الحج أشهرٌ معلومات هي أربعةٌ حرُم (1)

أزف إلى علماء الإسلام ، وإلى علماء مكة الأعلام ، هذا الخبر الهام ، الحج أربع مرات في العام .. واليهم أوجه هذا البحث القرآني.

أخي القارئ أينما أنت في البحر والبر ، لا تسخر قبل أن تتدبر ، لا تستكبر قبل أن تتفكر ، حاول أن تقرأ أولاً ، ثم أنظر متحلياً متأملاً ثم قل ما يحلو لك عن المقال ، فأنت مدعو معنا بصوت عالٍ ، أنت مدعو للتفكر ، فإذا فكرت فقدر ، ثم أنظر ثم قرر ، واحذرثم احذر أن تكـون كـمن قــال الله عــنه (إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ ﴿18﴾ فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿19﴾ ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ ﴿20﴾ ثُمَّ نَظَرَ ﴿21﴾ ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ ﴿22﴾ ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ ﴿23﴾) المدثر 18-23

ألا إن القرآن يسير للمدكر ، واضح البيان للمتفكر (وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِن مُّدَّكِرٍ) القمر 17   ولقد قال الله فيه (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) وإنها لواضحة البيان وناصعة البينات ، إذا حسنت لدينا النيات ، إنها لحل واضح البيان ، يفتح للناس أبواب من الإحسان ، وتوسع للحج الزمان ، فإن بإمكان الناس أن يكون حجهم أربعة أشهر ، أي أن يكون الحج أربعة مواسم في العام ،  أي في كل من الأشهر الحرام يفتح للناس الحج ويقام ، والأشهر الحرم رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم . هذه هي الأربعة الشهر الحرم ، التي أجمع عليها أهل العلم ،

نعم  (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) هكذا قال الله ببيان عربي مبين ، وهل القرآن ينطق بغير العربية الفصحى (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) يوسف 2 . وإذا كان الأمر كذلك فيجب أن لا نتهم القرآن بالقصور ، بل نحاول أن نفهم الآيات بلا إنحراف ولا تقصير ، الله يقول (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) فيجمع الأشهر جمع قلة ويصفها بأنها معلومات ،

كيف يقول مفسر أو أكثر أن المراد بالأشهر شهر ونصف أو شهر وعشرين يوماً ، إن هذا كلام وتفسير لا يليق بحق الله الذي علم الإنسان ما لم يعلم ، والذي بين في الكتاب كلما يهم الإنسان من الأحكام. إذاً فالآية تؤكد بما لا يدع مجالاً للشك أن (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ). يعني أن لكم أيها الناس أن تجعلوا للحج أربعة مواسم ، (رجب وذو القعدة وذو الحجة ومحرم وهي الأشهر الحرم) ، فيكون الحج فيهن مفتوحاً للناس ، ومسموحاً للطائعين والعالمين والركع والسجود من الناس أجمعين بل للعالمين ، إن الله وسع الزمان في الحج وحدد المكان  فعرفات محدود ، ومتى محدود ، والحرم بأكمله محدود . لكن الزمان مفتوح في هذه الأشهر الأربعة ، ومسموح فيها بلا حرج ولا تشديد. إن العلماء الذي قالوا أن المراد بالأشهر بعض ذي الحجة ومحرم ، أو بعض ذي الحجه وذي القعدة لم يفهموا أن القرآن منزل للعالمين ، للناس جميعاً إلى يوم الدين ،  فأخذوا الآية بمأخذ العصر الذي هم فيه ولم يدركوا أن وسائل المواصلات ستجعل الإنسان يصل إلى مكه من أقصى الأرض في يوم واحد ، وأنها ستستقبل من الحجاج الملايين في أسبوع واحد.

لكننا الآن وصلنا إلى هذه الحقيقة ، وأصبح الحج ممكناً للناس أجمعين وأصبح من الممكن أن يصل ملايين الناس إلى مكة في يوم واحد ، من كل فج عميق ، وعليه فإن مواجهة هذا الكم من الحجيج يتم بالعمل بالآية ، وينحل الإشكال وينكشف بالتطبيق للآية العددية ، بل تنفتح بها مجالات الحج لكل قادر بلا تحديد عدد لكل دولة ، فالناس مدعوون للحج من كل جنس ووطن ، ومن كل لون ودين ، فكيف يتم هذا ونحن محددون للحج بشهر واحد .

 إن الحج كما يقول الله  (أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) إنها الأربع الأشهر الحرم ، فكلها تصلح موسماً للحج ، بدليل أنه سماها معلومات ، فلماذا سماها معلومات مع أنه قال في شهر الصيام  (أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ)؟؟  إن هناك لا شك فرقاً بين التعبيرين فالمعدود يعني أنه يحتاج إلى أن يُعْلَم ، ولهذا سماه الله وقال : (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) البقرة 185 . وإذا كان الله قد حدد شهر الصوم وسماه فذلك لنعرف عدد الأيام التي نصومها ، فكيف لم يحدد أشهر الحج ويقول مثلاً :شهر ذي الحجة الذي تقام فيه المناسك ، لكنه عدل عن هذا وقال (أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) ومن المعروف بأنها الأربعة الحرم (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) وتأملوا الآية (فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) إن الضمير في كلمة (فِيهِنَّ) يؤكد أن المراد عودته إلى الأربعة الأشهر المعلومات ، فهن يصلحن جميعاً لفرض ونية الحج ، فمن فرض منكم يأيها الناس فيهن أو في أحدهن الحج يكن مقبولاً عند الله الذي يخاطبكم بلسان عربي مبين .

قد تقولون وكيف يكون الحج في هذه الأشهر الأربعة؟؟ ومتى يكون العيد؟؟ وكيف يكون النحر والناس قد تعودوا على موسم واحد ويوم للنحر واحد وعيد واحد؟؟ هو في ذي الحجة أي في العشر الأولى منه. نقول تلك عادة إعتادها الناس ، لأن النبي حج في هذا الشهر فاتُّخِذ عادة ، ولم يدرك الناس أن الزمان سيتغير ويدور حتى يصبح من الواضح لهم أن للناس أن يحجوا في الأربعة الأشهر المعلومات.

قد تقولون .. أسلمنا بأن الحج أربعة أشهر فكيف نحدد الوقوف بعرفة ويوم النحر ؟؟  نقول أن التحديد وارد كما حُدِدَ في ذي الحجة ،  فليكن يوم الوقوف هو اليوم التاسع من كل هذه الشهور ، وليكن يوم النحر هو اليوم العاشر من كل هذه الشهور ، تماماً كما هو في شهر ذي الحجة الآن ، ولتأكيد هذا المعنى ولإبراز هذه المهمة التي تهتم بتحديد يوم الوقوف ويوم النحر نقرأ :جاء في سورة البقرة عقب آيات الصيام قول الله سبحانه وتعالى : (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) تأملوا …يسألونك عن الأهلة أي عن سبب نقص القمر وتقديره منازل في النقص والإكتمال ، فقال الله مجيباً أن الحكمة هي أنه (مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ) في كل شيء وفي كل مهمات وأمور الحياه ، وكان هذا يكفي لكنه خصص بعد التعميم فقال بعد ذلك (وَالْحَجِّ) ليدل على الأهمية ، وإلا فلماذا تأتي كلمة (وَالْحَجِّ) إذن فالأهلة هي الدليل العملي لتحديد أول يوم من الشهور الأربعة ليعرف بذلك اليوم التاسع واليوم العاشر ويتحدد برقم .

ثم أن موقع هذه الآية (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ) ومجيئها عقب آيات الصيام تدعونا للتأمل ، فالصيام جدير بأن يعرف أول أيام شهره ، فلماذا لم يذكر الصيام وذكر بدلاً عنه الحج ، إن هذا إشعار لنا بأن الصيام يمكن تحديده بالهلال أو بإكمال العدة ، لأنه شهر واحد وأيامه معدوده ، كما وصفها الله ، ولم يقل كما قال في الحج معلومات ، فكان الحج هو الأهم بالذكر في آية الأهله ، لأنه لا بد أن يحدد أول كل شهر من شهوره بدقه ليعرف اليوم التاسع والعاشر بدقة ،

 فالأشهر أربعة لابد أن يكون لها علامات تدل على بدايتها وإمارات واضحة الدلالة وتلك هي الأهله . إن كل شهر من الأربعة لا بد أن يرقب المسلمون هلاله ليعرفوا ببدايته موعد وقوفهم ونحرهم وأيام حجهم ، وعليه فإن يوم تاسع رجب هو يوم عرفه ، ويوم تاسع القعده هو يوم عرفه ، ويوم تاسع الحجة هو يوم عرفه ، ويوم تاسع محرم هو يوم عرفه .

كما أن يوم عاشر هذه الشهور إنما هو يوم النحر ، وما يليها هي أيام التشريق ، تماماً كما هي في شهر ذو الحجة الذي إعتدنا عليه .وبعد هذا التقرير الذي أرجوا أنكم قد فهمتموه ، ألفت انتباهكم هنا إلى شيء هام ، هو قوله تعالى في آيات الحج وهو يعلمنا المناسك ويتحدث عن أيام التشريق قال : (وَاذْكُرُواْ اللّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلاَ إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) البقرة 203 لماذا سماها معدودات ولم يقل معلومات؟؟  لأنها فعلاً معدودة فهي ثلاثة أيام وهي أيام التشريق ، لكنه وصف أشهر الحج بأنها معلومات لأنها مسماه معلومه مشهورة ، بل موصوفه بأنها الأشهر الحرم ، فهي معلومه لكل الناس ، للمسلم والكافر ، والبادي والحاضر ، والمقيم والمسافر ، والأول والآخر ، بلا لبس ولا اختلاف ،

ولهذا كان الكفار يحتالون على حرمتها بالنسيء ، الذي وصفه الله بأنه زيادة في الكفر وبأنه ضلال مضر ، ثم أنه وعلى ضوء فهم الفرق بين معلوم ومعدود ألفت إنتباهكم إلى شيء هام آخر ، هو قوله تعالى في سورة الحج : (وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ﴿27﴾ لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ) الحج 27/28 نعم إنها أيام معلومات ، معلومات بكونها تبدأ من يوم معلوم وتنتهي في يوم معلوم فهي أيام معلومة في الأشهر المعلومة ، تلك هي التاسع والعاشر وما يليها من أيام التشريق ، فهي معلومات في أشهرها المعلومات .

ثم تعالوا معي إلى دليل ثالث ، يؤكد أن الحج يصح في الأشهر الأربعة وهو قولة تعالى: (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلاَ تَظْلِمُواْ فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ) التوبة 36 إن هذا يؤكد أن هذه الأشهر ازلية أبدية ، معلومة للملائكة وللأفلاك ولكل المخلوقات ، التي سبقت الإنسان ، ولا تزال معه مدى الزمان .

 إنها مشهورة في السموات والأرض ، ومعروفة لمن وما بينهما من الخلق المدركين لما حولهم ، الموجودين قبل الناس ، فما بال الناس يظلمون أنفسهم فيهن ، وينسون حرمتها وجلالها ، ويجهلون معلوميتها.إن شهرتها وحرمتها وعددها معروفة عند كل خلق الله ، بل وقبل ذلك (عِندَ اللّهِ) وهو الله أكبر من كل شيء ، وهو الله خالق كل شيء ، وهو الذي إختار لنا الدين القيم ، فكبروه ، واجعلوا الأشهر الحرم موسماً لحجكم ، لتنالوا القرب عند ربكم ، وتزيحوا الظلم عن أنفسكم ، ثم (وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) .

ثم تعالوا معي إلى سورة الفجر ، فإن شعاع الفجر هناك يكشف لنا سراً عن الحج ، وتشير لأيامه ولياليه بأسلوب بديع لنقرأ السورة من البداية : (وَالْفَجْرِ) الكلمة جائت معرفة بالألف واللام (وَالْفَجْرِ) ثم ماذا  لنقرأ : (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) إنها بدون ألف ولام ، إنها بدون تعريف كالأولى قبلها ، إنها بدون حرفي التعريف ( ألـ ) ثم إنها منكره (لَيَالٍ) منكرة وصفتها (عَشْرٍ) منكرة ، فالتنكير شمل الصفة والموصوف (وَلَيَالٍ عَشْرٍ) لماذا هذا؟؟ … إنتظروا حتى نكمل المشوار ثم لنقرأ ما بعدها :(وَالشَّفْعِ ) (وَالْوَتْرِ) إنها مثل الأولى كلمة (وَالْفَجْرِ) محلاة بأداة التعريف أي معرفة بالألف واللام ، ثم نأتي إلى الأخيرة وهي (وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ)    الليل معرف كذلك بالألف واللام ، فلماذا.. لماذا هذا الأسلوب ؟؟

لماذا تعرفت الكلمة الأولى والأخيرات ، وتعرت الثانية عن التعريف ؟؟ إسألوا أنفسكم لماذا عرفت الكلمات المقسم بها كلها إلا كلمتي (وَلَيَالٍ عَشْرٍ)؟؟  لماذا عرفت التي قبلها والتي بعدها بالألف واللام؟؟ وهي لم تعرف مع أن الأسلوب الأمثل أن تعرف جميعاً وهذا هو المناسب لقواعد البيان؟؟ لكن التنكير هو البيان ، فتنكيرها يعني أنها فعلاً ليالٍ عشر متكررة مع الشهور، وليست معهودة في شهر واحد ، فهي تتكرر في رجب وفي ذي القعدة وفي ذي الحجة وفي محرم ، وهي التي نعرفها بالأهلة  التي هي مواقيت للناس والحج ، وما أشهر الحج إلا كل الأشهر الحرم الأربعة المعلومه عند الله وعند خلقة منذ خلق السموات والأرض ، ثم لنسأل أنفسنا من جديد ، لماذا لم يقل والليالي العشر ، بل قال وليالٍ عشر؟؟ إن هذا لكي يخرجها من التخصيص لان الأشهر أربعة ، وليدلنا ويبين لنا أنها ليالي متكرره مع كل شهر حرام وهي موسم الحج العام.

وبعد ،،، هذه مجرد إشارات ، أصفها أمام المهتمين بشئون الحج في السعودية وسواها ، وأمام المسلمين في كل مكان من الأرض ، ولكل من عاصرنا فيها أو يأتي بعدنا عليها ، إن هذه قضية ستجعل الحج عاماً  للناس ميسوراً ، وتجعل الزمن أمام الناس مفتوحاً ، لا تضييق فيه  ولا تقسير ، ولا تحديد للعدد ولا تقطير. إن الله قد حدد للحج المكان وعين حدود كل الشعائر والمواقع ، فعرفات له حدود ، ومنى ومزدلفه كذلك ، بل أن الحرم كله محدود بحدود ، ولكنه فتح للناس الزمن ووسع فيه ، لتظهر آيات الله ، فيكون الحج مفتوحاً في الأشهر الأربعة ، فمن فرض فيهن الحج فمكانه محدود ، وسلوكه محدود (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ).

إن الزمان متعدد والمكان محدود ليقبل الناس على الحج بعدد أكبر وليتعلموا القبول بالآخر ، وليحسنوا في التعامل مع من حضر (فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ).وبذلك يكون لهم عند الله العليم السميع ، مقام رفيع ، (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ) ولكي نعمل الخير فلا بد من التزود بشيء هام ، وهو قوله تعالى (وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) .   أي لكي تحجوا وبعمل مقبول ، فإن زادكم هو التقوى ، وإنها فعلاً خير زاد ، وكيفلا والله يقول في ختام الآية (وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) وأولوا الألباب هم الذي يعرفون الله ويقــدرونـه حــق قـدرة ويعـلمـون أن الله يقـــول :(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) المائدة 27

ثم إذا جئنا إلى آية التوبة المذكورة سابقاً وهي (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ) التوبة 36  ستجد أنه قد جاء بعدها مباشرة قوله تعالى (إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ يُضَلُّ بِهِ الَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلِّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا لِّيُوَاطِؤُواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ اللّهُ فَيُحِلُّواْ مَا حَرَّمَ اللّهُ زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ) التوبة 37 نعم لو جئنا على هذه الآية والتي قبلها ، وفهمنا مرادها ، وتدبرنا مرماها لمسنا وجلاً من الله وخوفاً على غفلتنا وإغفالنا هذه الأشهر الحرم  فلم تعد لدينا أشهرٌ حرم ، ولم نعد نحرم فيها ما حرم الله ، إننا في حالة نسيء ، وإذا كان الجاهليون يحلونه عاماً ويحرمونه عاماً فإن النسيء عندنا أصبح دائماً ، ولا ندري أننا قد نسينا أنفسنا ، وزين لنا عملنا ، وأضحينا بعيدين عمَّا يريد ربنا ، وعن فهم آياته البينات.  وليت شعري ما الذي دهانا ، ومن الذي زين لنا سوء عملنا ، إنه حب الدنيا ، واتباع الهوى ، واتخاذنا الدين لهواً ولعباً وذلك شأن الكافرين ، الذين يقول الله عنهم وهم في جهنم  يتمنون شيئاً من ماء الجنة (إِنَّ اللّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ ﴿50﴾)  من هم (الَّذِينَ اتَّخَذُواْ دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُواْ لِقَاء يَوْمِهِمْ هَذَا)  ثم ماذا بعد (وَمَا كَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴿51﴾) الأعراف 50/51 وهذا هو بيت القصيد ، فإننا بالآيات نجحد ، وفي الدين نلهو ونلعب ، وللدنيا نسعى ونتعب ، وهذا هو الذي يسوق إلى نار ذات لهب فاستيقظوا أيها النائمون على الشهوات ، قبل أن يوقظكم الموت  وتدبروا آيات ربكم ، واقبلوا عليها قبل أن تدبروا عن الدنيا  وتساقوا للقاء ربكم وتحاسبوا عليها ، وتقولوا (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلاَ نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) الأنعام 27

قد يقول قائل أنت تقول أن أشهر الحج هي الأربعة الأشهر الحرم ، مع أن الله يقول في سورة المائدة :(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ وَلاَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ) المائدة 2   فهو لم يقل الأشهر الحرم بل سماه شهراً فقال (الشَّهْرَ الْحَرَامَ) وقال في آية آخرى من السورة (جَعَلَ اللّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلاَئِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَأَنَّ اللّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) المائدة 97فلم يسم الله إلا الشهر الحرام ، ولم يقل الأشهر الحرم ، وهذا يدل على أن الشهر الحرام واحد هو ذي الحجة .لكني أقول لكم أن هذا الفهم لا يتفق مع معرفة اللغة ، فالمفرد قد يطلق ويراد به الجمع ، ويقصد به غرض بلاغي هو جعل المجموع كالواحد في الفضل، وكأن التفرق والتعدد لا يعني التفاضل ، بل كلها كأنها واحد ، وهذا ورد مع كثير من الآيات فقد جاء في سورة الجن (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاء فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا) 8   فقد جمع كلمة حرس وأفرد كلمة شديد ، مع أن المعلوم أن يقول (شداداً) لكنه وحد الصفة ليدلنا على أن تعدد الحرس لا يعني التفريط والغفلة ، بل كأنهم حارس واحد لا يحيد عن واجبه ، ولا يميل ،  ثم جاء في الآية التي تليها (فَمَن يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَّصَدًا) الجن 9  … لقد أفرد كلمة (شِهَابًا) وجمع الصفة فقال (رَّصَدًا) مع أن السياق يستدعي أن يقول (شهاباً راصداً) لكن الإفراد للموصوف يوحي بأن كثرة الشهب لا تعني الفوضى ، ولكن تعني مزيداً من الحفظ ، فكان مجموع كل الشهب شهاباً واحداً يرصد ، وهذا أبلغ في التعبير عن الحفظ والحراسة .

وكذلك كلمة الشهر الحرام. إن توحيد الشهر وإفراده يدل على أن كل شهر منها له الحرمه ، وله القيام ، وله ما لغيره بالتمام ، فكلها عند الله شهر واحد ، لها معنى واحد وهي أنها حرام ، ومحرم فيها كل ما حرمه الله من الأعمال ، والصيد والطعام ، كما هو معروف في آيات المائدة .ثم أن المفرد قد جاء محل الجمع في قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) الفرقان 74 لماذا لم يقل (أئمة) وهو الأنسب للسياق؟!!  لكن الإفراد هو الأنسب للسياق ، وللغرض البياني ، والهدف البلاغي ، فكأن كل الآباء والأبناء والذرية في التوحيد على الدين ، والتوحيد لرب العالمين ، واتباع سبيله المبين .. كأنهم جميعاً في الناس إمام واحد ، لتوحد طريقهم واتحاد سبيلهم واستنارة قلوبهم بنور الله أجمعين ، أليس هذا أبلغ من أن يقول  (واجعلنا للمتقين أئمة).

ذلك لأن التعبير بالجمع قد يوحي بتعدد الآراء واختلاف الطرق ، وتصرف السبل وهذا الوضع ، فهو الأمر المخل ، لكن الإفراد للكلمة أفاد مع الإيجاز ، توحد الرأي والدين والسبيل  في كل العصور والأماكن ، وفي كل جيل.فكل إمام يخلف الأول ولا يبتعد عن الطريق وكل خلف يمد مهمة السلف بلا تفريق فهم موكب واحد لا يختلف وهم قلوب متوحده خلفاً عن سلف ،وهم على سبيل سوية رغم تباعد العصور والأمكنة وهم متفقون ملتقون رغم توالي الأجيال والأزمنه وهكذا يتسع إفراد الكلمة في قوله (وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) ويدل على هذه الحقائق التي تذهل العقل إعجازاً وبياناً .

ثم تعالوا إلى كلمة أخرى تدل على أجمل معنى هي قوله تعالى (ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا) من الآية الخامسة من سورة الحج ، لماذا لم يقل (أطفالاً) ذلك ليؤكد لنا أن العالم كله مهما تكاثرت مواليده فهم عند الله طفل واحد ، وفي قدرته وتدبيره مولود واحد ، فلا يعني لله شيئاً من اللغوب والإنشغال ولا قليلاً من القلق والإهمال، بل كلهم برعاية الله في أحسن حال وكلهم بتدبيره ينمو ويصح ، من أقوى الرجال الى الضعيف والشيخ ولتأكيد هذا المعنى يقول الله (مَّا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ) لقمان 28 ولو أردنا إيراد الأمثلة لطالت العبارة ولكن الحر تكفيه الإشارة.وها نحن نواصل البحث في آيات الحج وكلماته بما يزيدنا إستنارة .

One Thought on “الحج أشهرٌ معلومات هي أربعةٌ حرُم (1)

  1. لن يتغير النظام الحاصل الآن
    إلا اذا اتى النبي الآن وعلمنا ذلك وهذا ايضا مستحيل

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: