا، وإليه مرجعنا، وهو الذي له الدنيا والأخرى، فافعل ما شئت يا فرعون، فالله معنا في الدنيا والأخرى، وهذا هو معنى قولهم:

(..فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72))[سورة طه].

يعني أنت ستقطع أوصالنا وأيدينا وأرجلنا، وهو عذابٌ بسيط في الدنيا نهايته الموت، لكن الله هو القوي الشديد، وهو الذي يبدئ ويعيد، وإلى الله الرجوع وهو الغفور الودود؛

(إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ..).

لقد كانوا يتسابقون على الأجر والمناصب، وأصبحوا الآن يسمونها آثاماً وذنوب، ويستغفر كل واحدٍ ربه عنها ويتوب، ولقد كانوا يعتبرون السحر هو الطريقة المثلى، وأصبحوا الآن يسمونه خطايا، ولقد كانوا يرون أن فرعون هو الأقوى، وأنه يعطي ويعز وهو الأغنى من موسى، لكنهم الآن يعلنون أن فرعون تافهٌ حقيرٌ قليل، وأن ما بيده لا بد أن يزول، وأن كل فخره باطلٌ وبهتانٌ يدول ولهذا ختموا كلامهم بالرد على كلامه الأول، لقد كان فرعون يقول:

(وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى)[من الآية 71 سورة طه].

وها هم الآن يقولون له:

(..وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73))[سورة طه].

يا سلام!! هكذا أصبح هؤلاء الشباب أنموذجاً رائعاً للإيمان الصادق الغوي، ومثلاً لامعاً للتمسك بربهم الغني، ولقد أصبحت الدنيا في نظرهم كل شيءٍ فيها فاني، وأصبح فرعون في أعينهم رجلاً غافلاً ضعيفاً متهاوي، فكيف يكون هو الباقي، وكيف يكون هو الأشد؟.

كلا؛ بل هو الله خيرٌ وأبقى، وهذا هو الحق الذي لا خلاف عليه، ولا ريب ولا مراء، وذلك هو الطريق إلى السلام والأمن في الدنيا والأخرى. 

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: