المرأة والطفل في القرآن (21): يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا

بسم الله ، والحمد لله، والصلاة والسلام منه على رسوله محمدٍ خاتم النبيين، وعلى من سبقه من الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبعهم  بإحسانٍ؛ آمين، وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين، ومرحباً بهم في حلقة اليوم؛

إن من أهم موجبات العيش في سلام، هو الإخلاص في الإسلام؛ ولهذا كان لا بد أن يعلن النبي صلى الله عليه وسلم إخلاصه في إسلامه قبل سواه، فقال:

(قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ(11)وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ(12)) [سورة الزمر].

ومعنى أن يكون أول المسلمين؛ أن يسلم كل عمره وعمله لربه لا سواه؛

(قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَاي وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ(162)لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ(163)) [سورة الأنعام].

وحينما يعلن النبي صلى الله عليه وسلم هذا القول، الدال على صدق إسلامه وإخلاصه لله رب العالمين؛ فإن ذلك يعني أن من يدعو إلى الله؛ لا بد أن يكون كذلك حتى يكون لدعوته أثر، ويكون حجة على من كفر، ويكون دافعاً لمن تأخر، وعلى هذا الأساس كان لا بد أن تكون أزواج النبي متسمات بنفس سمات النبي لأنهن أمهات المؤمنين، وزوجات النبي الداعي إلى رب العالمين؛ فلا بد أن يكُنّ من السابقات للإجابة، والطائعات لما دعى، وهذا ما أكدناه في حلقة أمس؛ وعرفنا من خلالها أن الله سبحانه وتعالى أمر رسوله أن يخير أزواجه بين أمرين، لتستمر حياتهن مع النبي بسلام، أو يكون مصيرها الانفصام؛ وذلك في قوله تعالى:

(يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا(28)وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا(29)) [سورة الأحزاب].

إنه يخيرهن بين حب الدنيا وزينتها، وبين حب الله ورسوله والدار الآخرة؛ فإن اخترن الدنيا وزينتها؛ فإن بقائهن في بيت النبوة غير ممكن واستمرارهن زوجات للنبي لا يليق بالنبوة، وإذن فالطلاق والفراق هو المصير مع منحهن المتعة اللازمة الواجبة للمطلقات على المتقين، وهذا هو التسريح الجميل الذي لا يضر، ولا يقطع عليهن للدنيا السبيل، لكن حظهن من الآخرة وبيل، وإن اخترن الله ورسوله والدار الآخرة؛ فإنهنّ يكُنّ من المحسنات المستحقات الأجر المناسب للإحسان، ولهذا فقد أعده لهن الله بإتقان وقال: (فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)، وما أعده العظيم فهو عظيم؛ فيا ترى ماذا كان خيار أزواج النبي بعد هذا التخيير الخطير؟.

الجواب عند عائشة رضي الله عنها، فقد روت أنه عندما تلا عليها النبي الآيات قالت: “إني أريد الله ورسوله والدار الآخرة” وهكذا كان جواب نساء النبي الأخريات، لقد اخترن السلام في المحيا والممات، وأصبحن في مقامٍ يستحق الاحترام، ولا بد أن يبتعدن عن كل أثام؛ ولهذا فلقد استمر لهن الوعظ والتذكير، من ربهن الخبير؛ فبينما كان الخطاب الأول لهن بواسطة النبي، جاء الخطاب الآن مباشرةً إليهن فقال الله:

(يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا(30)) [سورة الأحزاب].

إنه يسيرٌ على الله، فلا يمنعكنّ من عذابه أنكُنّ أزواج النبي، ولا يشفع لكنّ من عقاب الله قربكن من النبي، بل يضاعف العذاب، لماذا؟. لأن زيادة الفضل وعلو المقام، يزيد به العقاب عند اقتراف الآثام، ولأن انحراف القيادة وخطيئة القدوة، يكون ذا أثرٍ سيءٍ جداً على الأمة، وتصبح الفاحشة مشاعةً مألوفة، لأنها تنطلق من القدوة المعروفة، وهذا هو الخطر الذي يدمر المجتمعات عبر التاريخ والأزمان، فلا يرديهم في الهلاك إلا فساد الكبار وإسرافهم، وانحراف الملأ المترفين منهم؛ إذن فلا بد أن يكون كل أفراد ومنتسبي قيادات الأمة المسلمة من الطراز الأول في الإحسان، ومن الرعيل الأول في الزهد والإيمان، ليكونوا مثالاً حسناً للجماهير ويعم الأمة الأمان، إن القيادات التي تحسن وتتقن، ويلتزم كل أفرادها بالسلوك المؤمن، تستحق الاحترام، وتنال الجزاء الحسن من الله العلام، ولهذا فإنه بعد ذلك التهديد لنساء النبي، يبشرهن على الإحسان بالجزاء الوفي، فيقول:

(وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا(31)) [سورة الأحزاب].

إن القنوت يعني الطاعة لله وللرسول، ومن الطاعة تنطلق الأعمال الصالحة باستمرار، ولقد استحق نساء النبي مضاعفة الأجر مرتين مع الإحسان، كما ضوعف لها العذاب ضعفين عند ضعف الإيمان، لأن الإحسان من القدوة نافعٌ مفيدٌ للأمة، كما أن الانحراف مدمرٌ مبيد للأمة، وإذا كان لنا في رسول الله أسوة حسنة فليكن أمراء المسلمين على علمٍ ويقين بأن إصلاح أنفسهم ونسائهم ومن يلوذ بهم أمرٌ هامٌ في مهمتهم، وشرطٌ أساسيٌ في قيادتهم؛ فلا يأذنوا لأحدٍ بالانحراف، ولا يسمحوا لمقربٍ بالإسراف، ولا يتساهلوا في إلزام أنفسهم وأهلهم بالصلاح باستمرار، ليقوا أنفسهم وأهليهم من لنار، ويقوا المجتمع من البوار.

وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال قد حان.. هناك في الجزء الواحد والعشرين من القرآن ، آيةٌ واضحة البيان، تحذرنا من يوم لا ينفع فيه الوالد ابنه أبداً، ولا يدفع الولد عن أبيه شيئاً، فالكل مرهون بما يسعى، فلا تغره الدنيا.

نرجو لكم التوفيق في معرفتها، وإذا عرفتم الآية فابعثوا برقمها وسورتها، والسلام عليكم ورحمة الله.

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: