أين هو الشيطان؟ وما هو الشيطان؟

بعد تأملٍ عميق، وإمعانٍ دقيق، في آيات الذكر الحكيم؛ حاولت الإجابة على السؤالين، أو بالأصح وجدت الإجابة على السؤالين الموضوعين في صدر هذا البحث.

إن الأسئلة عن الموضوع ظلت تلح علي وتلاحقني في كل حال، فإذا كان الشيطان مخلوق خارج كيان الإنسان فكيف يستطيع أن يسول له ويوسوس إليه؟، أم كيف يصبح الإنسان مسئولاً عما اقترفه مخلوقٌ سواه؟.

كلا؛ إن الشيطان مخلوقٌ خفيٌ مجنونٌ، مخزونٌ في جسم الإنسان وفي أحد زواياه السرية مكنون.

والطريق إلى هذا السر المخزون، بل مفتاح هذا المخزان هو قوله تعالى في سورة الكهف:

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ..(50)) [سورة الكهف].

إن المفتاح عند كلمة (كَانَ مِنْ الْجِنِّ).

إنه من الخلق المجن الخفي الذي لا يعلمه أحدٌ من الملائكة، ولا أحد من الملأ الأعلى إلا الله.

بل إن الإنسان الذي أمر الله ربه أن تسجد له الملائكة لم يكن يدري من أمر هذا المخلوق السري شيئاً، فهو مجنٌ مجنونٌ، خفيٌ مخزونٌ في خفايا سره وخفاياه، ولا يعلم أحدٌ بهذا المخلوق الخفي إلا الله، لأنه يعلم السر وأخفى.

إذن فالله خلقه مع نفس الإنسان، وفي موقع سري لا يعلمه الإنسان، ولكنه قرينٌ لنفسه دائم الاقتران، غير أنه قرينٌ مجنونٌ لا يصحو ولا يظهر إلا حين يغفل الإنسان عن ذكر الرحمن، ولا يتشيطن إلا حين تشط النفس عن الزكاء وتتعرى عن الإحسان؛

(وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(37)حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ(38)) [سورة الزخرف].

فهو مخلوقٌ ملازمٌ للإنسان في حياته ونشوره، وقرينٌ لنفسه منذ نشأتها وتسويتها؛ يتضح ذلك من قوله تعالى:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)) [سورة الشمس].

فالفجور معجونٌ فيها، والغرور ملابسٌ لها، كما أن تقواها هو حرزها وحاميها من يقظة الشيطان فيها، فالنفس التقية تستعيذ بالله فيخنس شيطانها، ولهذا قال الله:

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41)) [سورة النازعات].

وهنا نستطيع أن نعرف أين هو الشيطان. إنه مخبوءٌ مجنونٌ جانٌّ في زوايا نفس الإنسان.

هذا هو المكان الذي يكمن فيه الشيطان، وهو المخبأ الذي يختفي فيه بضعفٍ وهوان، إن نفس الإنسان، هي المخبأ والمكان، لهذا المخلوق الجان. إن نفس الإنسان، هي مخبأ الشيطان، وليس مخلوقاً خارج النفس بل ليس له عليها سلطان، إلا حين تعشو عن ذكر الرحمن.

وإذا عرفنا أن النفس بهذا الفهم للآيات هي مكان الشيطان، فقد عرفنا الإجابة على السؤال الأول وهو: أين هو الشيطان. ولكن بقي أن نعرف الإجابة على السؤال الثاني وهو: ما هو الشيطان.

إن الإجابة على السؤال تتجه إلى شيءٍ له اسمٌ معروف لا يخفى على من اتبع الهدى. إن ضد الهدى هو الهوى؛ إذن فالشيطان هو الهوى، الذي هو معروفٌ لأولي التقى.

“الشيطان هو الهوى”

هذه هي الإجابة الممكنة لمن تأمل الآيات، بل الإجابة القريبة المعقولة لمن اهتدى إلى آيات القرآن.

كيف نستطيع أن نؤكد ذلك؟.

بالعودة إلى الآيتين التي وردت قبل قليل من سورة النازعات:

(وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41)) [سورة النازعات].

نستطيع أن نعرف أن النفس حين تبعد عن الهوى، تنجو من اللظى، وتفوز بالجنة لها مأوى، ولقد قال الله في سورة يس وهو يتحدث عن أصحاب الجنة:

(وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ(59)) [سورة يس].

لقد امتازوا عن أصحاب الجنة، وأصبحت جهنم لهم جاهزة، وعند هذا المصير المحزن يذكرهم الله بقوله:

(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(60)) [سورة يس].

إن عبدة الشيطان قد جعلت جهنم هي المصير لهم، ولكن من عبد الله فهو الفائز بجنات النعيم، ولهذا قال:

(وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ(62)) [سورة يس].

ولأنهم لم يعقلوا فها هم أمام جهنم وإليها سائرون، وهي قريبةٌ ماثلةٌ للمكذبين؛

(هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(63)اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنتُمْ تَكْفُرُونَ(64)) [سورة يس].

وهكذا فإن عبادة الشيطان هي التي أصلتهم جهنم، لكن عبادة الرحمن هي التي فيها الفوز لابن آدم.

ولكن هل فعلاً عبد الإنسان الشيطان، المعروف لنا في الأذهان؟ وكيف عبده الناس عبر الزمان؟ وكيف أضل جبلاً كثيراً في كل مكان؟.

لو تأملنا الواقع فإن الناس إنما عبدوا الهوى واتبعوه، وكان هو الإله المضاد لله في كل مجال وفي كل جيل، ممن لا يسمعون ولا يعقلون، ولهذا قال الله:

(أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44)) [سورة الفرقان].

إنهم هم هؤلاء الذين يقول عنهم في سورة يس:

(..أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ(62)) [سورة يس].

بل هم هم الذين يقول عنهم في سورة الجاثية:

(أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(23)) [سورة الجاثية].

فهؤلاء هم الضالون، الذين يقول عنهم في سورة يس:

(وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ(62)) [سورة يس].

إذن فالهوى هو الشيطان، وهو الذي أشرك به الإنسان عبر الزمان، أو بالأصح إن الشيطان هو الهوى، وهو الذي جعل آدم يسقط في الغوى، وجعل ذريته من بعده صيداً سهلاً للغي والغوى، ولنقرأ معاً قوله تعالى:

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ(175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصْ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ(176)) [سورة الأعراف].

لقد أوضح الله أن هذا الذي انسلخ من الآيات قد أتبعه الشيطان، أي جعله الشيطان تابعاً له فكان من الغاوين. ثم فسر هذا الانسلاخ بأنه أخلد إلى الأرض واتبع هواه، فالشيطان إذن هو الهوى، وهو الذي أسقط هذا الرجل من الهدى إلى الغوى، فكان كالكلب لا يهدأ ولا يهدى، وساء هذا المثل مثلاً، وإنه لمثل لكل من ظلم نفسه واتبع الهوى في كل زمانٍ وفي كل مكان؛

(سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ(177)) [سورة الأعراف].

ولن نغادر سورة الأعراف حتى نعرف الحقيقة من خلال قصة الإنسان الأولى مع الشيطان، فلقد وسوس إلى آدم وزوجه فأكلا من الشجرة؛

(فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ..).

وفي هذه الحيرة والقلق النفسي يأتي النداء الرباني:

(..وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ(22)) [سورة الأعراف].

لقد برز إبليس من داخل النفس التي توسوس فأصبح اسمه الشيطان، بينما كان مبلساً خفياً، ولأنه من داخل النفس فإنه عدوٌ لهما مبين، لأن العدو الداخلي أقوى الأعداء، ولهذا فإن جواب آدم وزوجه على عتاب ربهما كان مؤكداً أن الذي حدث هو من داخل النفس؛ لنستمع الجواب منهما:

(قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ(23)) [سورة الأعراف].

فهما اللذان ظلما نفسيهما لا الشيطان الذي وسوس لهما، ولهذا فإنهما يستغفران ربهما ويطلبان رحمته ليخرجا من زمرة الخاسرين. والخسران هو ميزة الإنسان الذي لا يتبع هدى الله ويتبع الهوى، وهكذا فإن المسئولية عليه في كل سعيٍ سعاه، لا على الشيطان الذي دهاه. لماذا؟.

لأن الشيطان إنما هو هواه، إنه مخلوقٌ في أعماق نفسه ولكنه لا يراه؛ ولهذا فإن الله يقول في نفس السورة مخاطباً بني آدم وواصفاً لهم الشيطان:

(إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ..).

فالإنسان لا يرى هذا العدو الداخلي ما دام لا يتبع هدى الله، بل يتبع هواه، إن الهوى هو العدو الفتان، وهو الشيطان.

(..إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ(27)) [سورة الأعراف].

أما المؤمن التقي فيرى هذا العدو ببصيرته ويقاومه بذكر ربه فإذا هو منتصر.

(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201)) [سورة الأعراف].

فالنفس الزكية الذاكرة تبصر وتنتصر على هواها، والنفس المظلمة الغافلة تمتزج مع الشيطان فإذا هو جزء منها مؤاخٍ لها بل هي مؤاخية له مستجيبة له، مستمرة في طغواه، ولهذا يقول الله عقب ذلك:

(وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ(202)) [سورة الأعراف].

وعليه فإن الشيطان هو الهوى الذي يبلس في زوايا النفس ويختفي في خفاياها، فإذا لمس غفلةً منها طغى وظهر، وتشيطن وأعمى البصر، وكاد ودمر. إنه ضعيف الكيد أمام الإنسان القوي التقي، قوي أمام الغوي؛

(..إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا(76)) [سورة النساء].

كيف لا وهو لا سلطان له على عباد الله الصادقين، وإنما سلطانه على الغافلين، فالناس أمام الله فريقان: (فَرِيقًا هَدَى) وهم عباده الصادقون، وأولياءه المخلصون، (..وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَةُ..) لماذا؟.

(..إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(30)) [سورة الأعراف].

قلنا أن الشيطان هو الهوى المبلس في أعماق النفس، ولتأكيد هذا المعنى فإن المتأمل في الآيات كلها التي تحكي قصة الإنسان الأول مع الشيطان والملائكة، فهي تسميه في بداية القصة إبليس ويستمر الحوار معه عند السجود وبعد السجود حتى إذا اقترب من مهمته، واقترف وسوسته في نفس الإنسان، سُمي الشيطان.

إنه يسمى إبليس وهو اسمٌ مشتقٌ من الإبلاس وهو الخفاء والتواري، والضعف والتواني، والحيرة والحزن، فأصل الكلمة أبلس إبلاساً فهو مبلس وهو إبليس؛ أي كثير الإبلاس، شديد الخنوس والإلباس، وهناك قاعدة صرفية هي الاشتقاق من أصل الكلمة صيغة مبالغة تدل على الكثرة، فإبليس صيغة مبالغة في شدة الإبلاس وكثرتها، ولكي ندرك معنى الكلمة بوضوح نعود إلى اشتقاقاتها ومعانيها في معاجم اللغة؛ قال في المنجد في مادة “بلس”:

[أَبْلَسَ قل خيره – انكسر وحزن، أبلس من رحمة الله: يئس، أبلس في أمره: تحير فهو بليس ومُبلس، أبلسه: صيره بليساً، البلِّيس: من لا خير عنده، وأخيراً قال: إبليس: علم جنس للشيطان جمعه أباليس وأبالسة].

ورغم أنه قال أن الكلمة معربة، فإن قوله لا يعني الحقيقة، فالكلمة عربية ومصدرها الإبلاس والفعل أبلس فهو بلس ومبلس، وكل معاني الكلمة لمن تأمل لا تبعد عن صفات إبليس المعروف بأنه اسم جنس للشيطان.

فهو قليل خيره منكسر، وهو حزين، وهو بائس، وهو متحير محير، وهو مع ذلك ملبس ومدنس، وهذه هي المعاني التي نعرفها عن الشيطان.

لكنا لو دققنا لوجدناها تنطبق على الهوى الذي يتصف بأنه لا خير فيه، وأنه منكسر حتى عند نيل المنى، وهو حزين في النعماء والضراء، وهو يائس في كل حال. أليس هذا هو شأن أتباع الهوى، المترفين المسرفين في الغي والغوى؟ أو بالأصح المتبعين لإبليس اللعين؟.

وعلى هذا الأساس كان اسمه إبليس في بداية القصة في كل السور التي وردت فيها القصة، لكنا لن نتوه في متابعة الجميع بل سنبقى في سورة الأعراف لنعرف الحقيقة؛ فالله يقول:

(وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنْ السَّاجِدِينَ(11)) [سورة الأعراف].

ها هو إبليس حاضر مع الملائكة، فأين هو وأين موقعه؟.

إنه فينا نحن الذين خلقنا الله كلنا وصورنا، فهو في خفايا آدم، ولهذا صح استثنائه من الحاضرين؛ لأن آدم والملائكة هم الحاضرون، إذن فالهوى هو الذي عصى، وللسجود لآدم أبى، أليس الهوى هكذا مع الإنسان عبر المدى؟. فهو يأبى الانصياع للطاعة والزكاء، ولا يقدر عليه إلا من اتقى؛ إنه لهبٌ في نفس الإنسان، لا يطفيه إلا الإيمان. وهذه الخاصية للهوى هي التفسير لقوله معللاً عدم سجوده:

(قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ(12)) [سورة الأعراف].

فهو من نارٍ فعلاً لا ينطفي، إلا للإنسان المؤمن التقي، المستعيذ بربه القوي.

ولهذا فهو يلتهب للشهوات ويلهب النفوس في حبها، وهو يشعل نار الغوى والطغيان، في حياة الإنسان، ويحرق الطهر في نفس الإنسان ويزين العدوان، وباتباع الهوى شقي الإنسان والتهب عبر الأزمان، وهذا هو الذي سيبقى معه مدى الأيام، حتى يوم القيام، وهذا هو ما توضحه الآيات المتعاقبة، في حوار إبليس مع ربه:

(قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ(14)قَالَ إِنَّكَ مِنْ الْمُنظَرِينَ(15)قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ(16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ(17)) [سورة الأعراف].

وهنا يحكم الله ربه عليه بالخروج من النفس الطاهرة الزكية مذموماً مدحورا، ولكنه يسمح له بالسكون في النفوس الخاسرة الغوية التي تتبعه في غيه فيكون مصيرها معه النار:

(قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ(18)) [سورة الأعراف].

فكل متبعٍ له سيكون في جهنم معه فهما قرينان في الدنيا والأخرى. وهو وعدٌ وكلمةٌ حقت من الله لابد أن تكون، وحتى تكون ها هو الله يطلق آدم في الأرض مع زوجه ليأكل ما يشاء، فهو في جنةٍ ما دام هواه خفياً مستوراً، مبلساً منكسراً، فإذا مال إلى شجرة الشهوة تعرى وسقط، وغوى وهبط؛

(وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ(19)) [سورة الأعراف].

فالشجرة رمزٌ للشهوات المشتجرة، فإذا النفوس بها منبهرة، يستيقظ إبليس المبلس المنكسر، ويشطن في خفايا النفس المنبهر، فإذا هو شيطانٌ مغرر، وإذا الإنسان أمامه مغرورٌ منكسر. وهنا وفي هذه اللحظة يتحول إبليس من مبلسٍ خفيٍ جانٍّ إلى شيطان، ومن ضعيف الكيد إلى سلطان، ومن ساكتٍ مطرقٍ إلى ناطقٍ سليط اللسان، وهذا ما به الآية التالية ناطقة البيان؛ إنها تسمي إبليس الآن بالشيطان لأنه شطن من كناسه، وحلّ وثاق إبلاسه، وأطلق عنان وسواسه، ولهذا يقول الله:

(فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا..).

لقد أصبح اسم إبليس الآن الشيطان، ثم إن المراد بإبداء ما ووري عنهما من سوءاتهما هو أن يبدي لهما ما فيهما من هوى، كامنٍ في الخفاء، وهو سوأة تردي الإنسان وتورده اللظى، فمن اتبع الهوى خر في سحيق الوبال، وسقط في وحول الضلال، وكانت جهنم هي المآل، ولهذا يقول الله لداوود:

(وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26)) [سورة ص].

ولكي يبدي هذه السوأة المجنونة؛ فإنه يثير الشهوة، ويزين السيئة، ويجعلها وسيلة للحياة الهانئة.

(..وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ(20)) [سورة الأعراف].

إن الهوى هنا هو الشيطان؛ الذي شطن وأصبح ناطق اللسان، وأنه المخبوء في النفس ولهذا فإن طريقه هو الوسواس، فهو ينبعث من الأعماق، ويصرخ بصوتٍ خفاق، ليجلب على الإنسان الإقلاق، ويستفز فيه الأشواق، إلى ما يظنه سلاماً وهو الانزلاق.

الله هو يصور للإنسان أن حجب الشجرة عنه حجبٌ له عن الملك والحياة المستمرة، فيندفع الإنسان للشهوة بحركة متهورة، فإذا هو في نارٍ مستعرة، وندامةٍ وحسرة.

لنعد قراءة الآية:

(..وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ(20)) [سورة الأعراف].

إنه إغراءٌ وتغرير، وبهتانٌ وتزوير، يصور الملك والخلود في عصيان الله القدير، وما هي إلا دعوة للإنسان ليكون من أصحاب السعير، فلا خلود للإنسان إلا عند الله الذي لا يموت، ولا ملك للإنسان إلا عند الله الذي بيده الملكوت؛ فمن اغتر بالهوى عن ربه، فقد خسر سلامة لبه، وسلم للشيطان سلامة قلبه، وضل ضلالاً بعيداً بذنبه.

وهكذا يكون الهوى هو الذي يصح أن يسمى بالشيطان؛ لأنه هو العدو الخفي للإنسان، بل هو كما يصفه ربه:

(..إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ..(27)) [سورة الأعراف].

فكيف يحارب الإنسان هذا العدو المخبوء الشديد الخفاء؟، لا سلاح له ولا درع إلا لباس التقوى، فهو الواقي بعون الله، ولهذا يقول الله في هذه الآيات من سورة الأعراف:

(يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ(26)) [سورة الأعراف].

فالتقوى هي اللباس الحقيقي الذي يستر السوءات النفسية والأخلاقية، ويحبس الهوى وإبلاسه، ويمنعه من الشيطنة ويكف وسواسه، إنه يجعل الإنسان يخاف ربه ويتقيه، فيحفظه ربه ويقيه، ولهذا فإن الله يشير إلى هذا بقوله:

(فَأَمَّا مَنْ طَغَى(37)وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(38)فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى(39)وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41)) [سورة النازعات].

فإن نهي النفس عن الهوى يعني إبعادها وصرفها، وتحصينها وسترها، وذلك هو التقوى. إذن فلباس التقوى؛ هو اللباس الذي يقي النفس من شيطنة الهوى، وهو اللباس الذي لا يغني عنه كل لباس الناس وريشهم، ولا يقوم مقامه شيء من ملابس الناس وزينتهم، مهما تعددت وتنوعت، وطالت أو قصرت، أو قلت وتضاعفت، فما زيادة الملابس وما الإسراف فيها إلا تغطية كاذبة تزيد السوأة وضوحاً، وتفصح عن سوء العمل وسيئات الأفعال؛ ولهذا تجد الفجار هم الذين يسرفون في الريش واللباس، وينوعون البدلات ويعددون الأنواع ليستروا عيوبهم، ويظهروا على الناس بغير حقيقتهم السيئة. ولكن المحاولات لا تحول بينهم وبين ظهورهم بأبشع السوءات، وأجشع النفوس التي تعبد الهوى، وتخضع لشيطنته والغوى.

وعلى أي حالٍ فلن نستطيع أن نخفي أن الشيطان ليس إلا شيء داخل نفس الإنسان، ومخلوقٌ من نارٍ يكمن فيها مدى الأزمان؛ فإذا اندست النفس ظهر وتشيطن، وإذا تزكت خنس وأبلس وتمسكن؛

(قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)) [سورة الشمس].

ولكي نؤكد هذا المعنى فإن الله يقول:

(وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(37)حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ(38)) [سورة الزخرف].

فالقرين كان غائباً فتقيض، وكان نائماً فتيقظ، ولم يقيضه إلا الغفلة عن ذكر الرحمن، ويتكرر المعنى في صورة وسورة أخرى هي سورة الفرقان:

(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا(27)يَاوَيْلَتِي لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا(28)لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنْ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي).

لاحظوا معي حال هذا الظالم الضال، ها هو يعيد الذنب إلى نفسه وإلى اتخاذ خليل سوى الرسول، فإذا هو ضال عن ذكر ربه الجليل، فهو الجاني على نفسه بلا جدال، لكن الآية تختم بقوله تعالى:

(..وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا(29)) [سورة الفرقان].

إن الآية لتفصح عن أن الشيطان الخذول، إنما هو الهوى الذي زين للظالم هجر سبيل الرسول، واتخاذ الضال المضل هو الناصر والخليل، فكان المصير هو الخذلان والمصير الوبيل. لقد ظن اتباع هواه هو الفلاح، وأن هجر الرسول هو النجاح، فاتضح له أن ما زينه الهوى خاطئ كل الاتضاح.

فإذاً الهوى إنما هو الشيطان الخذول الخطير، الذي يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير.

ولكي يتضح لكم المعنى الذي ندعيه، ونلح عليه؛ فتعالوا معي إلى يعقوب مع ابنه يوسف وهو لرؤياه يقص عليه، فبعد أن سمع الرؤيا قال لابنه بحنانٍ وعلمٍ أكيد:

(..يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا..).

إن يعقوب يسند الكيد إلى إخوة يوسف ويؤكد ذلك بالمفعول المطلق (كَيْدًا)، لكنه يختم الكلام بقوله:

(..إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ(5)) [سورة يوسف].

فما المراد بالشيطان هنا بعد أن أكد يعقوب أن الكيد من إخوة يوسف أكيد، لأن نفوسهم تحمل الحقد الشديد؟.

إن المتأمل معي للآية والمتدبر بإمعانٍ للمعنى لابد أن يفهم أن الشيطان هنا هو الهوى الذي سيزين للإخوة الكيد الأكيد لأخيهم يوسف، ويجعل نفوسهم تسقط وتسف؛ ذلك أن الهوى هو العدو المبين للإنسان في كل حين، وهو الشيطان الذي يستيقظ من إبلاسه حين يجد النفس الإنسانية تنسى الهدى، وتنسلخ من لباس التقوى.

ولعلي لا أريد بهذا إلا أن نفهم جميعاً أن الشيطان، ليس قوة خارجة عنك أيها الإنسان، بل هو قوةٌ كامنةٌ فيك بدون سلطان، ولكنها تقوى وتظهر حين تنسى الرحمن، فإذا استعذت به أبلس هذا الشيطان واستكان، وعدت مبصراً في أمان.

نعم إن هذه القوة كامنة فيك وساكنة في أعماقك، وإنها تشطن وتتشيطن حين تكون بعيداً عن خالقك، ولتأكيد هذا الذي يختبئ فيك يسمي الله استيقاظه نزغاً فيقول:

(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200)) [سورة الأعراف].

فالله سميعٌ عليمٌ يسمع ما يحدثك هواك ويعلم ما توسوس، ذلك أن النزغ لا يأتي إلا من داخل الإنسان فينخره ويثير، ويسول له الأمر بأسلوبٍ خطير، فإذا به يشتغل بالإثم كالسعير، ثم إن الله يسمي هذا التسويل والوسواس همزاً فيقول في سورة أخرى:

(وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ(97) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ(98)) [سورة المؤمنون].

والهمزات لا تثور إلا من داخل النفوس الغافلات، فهي همزاتٌ تتكاثر وتتآزر فإذا هي شياطين كثر لا شيطان واحد، وهذا هو سر جمع كلمة شياطين هنا.

ولكي تعرفوا أن النزغ والهمز صوتٌ ينفجر، ويزأر داخل الصدور ويستفز البشر، فاقرأوا معي ما ورد في سورة الإسراء عن الشيطان وهو مع ربه يتحاور، ولنستمع إلى الشيطان أولاً وهو يتوعد آدم:

(قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا(62)) [سورة الإسراء].

ثم لنستمع إلى الله:

(قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا(63)) [سورة الإسراء].

لماذا جهنم هي الجزاء؟.

لأن الشيطان من نارٍ هي نار الهوى. ثم لنستمع بعد ذلك قول الله الأعلم، وهذا هو الأهم:

(وَاسْتَفْزِزْ مَنْ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا(64)إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا(65)) [سورة الإسراء].

إنه خطابٌ للشيطان وهو خبرٌ في صورة الأمر، وتقريرٌ في صورة الإنشاء لتأكيد حصول هذه الأفعال من الشيطان في حياة الإنسان، والله لا يخبر ولا يأمر إلا بشيءٍ يكون أو كان، ولكني أسأل كل بني الإنسان: من منكم سمع الشيطان يستفزه بصوته؟ ومن منكم رأى الشيطان يجلب عليه بخيله؟ ومن منكم شاهد الشيطان يجمع عليه ويجلب عليه برجاله؟ قولوا من منكم سمع هذا أو شاهد؟، أو حتى في أحلامه وهو راقد؟.

لا شيء من ذلك ملموس، ولا صوت ظاهر لإبليس، إنما هو صوت الهوى والوسواس، وإنما هي خواطر الهوى الخناس، إنها خواطر خطيرة مزعجة، تستفز المهجة، وتقلق البهجة، وتقلب الباطل حجة، والمطموس محجة، إنما هو صوت الهوى الهادر، يستفز الضمائر، ويزعج السرائر، ويعمي البصائر، فإذا الإنسان كالأسد الثائر، يبطش بالقاعد والسائر، ويستهين بنواهي الله والأوامر، وينطلق في الأرض كالطوفان، ينشر العناد والبهتان، ويوطد البغي والطغيان، ويقنن الظلم والعدوان، وكأنه شريعة من الرحمن، وهذا هذا فقط هو الشيطنة والشطط الذي يعني الشيطان.

فالهوى هو الشيطان، الذي يجند القوة والعنفوان في نفس الإنسان، لتدمير التقوى والعرفان، ويستغل خلق الإنسان في أحسن تقويم، لتخريب حياة الإنسان والتهديم، ويوجه السمع والأبصار والأفئدة من السعي الشكور، إلى السعي الكفور، ومن الإرادة الطاهرة، إلى الإرادة الفاجرة، ومن ظلال الحب والسلام، إلى ضلال الحرب والخصام، ومن عيش النعيم الطيب، إلى نعش الجحيم الملتهب.

نعم إنما هو الهوى الملتهب المجنون، الذي يجلب بخيل أوهامه والظنون، وبجيش التجسس المفتون، على كل خيرٍ مصون، وعلى كل جمالٍ مكنون، فيشوه الحياة الطيبة، بنار أوهامه الملتهبة، ويزعج القلوب المتحابة، بطول همزه ولمزه الضاربة، ويحرق النفوس الزاهدة، بنار الفتنة الواقدة، ويشعل التعاون والتعارف بين الأمم والشعوب، بوقود التعارك والتخاصم والحروب.

إنما هو الهوى الكذاب، المستفز الجلاب، الذي يصور الخصب في السراب، ويزين للإنسان أن حل السلام في نشر الخراب، وأن إحراز الأمان في حز الزروع والرقاب، وأن كسب الثراء والمال، في إهلاك البذر والأطفال، فإذا الإنسان مرهبٌ مرتهب، مغصوبٌ مغتصب، لهابٌ ملتهب، نهابٌ منتهب؛ يظن المال المغصوب هو السلام، والحق المسلوب هو الأمن على الدوام، وليس هذا إلا الهوى الشيطاني، الذي يشاركه في الأموال والأولاد والمتاع الفاني، ويوهمه أنه في عيشٍ ورغدٍ هاني، ويعده بأجمل الأحلام وأحلى الأماني، وما هو إلا وعدٌ مغرور، ووهمٌ مبتور، وجهدٌ مهدور، عاقبته المصير المبتور، والهلاك الذي يقطع دابر كل ظالمٍ مثبور.

وهكذا فإن آية الإسراء ، قد استضأنا بها في معرفة الهوى، وتبين لنا بجلاءٍ أن الشيطان إنما هو الهوى؛ أليس من الواضح لكل متدبرٍ للآيات مستنير، أن الحوار الدائر بين رب العالمين وبين إبليس المغرور، يكمن فيه أوضح القرائن على أن الشيطان إنما هو الهوى المستور، في نفس الإنسان الكفور، وأن الشيطان المتوعد باحتناك ذرية آدم، إنما هو الهوى المختبئ في القلب الإنساني المعتم، والساري في شرايين الدم، فالاحتناك لا يكون إلا للإنسان الأفاك، والاتباع لن يكون إلا ممن جعل هواه هو الإله المطاع.

وإن الهوى ليحتنك الإنسان مدى الزمان، ويقوده إلى معارك الشر والعدوان، ويستفزه بصوته لينطلق جامح الشهوات بلا عنان، ويجلب عليه بخيله ورجله فيستجيب للجلبة بالظنون والأوهام، والهمز واللمز بالألعاب، والسخرية من الناس والسباب، والتجسس على الآخرين والإرهاب، والتحقير للإخوة والاغتياب. فإذا حياة المصغي لصوت الهوى شيطانٌ رجيم، وإذا هو مع الهوى شركاء في الأموال والأولاد وكل نعيم، وهذا هو ما تؤكده الآية، فالله يأمر إبليس أن يشارك أتباعه في ذلك العمل الأثيم، وإذا تأملنا حياة الناس أولي الغوى، فإنما يشاركهم في ملذاتهم الهوى.

من رأى منكم الشيطان “الذي نتصوره خارج النفس”؟ من رآه منكم يشاركه في الأموال والأولاد؟.

كلا؛ لم نشاهد ذلك أبدا، ولم نلمسه في أي لذة يمد معنا يدا، بل المشارك الحقيقي هو الهوى، فهو المتلذذ بما نكسبه من مال، وهو المتنعم بما نقترفه من إثمٍ وفجور، وهو المحتنك لنا فيما نحمله من حقدٍ وإصرارٍ على العناد، وهو الذي يعدنا في الهمس والوسواس بأحلامٍ وأماني عراض، ويسهل لنا تحقيق الأغراض، ويزين لنا الحرام والمنكر لنرى فيه عبير الرياض، وكل ذلك تزيينٌ ماكرٌ عجول، وخيالٌ مخبول، وظنٌ مجهول، ووهمٌ مذهول، إنه الغرور المغرور، وصدق الله الخبير: (وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا).

وهكذا يتضح أن الهوى هو الشيطان، لأنه الشريك للإنسان، في كل ما يقترفه من إثمٍ وعدوان، وفي كل ما يظنه من ربحٍ وهو خسران.

وبعدُ فإني أكتفي بهذا المقدار من البيان لآيات الإسراء، وأنقلكم برفقٍ وأدعوكم بسلامٍ إلى آيةٍ تحتويها سورة الأنعام. فبسورة الإسراء يتضح المراد بما ورد في تلك الآيات بلا مراء، يقول الله في الآية “128” من سورة الأنعام:

(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا).

والضمير يعود إلى شياطين الإنس والجن المذكورين قبل في الآية “112” وهي قوله تعالى:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا).. الخ الآية.

وكذلك ما ورد بعدها من الآيات التي تؤكد انسجام الغافلين مع شياطين الهوى في تزيين ما حرم الله وتحريم ما أحل، وكأنه شرعٌ من الله نزل. فهم يجادلون في افترائهم أقوى الجدل، وهم في سرورٍ وجذل، وكأن ما يقولونه هو الحق الذي لا يتبدل، وما ذلك إلا تزيين شياطين الهوى، التي تكرس الرجس في قلوب أهل الغوى.

وهكذا تأتي الآية التي بدأنا بأولها وها نحن نستكملها؛ يقول الله:

(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا..). أي كل من اتبع الهوى مع قرينه الهوى كلهم يجمعون في يوم القيامة، وهنا يأتي النداء الهام:

(..يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدْ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنْ الْإِنسِ..).

ثم ماذا بعد؟.

استمعوا الجواب:

(..وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنْ الْإِنسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ(128)) [سورة الأنعام].

ماذا يقول هذا الإنسي المجيب هنا؟.

إنه يدافع عن وليه الهوى الكامن، بل إنه يبادر إلى الاعتذار عن معشر الجن وعما جناه في حياته فيعلن ويقول: (رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ).

إن الحقيقة ناطقةٌ هنا تفصح عن أن المراد بالخطاب هنا إنما هو للهوى، فهو معشر الجن المستور، وهو الولي الذي عبده الإنسان وجعله إلهاً مدى الدهور. أقول هذا لأن الكلمات تسطع بالبيان، فمن رأى منكم إنسياً واحداً يستمتع بجنيٍ واحدٍ ويلتذ بالصحبة معه ويعتبر ذلك متعة؟.

وإذا قال قائل: إن الناس المشعوذين يقولون إن الجن يسكنون في الإنس، والجواب هو أنه لو صح فإنما هي صحبةٌ تزعج الإنسي، ولهذا نراه يحاول التخلص من رفيقه الجني ويلجأ إلى المشعوذين، هذا على صحة ما يزعمون. لكن الجن الذين هم مكلفون مثلنا في العبادة لا يظهرون علناً، ولا بنا يختلطون، فهم عالمٌ آخر ومنهم الصالحون ومنهم الظالمون.

إذاً فالجني هنا إنما هو الهوى المجنون، في داخل نفس الإنسي المفتون، فهو يستمتع بهواه، ويلتذ بما سوله له وأغواه، وهو مطيعٌ له خانع، ومستسلمٌ له تابع، بل هو له كالآلة طائع.

إن هذا الاستمتاع الذي اعترف به الإنسي هنا إنما هو استمتاعٌ باتباع هواه، هذا هو المراد في هذا الجواب؛ ولعلنا لا ننكر أن من اتبع الهوى فإنه يستمتع باستمرار، أي يطلب المتعة ولكنه لا يجدها إلا على جمرٍ من النار، لا يجدها إلا في الإثم والعدوان، وإلا في الظلم والطغيان، ولا يظفر بها إلا على بساطٍ من الفساد والآثام، وعلى حبلٍ من الباطل والحرام، وذلك هو منتهى الكفر والإجرام، وهكذا يستمر في قلقٍ مفزع، وهو يحاول أن يستمتع، ولكنه لا يجد إلا ما يستفزه ويفجع، وهو رغم ذلك يستمر ولا يقتنع، ويطغى ولا يرتدع، حتى يأتي ربه الله يرجع؛ فإذا به في الموعد الذي أجل له، وفي المقام الذي أعد له، ولهذا فإنه يختم الجواب بقوله: (وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا). وكأنه يعلن تصديقه بالوعد والأجل، وينتظر الحكم من الله الأجل، وإذا الحكم يصدر ولا يؤجل؛ (قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ).

إن هذا الأجل المؤجل إنما هو إشارة إلى قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(24)) [سورة الأعراف].

ألا ترون أن الخطاب (يَامَعْشَرَ الْجِنِّ)، والجواب يأتي من أوليائهم من الإنس، فما يعني هذا غير شيءٍ واحد، هو أن الخطاب لشخصٍ واحد، لكنه ذو شقين، ففيه الهوى الكامن الجان، وفيه النفس التي هي سمة الإنسان، فلما توجه الخطاب إلى أهواء الناس الكامنة الجانة في أعماقهم؛ كان الجواب من الجانب الظاهر منهم، ولا شك أن الناس الذين اتبعوا الهوى، قد اتخذوه ولياً مطاعاً، وأن النفس التي يجب أن تتزكى، وأن تُنهَى عن الهوى، قد سقطت في طاعة الهوى، ولم ينهها الإنسان عن اتباع هواه فسقط في الضلالة وغوى، فالخطاب في الأساس موجه للإنسان الذي فيه النفس الإنسية والهوى الجني، فلما توجه الخطاب إلى معشر الجن فكأنه توجه إلى بعضه فكان لابد أن يجيب البعض الآخر وهو معشر الإنس، وهكذا فإن كلمة (اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) تعني أن بعض الإنسان قد أطاع بعضه، وأن جزأه الإنسي الظاهر منه قد أطاع واتبع بعضه الجني الكامن فيه “فاستمتع بعضهم ببعض” وظلوا في المتعة مدى الحياة غافلين، واستمروا في الطاعة لبعضهم سائرين، حتى جاءهم اليقين، فبلغوا الأجل الذي أجله لهم رب العالمين.

وهذا يجعلنا ننتقل معكم إلى الذي جاء في سورة البقرة عن هذا الموضوع فهيا معاً إلى هناك لنرى القضية تتضح، فلنقرأ قول الله في قصة آدم:

(وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ(35)) [سورة البقرة].

لقد كان الرغد لهما سهلاً إذا لم يتبعا هواهما، فإذا اتبعا الهوى سقطا وزلا، وخرجا من الرغد والرخاء، فكانا من الظالمين لأنفسهما.

ولعلكم قد عرفتم من آيات سورة الأنعام أن كلمة (اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ) إنما تعني هذا الاتباع للهوى ونسيان أمر الله ، وهكذا تأتي آيات البقرة لتؤكد هذا المعنى فيقول الله عقب ذلك:

(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ..).

لقد أراد الله أن يعيش الإنسان في رغدٍ مطمئن، ما دام بآيات الله يؤمن، لكنه حين ينحرف بخرج من الرغد ويبتعد عن الاطمئنان، ويعيش في ضيقٍ وفي ضنكٍ وخذلان، لأنه أطاع الهوى الذي هو الشيطان، وهكذا فحينما زل آدم خرج من الرغد، وكان لا بد أن يعيش في نكد، وأن يعيش في الأرض في صراعٍ مع هواه، وهذا هو ما يوضحه الله بقوله:

(..وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36)) [سورة البقرة].

قد يقول قائلٌ: إن كلمة (اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ)، تأتي بصيغة الجمع مع أن المخاطبين اثنان هما آدم وزوجه فكيف نفسر هذا؟.

ونقول أن الإنسان في صراعٍ بين النفس والهوى، فإذن فبعض الإنسان لبعضه عدوٌ، بل كل فردٍ هو بعضه لبعضه عدو.

قد يقول قائلٌ: إن الخطاب هنا في كلمة (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) إنما هو خطابٌ للإنسان وللشيطان، فالشيطان عدوٌ للإنسان مدى الزمان، كما يقول الله عن ذلك في أكثر من آيةٍ من القرآن.

وأقول: هذا فهمٌ غير صحيح، فحتى لو سلمنا أن الشيطان شخصٌ آخر غير الهوى، وأنه قوةٌ خارجةٌ عن نفس وشخص الإنسان كما يتصوره الناس، أقول حتى لو سلمنا بهذا الفهم، فإن الآيات تدحض هذا وتؤكد أن الخطاب للإنسان فقط.

وهاكم الدليل الأول:

1- ها هو آدم يتوب عن زلته، بهداية الله الذي كرمه بعنايته: (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)) [سورة البقرة].

إن التوبة على آدم تعني أن جنايته وزلته كانت من ذات نفسه، وأن الشيطان إنما هو في أعماقه متربص للوسوسة.

2- هذا أولاً، أما ثانياً فهو قوله تعالى عقب ذلك: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا..)، هل المراد هنا آدم وزوجه مع الشيطان؟. كلا؛ بل الأمر لآدم وذريته فقط بدليل قوله في نفس الآية: (..فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)) [سورة البقرة].

وهنا أسألكم: هل سيتلقى الشيطان هدىً من ربه؟ هل سيأتيه من الله هدىً فيتبعه؟.

كلا؛ بل هو عاصٍ مغوٍ على المدى، وهو فاسقٌ عن أمر ربه أبدا، وهو قد خلق للإغواء فكيف يأتيه من الله الهدى!!.

إذن فالخطاب للإنسان فقط، ثم إن الخطاب لبني آدم جميعاً، فالخطاب بصيغة الجمع صحيح ولا إشكال فيه، ولتأكيد هذا المعنى يقول الله في سورة القيامة:

(بَلْ الْإِنسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ(14)وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ(15)) [سورة القيامة].

فهو شيءٌ ونفسه شيءٌ، وكلاهما كائنٌ ولكل واحدٍ منهما استقلال، لكن الجميع يكمن في الإنسان.

وهناك دليلٌ آخر في سورة الدهر يقول الله:

(إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا(2)إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا(3)) [سورة الإنسان].

فالأمشاج تعني الأخلاط، فهو مكونٌ من أمشاجٍ تسمو وتسقط ولهذا كان: (إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا)، والشاكر هو ذو النفس الزكية اللوامة، والكفور هو المتبع الهوى الذي يدعو الغوى، ولولا هذا لما كان هذا القضاء في تكوينه، وهذا الصراع في سعيه، ولهذا يقول الله:

(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا(7)فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا(8)قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9)وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا(10)) [سورة الشمس].

ويقول: (فَأَمَّا مَنْ طَغَى(37)وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(38)فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى(39)وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41)) [سورة النازعات].

وعلى هذا الأساس ندرك أن الإنسان مخلوق خلقاً آخر له تكوين يختلف عن سواه من الخلق، فهو في أحسن تقويم، وهو منفوخ فيه من روح الله، ولهذا فإن له ثلاث قوى تتجاذبه في داخله هي النفس والهوى، فهما يتجاذبان والعقل بينهما هو القوة الثالثة فإذا تغلب الهوى كان الإنسان ممن لا يعقلون أو من الغافلين، وإن تغلبت النفس وتزكت وانتهت عن الهوى، فإن الإنسان يكون ممن يعقلون ومن أولي الألباب، أو كان حين يتغلب الهوى أعمى، وحين تنجو النفس وتتمسك بالتقوى من المبصرين، وهذا ما يؤكد الله بقوله:

(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201)) [سورة الأعراف].

والتذكر إنما هو الذي تشير إليه الآية التي تسبق هذه، وهي قوله تعالى:

(وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(200)) [سورة الأعراف].

إنه يعني اليقين أن الله سميعٌ وعليم، فلا يعزب عنه شيء في السماء ولا في الأرض، وهو القدير على حماية كل من يستعيذ به، ويوقن بعلمه وقدرته. لكن غير المتقي يبقى أعمى، بعيداً عن ربه الذي يقيه من شيطان الهوى، وهذان الفريقان هما المذكوران في قوله تعالى:

(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(19)) [سورة الرعد].

ولأن النفس الإنسانية هي المستهدفة من الهوى الجني، فإن هذا الاستهداف الخفي يستمر مدى الحياة حتى إذا حضر الناس إلى لقاء الله انكشف الغطاء عن شيطان الهوى، وظهر الهوى كمخلوقٍ له حركةٍ ومكر، وله طبيعةٌ تغر، وهذا ما يوضحه الله بقوله في سورة إبراهيم:

(وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِي عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ..).

فالنفس هي التي انخدعت واستجابت الوعد الكاذب، فعلى الإنسان أن يلوم نفسه التي اتبعت الهوى، وجعلته شريكاً لربها، ولهذا فالهوى يواصل الاعتراف بأنه عاجزٌ عن حمايتهم كعجزهم أمام ربهم الحق:

(..مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ..) لماذا؟.

لأن الله هو الحق، وهو المتولي والولي، ثم يقول الشيطان ويا للعجب:

(..إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِي مِنْ قَبْلُ..).

نعم؛ فمن اتبع هواه فقد عبده وقد اتخذه إلهاً، هو الظلم الذي يستحق العذاب، ولهذا تختم الآية:

(..إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ(22)) [سورة إبراهيم].

وهو الضلال الذي تؤكده آية الجاثية:

(أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(23)) [سورة الجاثية].

وكذلك آية الفرقان:

(أَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا(43)أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا(44)) [سورة الفرقان].

فالمتبع للشيطان هو المتبع للهوى وإذن فالشيطان هو الهوى، ولهذا فإن متبعه أعمى من الأنعام وأضل سبيلا، بل هو من الظالمين المعذبين؛ (إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

لعلي بهذا قد استطعت أن أبرهن لكم على أن الشيطان هو الهوى الملعون، وأن متبعيه لا يعقلون، وإن أردتم المزيد من البراهين، فإني أعيدكم إلى سورة يس:

(أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ(60)وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ(62)) [سورة يس].

فها هم عبدة الشيطان لا يعقلون، وها هم ضالون، كذلك وصف الله في سورة الفرقان عباد الهوى بأنهم لا يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا، فالصفتان ملازمتان لمن عبد الشيطان وعبد الهوى، وهذا يؤكد أنهما شيءٌ واحد اختلف التعبير عنهما كما هو أسلوب القرآن الذي يصرف الآيات ويضرب الأمثال لعلنا نتذكر القرآن ونتدبر ونفقه، ونفهم المحكم من المتشابه، وإن المتشابه ليتضح لمن يرسخ في علمه، وإذا كنا قد عدنا إلى سورة يس لنؤكد البراهين، فأنا أدعوكم من مفتاح البحث وهي سورة الكهف، فلقد وصف الله إبليس بقوله:

(..كَانَ مِنْ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ..).

إن هذا التعبير يعني أن إبليس “الذي هو الهوى المبلس الخفي” شأنه الفسوق والعصيان، لأنه خلق لهذا الشأن، ولهذا فهو الشيطان، ومن اتبعه من الإنس والجان شياطين، ولهذا يقول الله:

(أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا(50)) [سورة الكهف].

وما ذريته إلا من اتبع هواه وأضل وضل عن سواء السبيل، فمن أطاع هؤلاء فقد غوى وفرط في أمره، وعن هؤلاء يقول الله في نفس السورة:

(وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)) [سورة الكهف].

وهذه الآية تذكرنا بآية أخرى سبقت في هذا البحث، وهي في سورة الزخرف:

(وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ(36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنْ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(37)) [سورة الزخرف].

ألم تكن هذه الآيات في سورة الكهف وفي سورة الزخرف تؤكدان أن الهوى هو الشيطان، وأن الشيطان هو الهوى، فآية الكهف تقول: (مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ..(28))، وآية الزخرف تقول: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَانِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا..(36)). فهدى الله وذكر الله هو الحامي والحافظ فإذا غفل القلب عنه ظهر الهوى واستيقظ فإذا هو شيطان يجعل أمر صاحبه فرطاً ويضله عن السبيل وهو يظن أنه في طريق الهدى فبئس القرين؛

(حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ(38)) [سورة الزخرف].

ثم إذا كان إبليس قد فسق عن أمر ربه، فإن هذه الصفة هي ملازمة لكل من اتبع الهوى واتخذه ولياً عبر العصور وفي كل القرى، فلقد أهلكوا لأنهم اتبعوا الهوى، وكانوا شياطين الغي والطغوى:

(تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ(101)وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ(102)) [سورة الأعراف].

فالفسوق ونقض العهود صفة المتبع الهوى الذي سماه الله الشيطان، وهكذا تستمر الحياة حتى يوم الدين، بين مؤمنين وفاسقين، وبين متبعين هدى الله متبعين الهوى:

(..كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ(29)فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمْ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمْ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ(30)) [سورة الأعراف].

وكم من أناسٍ يظنون الصلاح وهم مفسدون، وليس ذلك إلا من تزيين الهوى “أو الشياطين” كما نسميه.

هل تريدون دليلاً آخر على أن الهوى هو الشيطان؟.

تعالوا إلى سورة الأنعام، ولنقرأ قول الله العلام:

(وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِالْمُعْتَدِينَ(119)) [سورة الأنعام].

تأملوا قوله: (وَإِنَّ كَثِيرًا لَيُضِلُّونَ بِأَهْوَائِهِمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ).

لقد نسب الضلال إلى الهوى وإلى عدم العلم، ثم لنتجاوز الآية التي تليها إلى الآية (121)؛ يقول الله:

(وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ(121)) [سورة الأنعام].

فإن الضالين بأهوائهم هناك هم أولياء الشياطين هنا، يعني أن المتبع هواه قد اتخذه ولياً، وأصبح يجادل بما يمليه الهوى ويتشيطن عن الهدى، فهو حليف الفسق والاعتداء، إن ربك هو أعلم بالمعتدين.

أليس في هذه المقارنة بين الآيات ما يثبت أن الهوى هو الشيطان؟. هل تريدون المزيد من البرهان؟.

تعالوا معي إلى سورة محمد حيث يقول الله:

(أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ(14)) [سورة محمد].

ونحن نعرف أن التزيين إنما يكون من الشيطان كما تعارفنا عليه، ولكن المزين هنا هو الهوى المتبع، إذن فهما شيء واحد.

بل إن هناك في السورة ما يؤكد هذا بشكلٍ واضح، فالله يقول عن المنافقين، المترددين المرتابين في الدين، يقول مخاطباً رسوله الأمين:

(وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا..).

إنه سؤال استهزاء وإشعار بأن النبي يقول ما يفهم ولا يفيد، لكن الله يوضح السبب في عدم انتفاعهم بقوله:

(..أُوْلَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ(16)وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْواهُمْ(17)) [سورة محمد].

وهذه تذكرنا بقوله تعالى:

(إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ(201)) [سورة الأعراف].

لنعد سريعاً من الأعراف إلى سورة محمد، فإن الآيات تتوالى في هذه السورة حتى تصل إلى قوله تعالى عن هؤلاء المرتابين المترددين:

(إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ(25)) [سورة محمد].

وكلا الآيتين وصفٌ لحال المرتابين الكاذبين، ألا تلاحظون أن الآية رقم “16” تصفهم بأنهم (اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ)، بينما الآية “25” تصفهم بأن (الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ).

وكلمة (سَوَّلَ لَهُمْ) هذه تذكرنا بقول يعقوب لابنه يوسف حينما قص عليه رؤياه: (يَابُنَيَّ لَا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْدًا). فها هو ينسب الكيد إليهم ثم يقول بعد ذلك: (..إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ(5)) [سورة يوسف]. فكيف نجمع بين القولين في آية واحدة وخطاب واحد إلا بأن نفهم أن الشيطان هو الهوى الذي يسول للنفس الأمور، ويصور السوء أحسن تصوير، ولهذا فإن يعقوب يبرز هذا المعنى عندما عاد إخوة يوسف من المرتع يبكون، وبعد أن أخبروا أباهم بأن يوسف قد أكله الذئب وختموا دعواهم بقولهم:

(..وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ(17)) [سورة يوسف].

نعم لقد فسر دعواهم الباطلة بتفسيرٍ صحيح هو:

(..قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ(18)) [سورة يوسف].

ولقد كرر يعقوب هذه العبارة عندما عاد إخوة يوسف من مصر وقد احتجز يوسف أخاه الأصغر بحجة أخذ صواع الملك، فلقد واجه يعقوب الخبر:

(..قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ..(83)) [سورة يوسف].

بل إن يوسف عليه وعلى أبيه السلام يفسر هذا التسويل النفسي بأنه فعل يقوم به الإنسان دافعه إليه هواه وجهله، لا كما نتعارف عليه بأنه الشيطان.

نعم إن يوسف يسأل إخوته وقد ضاق بهم الحال، وطال السفر بينه وبين أبيه والترحال:

(قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ(89)) [سورة يوسف].

فالفعل منسوبٌ إليهم بلا شك، وهم يعترفون بخطئهم، لكن يوسف عليه السلام في نهاية المطاف يتلطف في الكلام، ويقول بعد اجتماعه بالأهل جميعاً في سلام، وخروا له سجداً باهتمام:

(..يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَاي مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنْ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنْ الْبَدْوِ..).

هكذا يسرد الأحداث وحين يصل إلى الحديث عن إخوته يقول في نفس الآية:

(..مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي..).

فما هو الشيطان هنا؟.

إنه الهوى الذي سول لها وأملى لها، فهو الشيطان الرجيم الذي شوه لإخوة يوسف حب الله، وزين لهم الكيد به الذي يرديه، لكن الله كان لطيفاً بالجميع ورحيم، ولهذا يختم يوسف كلمته بقوله:

(..إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ(100)) [سورة يوسف].

أفلا تلاحظون أن الشيطان هنا هو شيءٌ يختفي داخل الإنسان؟، إنه الهوى الذي يزين الطغيان.

ثم ألم يصف الله الشيطان بأنه يأمر بالسوء والفحشاء؟.

بلى لقد وصفه بهذا في كثيرٍ من الآيات بلا خفاء، وها هو يوسف يصف النفس بتلك الصفة فيقول:

(وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53)) [سورة يوسف].

وهكذا نعود إلى البداية فنقول: إن ذلك المختبئ في النفوس، المبلس في القلوب، إنما هو إبليس، وهذا الإبليس هو الهوى المبلس المُجن، حتى إذا لاحت شهوة حسنها وزين، وخرج من إبلاسه وشطن، فكان هو الناطق في السر والعلن، ولهذا سمي الشيطان، وهو اسمٌ صحيح ينطبق على كل ما تشيطن، إنه في كل مكان وفي كل زمانٍ للناس قرين، بل مع الأنبياء والمرسلين، وفي صدر كل إنسان، بل ومع الإنس والجان. وهو يصد الناس عن الهدى، ويدعوهم إلى الغوى.

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ(52)لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(53)) [سورة الحج].

وهكذا هو الشيطان، إنه مرضٌ في القلوب، وقسوةٌ تجذب الذنوب، وتبعد الناس عن رحمة الله الوهاب، وتصرفهم عن الهدى والصواب.

ــــــــــــــــــ كلام ناقص

ليشعرنا أن هنا أمراً يهم الناس، وأن في السورة سراً ينفع الناس، وأن وراء التأكيد عدوٌ يردي الجن والناس في نار السعير، إنه عدوٌ كامنٌ في الصدور، وعلى كل نفسٍ يطوف ويدور، وعلى كل قلبٍ ينشر الغرور.

لقد أخرج آدم وزوجه من الأمن إلى الشقاء، ووسوس لهما بأن الخلود والملك في العصيان والغوى، وهو الذي يوسوس لكل من طغى، بأن يؤثر الحياة الدنيا، ليجعل له الجحيم هي المأوى، فهو عدوٌ لا يرى، فمن هو هذا العدو الذي لا يرى؟.

إنه الهوى، إنه الهوى.

ولقد حدد الله مكانه ومهمته فقال:

(مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ(4)الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ(5)مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ(6)) [سورة الناس] صدق الله العظيم.

إن السورة تعلمنا أن نستعيذ بثلاثة أسماء من أسماء الله الحسنى من شيءٍ واحدٍ هو: (شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ).

ثم حدد مهمته بأنه الذي يوسوس، وحدد مكانه بأنه في صدور الناس، ثم حدد الناس بأنهم من الجنة ومن الناس، فهو موجودٌ كامنٌ في صدور الناس وفي صدور الجن، وهو العدو الأول الخطير، وهو الشر المستطير، الذي يدعو حزبه للسعير، فهو أخطر الأعداء على الناس كافة، سواء كانوا من الجنة أو من الناس؛ ولهذا كانت الاستعاذة منه بثلاثة أسماء من أسماء الله، بينما السورة التي قبل هذه فيها استعاذة باسم واحد من أسماء الله هي رب الفلق من أربعة أعداء هي: (مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ(2)وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ(3)وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ(4)وَمِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ(5)) [سورة الفلق][1].

ولنعد إلى موضوعنا “الوسواس الخناس” فما هو هذا؟.

بالتأمل للآيات يتضح أنه الهوى لا سواه، إنه عدوٌّ كامنٌ في الصدور، وهو عن الجنة وعن الناس مستور، فإذا غفل القلب برز وتشيطن، وإذا ضعفت النفس حبب إليها الشهوات وزين.

وإذا عقل القلب وبذكر الله اطمأن، خنس وتمسكن، وإذا تزكت النفس عن الشهوات هرب وكمن، فهو أعمى كفيف عند عباد الله المتقين المستبصرين، وهو خناسٌ ضعيفٌ أمام عباد الله الأقوياء المخلصين؛ لكنه متسلطٌ على الغافلين، ومتشيطن عند الطاغين، يخرجهم من النور إلى الظلمات، ومن الهدى إلى الضلالات، ومن اتباع الرسل إلى تكذيب الرسالات، ومن العلم إلى الجهالات، ومن السلام إلى العدوان، فهل عرفتم هذا العدو الكامن فيكم، المتربص بكم؟.

إنه الهوى بلا مراء، إنه داعية الغي والغوى، وهو المردي بنا إلى الفساد والطغوى، فلنتخذه عدوا.

إنه الذي يصد الإنسان عن ذكر الله، وعن الانتفاع بآياته؛

(وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ..(176)) [سورة الأعراف].

ولأنه كذلك فإن الله يحذر أنبياءه وأتباعهم منه ومن شره فيقول لمحمد صلى الله عليه ولمن اتبعه:

(..وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا(28)) [سورة الكهف].

ويقول لموسى عليه الصلاة والسلام وهو يحدثه عن الساعة:

(فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى(16)) [سورة طه].

ويقول لداوود:

(يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعْ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ(26)) [سورة ص].

والهوى هو الذي زين لكثير من الناس الشرك برب العالمين، فكانوا أئمة الضلال وقيادات الهالكين:

(أَفَرَأَيْتَ مَنْ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ(23)) [سورة الجاثية].

ولهذا فإن اتباع الهوى، هو سمة الجهلاء الذي يرفضون هدى الله:

(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنْ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ(18)) [سورة الجاثية].

كما أن الهوى سمة شياطين الإنس الذين ملتهم من إملاء الهوى:

(وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنْ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنْ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ(120)) [سورة البقرة].

وهكذا فإن متبع الهوى لا يكون من الله في شيء وليس له منه ولي ولا نصير، بل في ظلام الجهل يسير.

وعليه فإن سائلاً قد يسأل:

إذا سلمنا أن الهوى هو الشيطان، أو أن الشيطان هو الهوى كما تقول، فماذا ينتج عن هذا الفهم؟ وماذا يجني الناس من هذا العلم؟

والجواب هو:

إن هذا هو الطريق لأن يحمل الإنسان مسئولية نفسه والجريرة، ويكون له على نفسه بصيرة، فلا يلقي معاذيره.

إن الاعتقاد بأن الشيطان، قوة خارجة عن جسم الإنسان، تجعله يلقي معاذيره على سواه، وينسب الذنب إلى غير من سواه، فإذا هو مستسلم للنزغ منساقٌ وراء الأوهام، فلا يقف عند حرام، ولا يرعوي عن ضلال، ويظن أن ذلك هو الصواب من الأعمال، وهذا هو النوع الأضل سبيلا، الذي يكون مصيره وحاضره وبيلا، ويكون يوم الحساب عليه ثقيلا.

لكن حينما يحس الإنسان أن هواه هو الذي يدعوه للغوى، وأن هذا شيءٌ من داخله وفي أعماق نفسه وفي شغاف قلبه، فإنه يستطيع أن يسيطر عليه بعقله ولبه، فيكون من أولي الألباب، أما إذا استمر على تصوره الأول للشيطان؛ فإنه يستسلم للضلال ويستمرئ الطغيان، فإذا هو شيطانٌ رجيم، وإذا هو شيطانٌ في صورة إنسان، أو إنسانٌ يسكن فيه شيطان، وإذا أيامه للبغي والعدوان، وهذا هو شأن أتباع الهوى في كل زمانٍ ومكان.

ولهذا يسمي الله هؤلاء الأنواع من الناس بالشياطين ، فيقول عن المنافقين:

(وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ(14)) [سورة البقرة].

فمن هم هؤلاء الشياطين في الآية؟.

إن الشياطين هنا هم أئمة النفاق، وكبار الفساق، الذين يلقون إلى الغواة أسباب الغواية ويختفون وراء الجدران، في مكرهم والعدوان، وريبهم في آيات الرحمن، وهؤلاء هم الذين يقول الله عنهم:

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ(112)) [سورة الأنعام].

ويقول الله عن اليهود الذين كذبوا على سليمان:

(وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ..).. إلى آخر الآية (102) [سورة البقرة].

فالشياطين هنا هم كبار الكافرين من اليهود الذين انقلبوا على أدبارهم، وتركوا كتابهم، واتبعوا ما يمليه هواهم، فإذا هم يكذبون على علم سليمان ما لم يكن منه ويكفرون بالله العليم القدير، وينسبون إلى أنفسهم القدرة على التأثير، وكأنهم آلهة لهم الشأن والتدبير، وهذا كفرٌ كبير، وادعاءٌ خطير، لم يدعه سليمان، ولم يقل أن أفعاله بقدرته دون الرحمن، بل إنه لما رأى عرش ملكة سبأ (..مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ(40)) [سورة النمل].

وكذلك لما سمع قول النملة لقومها محذرةً من سليمان وجنوده: (..لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ(18)) [سورة النمل].

(..وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ(19)) [سورة النمل].

فسليمان هنا قد أوتي من العلم ما لم يؤته أحد من العالمين، وبهذا العلم فإن سليمان قد أتى من الأعمال الخارقة، ما يجعله محط إعجابٍ وفخارٍ ينسى به خالقه، لكنه لم يكفر كما كفر هؤلاء الشياطين من اليهود، بل استمر مذعناً لربه المعبود، معترفاً بفضله الممدود، مستزيداً منه بالشكر لينال المزيد، معلناً طمعه في اللحاق بصالحي العبيد، وهذا أوضح التواضع والإذعان، وأسمى صور العبودية للرحمن، فهو ما كفر، ولكنه شكر.

وهكذا فإن الله ينكر على اليهود ما ادعوه على ملك سليمان “أي على علمه” الموهوب من الله، ومن اتخاذهم السحر وسيلةً لإيهام الناس بقدرتهم على التأثير في الأشياء بدون الله، وهذا هو الكفر المبين، الذي جعلهم يستحقون اسم الشياطين وهم به جديرون، وهكذا فإن من اتبع الهوى من بني الإنسان، فإنه يصبح هو الشيطان، يسمى به ويعرف، وعن الحق يصرف، وللباطل يألف، وعلى الكفر بنعمة الله لا يأسف، فهو للعناد عنوان، وللباطل داعية بإعلان، وللضلال سائر بإمعان.

وهؤلاء هم أئمة الكفر والضلال المبير، وبه يضلون الجبل الكثير، ويدعونهم إلى المصير المبير.

وبعد؛ فهل اتضح الهدف مما أدعو إليه؟ وهل استبان المراد مما ألح عليه؟.

إن دعوتي هي تنبيه الإنسان إلى أن الشيطان في داخله مقيمٌ كامنٌ في إبلاس، وهو هواه الذي يصرخ في إذنه بالوسواس، فهو قادرٌ على استفزاز الإنسان، لكل إثمٍ وعدوان، وعلى أن يصور له الشر خيراً وإحسان. لكنه لا يستطيع ذلك إلا في نفوس الغافلين الضعفاء، أما مع أنفس المتقين فإن كيد الشيطان ضعيف، ومع قلوب المتذكرين المبصرين أعمى كفيف، فلنتخذه عدوا، ولنقاومه بالتقوى، ولنكن على سلطانه متسلطين، بذكر رب العالمين، ولغروره حارقين بقوة الإيمان، فذلك هو الأمان، وذلك هو النصر المبين، والفوز والفلاح يوم الدين.

وبعد؛ فهل استطعتُ بهذا البيان أن أؤكد لكم أن الشيطان إنما هو الهوى الذي في داخل الإنسان؟.

لعلي قد استطعت، وعليه فإنكم مدعوون لمقاومة الهوى فإنكم مستطيعون، فليس له سلطانٌ على العباد المخلصين، ولهذا فإن الله يدعونا إلى أن نخلص له الدين، لنكون من غرور الشيطان متخلصين، وعلى الهوى الغرور منتصرين ، وإنا بعونه قادرون.

وإن كنتم في ريبٍ من أن الشيطان، هو في ذات الإنسان؛ فإن في الآيات البيان، وفي سورة الحجر البرهان.

فلنقرأ قول الله عن إبليس وقد توعد الناس بالإغواء:

(قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ(39)إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ(40)) [سورة الحجر].

فهو معترفٌ بأن الله ربه وعارفٌ بأن مهمته الإغواء، ثم هو يعلم أن المخلصين لهم استثناء، وهنا يرد عليه ربه:

(قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ(41)إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنْ اتَّبَعَكَ مِنْ الْغَاوِينَ(42)وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ(43)) [سورة الحجر].

فالله يقر مهمته ويؤكد أن الغاوين لهم استثناء، ولكن تأملوا ما هو الجزاء؛ إنه قوله تعالى:

(وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ).

فالموعد إلى جهنم للغاوين أجمعين، بدون ذكر إبليس اللعين، وبدون إشراكه في جهنم مع الغاوين، وهذا يشير بأسلوبٍ خفيٍ إلى أن المعذب هو الإنسان مع شيطانه، الذي ينطوي في داخله، ويختفي في أعماقه.

ثم لنقرأ قول الله عن موسى وقد استغاثه رجلٌ من شيعته على الذي من عدوه: (..فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قَالَ هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ(15)) [سورة القصص].

ألا ترون أنه قد نسب العمل إلى الشيطان ووصفه بأنه عدوٌ مضل، ثم ها هو بعد ذلك يستغفر عن ذنبه؛

(قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ(16)) [سورة القصص].

ألا ترون أنه قد نسب العمل إلى الشيطان ثم استغفر لذنبه، فغفر له ربه.

فماذا يعني هذا إلا أن الشيطان، هو داخل الإنسان، وهو هواه الذي يدعوه إلى الضلال والعدوان، وإلا فكيف تكون الآية الأولى تؤكد أنه من عمل الشيطان، مع أن التي تليها تنسب الفعل للإنسان، إن هذا تناقضٌ لا يليق بالرحمن، الذي أنزل القرآن، ولكن العقل السليم يعيد القضية إلى أن الشيطان إنما هو الهوى الذي يضل النفس ويدعوها للعمل الأثيم، فهو قوة في داخل الإنسان لو استيقظت ثم أطيعت جعلت الإنسان هو الشيطان الرجيم، وجعلته يرتكب كل عملٍ أثيم، فإذا تذكر الإنسان ونهى النفس عن هواه نال مغفرة الله الرحيم.

ثم لنقرأ قول صاحب موسى وهما يبحثان عن مبتغاهما في مجمع البحرين:

(فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا(62)قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِي إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا(63)) [سورة الكهف].

ألا تلاحظون أن الفتى قال (فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ)، فهو هو الذي نسي الحوت، لكنه استدرك بعد ذلك معتذراً فقال: (وَمَا أَنْسَانِيه إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ).

فما هو الشيطان هنا؟ هل الشيطان إلا مشاغله التي ألهته عن مهمته في السفر، وأغفلته عن التذكر، فلقد كان هو الناسي، وكان الشيطان هو ما خالط قلبه من مشاغل عن العمل الأساسي.

ولهذا كان عذره عند موسى مقبولاً، وأصبح الإثنان مهتمين بما سافرا من أجله وهو الرجل الصالح، لهذا قال موسى:

(..ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا(64) فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا(65)) [سورة الكهف].

هناك شيءٌ آخر يلفت الانتباه، ذلك هو ما ورد في سورة الحشر:

(كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ(16)) [سورة الحشر].

ها هو الشيطان هنا يردي الإنسان إلى الكفر، ثم ها هو يتبرأ منه ويعلن خوفه من رب العالمين، ولكن ماذا يحدث بعد ذلك؟. لنقرأ:

(فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ(17)) [سورة الحشر].

أسمعتم؟.

ها هما الإنسان والشيطان في النار خالدين فيها، فكيف يحدث ذلك لهما معاً في حين أن الشيطان قد تبرأ من قرينه الإنسان، وأعلن خوفه من رب العالمين؟.

إن من يتبرأ من الكفر والكفار، ويعلن خوفه من ربه الغفار؛ لا بد أن ينجو من النار، لكن الشيطان رغم ذلك يبقى مع الإنسان في النار، وليس معنى هذا إلا أن الشيطان هنا هو الإنسان نفسه، الذي كفر وظلم نفسه، واتبع وسواس هواه في أعماق نفسه، فأصبح هو وهواه في النار خالدين فيها وذلك جزاء الظالمين.

نعم هذا هو جزاء الظالم لنفسه باتباع الهوى، فما خاف مقام ربه ولا نهى النفس عن الهوى، بل غفل عن ربه واتبع هواه فتردى، وكان أمره فرطا.

أليس في هذا دليل على أن الشيطان هو الهوى؟ وهو الذي يضل الإنسان، ويبعده عن سبيل الرحمن؟.

بل وهناك دليلٌ أقوى على أن الإنسان يكمن في داخله شيطان هواه، وأنه بعضٌ منه وهو عدوه الخفي الذي يبقى معه في عداءٍ وصراع.

هذا الدليل واضحٌ لكل ذي عقلٍ أصيل، فلنقرأ قول الله في سورة البقرة وهو يتحدث إلينا عن خلق آدم حتى يصل إلى الحديث عن آدم وزوجه وهما في الجنة، فيقول الله عنهما:

(فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ..).

إذن فقد أخرجهما الهوى المسمى الشيطان، عن مقام الدعة والأمان، وكشف لهما ضعفهما وهنا يأتي الدليل واضح البرهان؛

(..وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36)) [سورة البقرة].

فلمن الخطاب في قوله: (اهْبِطُوا) ؟ هل لآدم وزوجه والشيطان؟.

كلا؛ إنما هو خطابٌ لآدم وزوجه فقط، لكنه جاء بصيغة الجمع لأن لكل واحدٍ منهما هواه، فهم مجموعة لا فردان، ولهذا قال:

(بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ).

فبعض ابن آدم عدوٌ لبعضه، أي أن هواه عدوٌ لنفسه، ونفسه عدوٌ لهواه، وكلاهما في صراعٍ مدى الحياة.

ودليلي على أن الخطاب لآدم وزوجه هو قوله بعد ذلك:

(وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ).

فالمستقر المؤقت إنما هو للإنسان الذي عمره محدودٌ بحين، أما الشيطان فهو منظرٌ إلى يوم الدين.

وعليه؛ فإن قوله: (بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) لا يعني إلا أن الإنسان فيه من بعضه عدوٌ له هو هواه؛ ولهذا يقول الله:

(إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا..(6)) [سورة فاطر].

وقال: (فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنْ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى(117)) [سورة طه].

فهو العدو الخفي، المختفي عن آدم وبنيه وهو سبب شقاه المتوالي.

ثم إن هناك ما يدعم الدليل بصورةٍ أجلى وأوضح؛ هو الآية التي تلي آية البقرة السابقة وهو قوله تعالى:

(قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36)فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(39)) [سورة البقرة].

 فتأملوا الآية.

إن الله يقول (اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا)، أي: اهبطوا من مقام الأمان والسعة والدعة والرخاء، إلى مقام العمل والابتلاء، وهناك سيأتيكم الهدى، لنعلم من يتبع ومن يأبى، ولكل فريقٍ جزاء كما ورد في الآيتين.

فهل الخطاب هنا لآدم وزوجه والشيطان؟.

كلا؛ إنما هو لآدم وزوجه فقط بدليل أن الإهباط سيتبعه الهدى.

وهل سيأتي للشيطان الغوي الداعي للغوى هدى الله؟.

وهل يمكن أن يستجيب ويتبع؟.

كلا؛ إنه مخلوقٌ للغوى؛ إذن فالخطاب لآدم فقط وهو المستهدف من الهدى، فمن اتبع الهدى، فقد خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى، ومن كفر فقد اتبع الهوى ورفض الهدى، ولهذا كانت النار له المأوى، وهو فيها خالداً أبداً، وهو صاحبها بلا مراء، لماذا؟.

لأن جنس الشيء منجذبٌ إليه، فالهوى نار، والنار هي المأوى لمن اتبع هواه، لأنه منجذبٌ إليها وهي متطلعةٌ إليه؛

(إِذَا رَأَتْهُم مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا(12)) [سورة الفرقان].

(كَلَّا إِنَّهَا لَظَى(15)نَزَّاعَةً لِلشَّوَى(16)تَدْعُوا مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى(17)) [سورة المعارج].

ولنترك هذا الاستطراد الطويل، ولنعد إلى الدليل؛ ولنقرأ ما جاء في نفس الموضوع ونفس الحال لآدم وحواء في سورة طه، فبعد أن عصى آدم وغوى، وتاب عليه ربه وهدى:

(قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى(123)) [سورة طه].

فهل الخطاب بالمثنى هنا لآدم وإبليس؟.

كلا؛ إنما هو لآدم وزوجه، ولهذا جاء الأمر بالمثنى، ثم تحول الخطاب للجماعة فقال:

(بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ).

هل البعض للبعض هنا هو آدم وإبليس مما يدل على أن بعض الإنسان لبعضه عدو، ذلك هو هواه ونفسه فهما في صراعٍ باستمرار، ولكي تنتصر النفس على الهوى، قال عقب ذلك:

(فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى).

وهذا دليل على أن المراد آدم وزوجه فقط، فالهدى لا يمكن أن يأتي للشيطان، ولا يمكن أن يبتع الشيطان الغوي هدى الرحمن، لأنه خلق غوياً مغوياً مدى الزمان.

وإذن فالهدى إنما هو لآدم وزوجه ولكل إنسانٍ ليتمكن به من الانتصار على الشيطان الكامن فيه، وهو هواه الذي يغويه ويرديه ويشقيه؛ فمن اتبع هدى الله سلم من الضلال والشقاء، وتذكر وتزكى؛ (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا(125)قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى(126)) [سورة طه].

وهكذا فإن هواك هو شيطانك، وهو فيك كامن، وهو لك عدوٌ، فبعضك لبعضٍ عدو، ولا نصر لك على هذا العدو الكامن، إلا بالإيمان بآيات الله فبذلك تكون بصيراً آمن.

أليس في هذا البيان، ما يجعل الهوى هو الشيطان؟.

ولو أردنا المزيد لطال المقال، ولكن الآيات الواردة، تكفي من له دراية بآيات الله المتعاضدة، فالحليم تكفيه الإشارة كما يقال، ولهذا فإني أكل إلى القارئ الذكي تدبر بقية الآيات والتأمل فيها بإمعان، فعسى أن يصل من تدبره إلى ما يدعم القضية بالبيان، ويزيده يقيناً بأن هواه هو الشيطان، وبالتالي يستطيع أن يسيطر عليه ويكف الغوى، وسبيله إلى ذلك هو أن يخاف مقام ربه وينهى النفس عن الهوى، وبهذا لا يضل ولا يشقى، وتكون الجنة له هي المأوى، وذلك هو ما نطمح إليه ونتمنى.

نسأل الله لنا جميعاً العون والهدى، فإن هدى الله هو الهدى:

(إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى(12)وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى(13)) [سورة الليل].

اللهم اهدنا ووفقنا إلى النجاة في الدارين، إنك المعين، وأنت رب العالمين.

11 Thoughts on “أين هو الشيطان؟ وما هو الشيطان؟

  1. abo abdullahh on 21 أكتوبر، 2015 at said:

    اخي الكبسي الكريم // بحث اكثر من رائع بارك الله فيك وزاد من هديك .. وان لارجوا منك ان تعيد مراجعة بعض ايات القران الكريم وستجد بان الهوى من الصفات الملازمة لنفس الانسان كالظن والحزن والهم ممايصيب النفس اذا غفل الانسان عن ذكر ربه الا ان الهوى الذي حذنا الله من اتباعة هو الذي يدخل منه الشيطان الى القلب ويلتقمة كما قال النبي علية الصلاة والسلام فالهوى مدخل الشيطان وموقع تزيينة للمعاصي والذنوب اما الشيطان كخلق فهو مخلوق كفر بالله وعصاة سواء كان من الانس او من الجان اي خلق مستقل بذاتة يحاسب ويعاقب لذاته يلد ويتناسل وله ذرية وهم اعداء لكل موحدا لله تعالى ،، وابليس من الجن والجن منهم المسلم ومنهم المفسد كما حال البشر المسلم منهم جان والكافر منهم يكون شيطان وهكذا حالنا بني ادم والله تعالى اعلم وادرى ،،
    ارجوا منك اخي الكبسي ان تسمع مني ولا تتبع هواك فيدخل منه الشيطان ويجعلك تصر برايك فتخالف به الكثير من الايات والاحاديث الشريفة الصحيحة.

  2. أبوأنس المغربي on 26 مايو، 2015 at said:

    هذا تفسير لايعتبر لان الايات التي قدمتها للاستدلال ليست صريحة فيما تقول بأن الشيطان هو الهوى وكيف تفسر قوله تعالى “واذ قلنا للملائكة اسجدوا لادم فسجدوا الا ابليس ابى واستكبر وكان من الكافرين”

    • faares mahdy on 22 يونيو، 2015 at said:

      اللهم انك غافل او انك قصرت فى الاجتهاد و البحث ؟ اقرا سورة الجن
      و لتعرف ايضان القران صريح لا لبس فيه و ان ما جاء به جاء و ما امر به امر
      و ما نهى عنه نهى ؟

      هداك الله الى سراطه المستقيم

      و الهوى هو قضيه مختلفة تما وماتحمل النفس غير ما ينزغ به ابليس

      هذه قضية اخرى

      و اخر دعواهم ان الحمد لله رب العالمين

  3. محمد عثامنة on 23 مايو، 2015 at said:

    الاخ المستفسر عن دخول الشيطان الجنة مع الانسان
    اعتقد وبالله التسديد ان يوم الكشف عن الغطاء يخرج الهوى الداعي لجهنم وهو ابليس من صدر الانسان ويتمثل امامه ويراه ، والقضية معقدة بعض الشيء ان اظفت اليها الروح
    الانسان المعذب بتبديل جلده باستيعاب دماغة لمعنى الحرق والحراره المفسر بالألم
    النفس التي تستودعها عند الله قبل منامك امانة
    الروح التي فيها تحيا
    والهوى وهو الشيطان المتمرد الذي ينتظر مظاهرة العقل فيطغي على النفس

    اعتقد ان الانسان خلق للعبادة والعبادة لا تكون الا باخلاص العمل وبما ان الانسان اشهد على ان الله خالقة قبل ولادته بتعهد سابق شهد به الانسان على ان الله هو الخالق فلا تكون العبادة مصاغة اذ ان ورقة الامتحان بلا اسئلة او ابتلاء فيه امتحان ولا يكون الامتحان الا اذا تعددت الاجابات للتخير

    فوجود من ينغص الحقيقة ضروري للثبات والتمسك بها وهذه هي العبادة وعليها الثواب
    ولا اعتقد كيف كانت ضرورة الشيطان ان تختلف مع هذا المبدأ
    وهناك قاعدة ثابته اخرى هي ان الله ليس بظالم ، فكيف يسلط على الانسان من هو اقوى منه ويحاسبه على اخطائه بفعل تأثير ذلك القوي سواء اكان داخليا ام خارجيا .

    الى الباحث : كل الشكر واقل ما فيه بحثك ان نلم انفسنا لاننا قادرين على اتباع الحقيقة وهي اننا نحن المسؤوليين عن الايمان والكفر
    اللهم فقهنا بالدين

  4. Sami Alkiani on 21 أبريل، 2015 at said:

    السلام عليكم اخي إسماعيل الكبسي
    احسن الله اليك بحث رائع وشامل ولقد اطلعت عليه بسرعة واني وجدته نافعا وسوف اعيد قراءته بتدبر لان الموضوع مهم
    وفقك الله
    اخوك
    سامي الكيلاني
    00962777783702

  5. agadir123 on 7 مارس، 2015 at said:

    ادا كان الشيطان هو الهوى كمازعمت ولمادا جاء وصفه في معركة بدر لما تشبه للمشركين بسراقة بن مالك بن جعشم فلما را الملائكة فر وقال اني ارى مالاترون

  6. محمد on 17 أكتوبر، 2014 at said:

    السلام عليكم
    اذا كان الشيطان هو الهوى والهوى ملازم للانسان, وهو داخله
    اذا, فاذا دخل الانسان الجنة فسيدخل الشيطان معه الجنة؟!
    وباختصار:
    لا يصح هذا ابدا, فالشيطان مخلوق مثله مثل البشر, واكبر دليل على هذا هو قوله تعالى:
    ( انه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم )
    اما دخول الشيطان جسد الانسان فهذا فيه اختلاف بين العلماء.

  7. يونس on 14 فبراير، 2014 at said:

    شكرًا شيخ الجليل كلامك منطقي، أنا في الحقيقة مقتنع جداً، هاذا ما كنت ابحث عنه، لأني قرات بعض المقلات من قبل حقيقة الجن ذات صلة مهمة جداً، وموجود كتاب اسمه آدم ابو الجن والإنس لدكتور منير إدلبي، علينا ان نجمع المعلومات في نفس الموضوع لكي نستطع ان نفهم الموضوع بالكامل، في الحقيقة كل ماكان ناقص في الموضوع فقد اكملته بخصوص عن ابليس نفسه، وشكرا
    بارك الله فيك يا شيخ

  8. ولكن البحث يحتاج الى تفصيل أكثر وان كان به صحة

  9. وجهة نظر خطيرة ومعقولة وممكنة ولابأس لعلى وعسى ان تكون صحيح خاصة انه ثبت ان الجن لايلبس الأنسان والجن ليس له علاقة بسحر كما قالت المعتزلة

  10. عبدالرحمن حسين المؤيد on 10 أغسطس، 2013 at said:

    شكرا لك وبارك الله فيك.

    قرأت الموضوع أكثر من ثلاث مرات.

    ما أروعك ….وجعله الله في ميزان حسناتك.

    ولكي أقوم بتقييمك

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: