القرآن في القرآن (2): ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم، والصلاة والسلام على محمد رسول الله وعلى الأنبياء والمرسلين وعلى من اتبعهم من عباد الله الصالحين، آمين. وبعد:

السلام على المستمعين، وهذه هي الحلقة الثانية من مسابقة القرآن بعنوان [القرآن في القرآن].

ومن المعروف أن الله سبحانه وتعالى يؤكد لنا أن القرآن منزل من عنده على عبده ويعلن أن هذا هو الحق الذي لا يرتاب فيه إلا خاسر فاسد، وجاهل غافل.

وهكذا تتوالى الإشارات إلى هذا المعنى وتكرر الآيات، وعلى هذا الأساس جاء عنوان المسابقة، ولهذا فإننا سنتتبع الآيات المتصلة بهذا الموضوع، ونستقري ما تدل عليه من المعاني والدلالات، وبعون الله سنصل إلى ما يفيد.

ولنبدأ اليوم بسورة البقرة، فماذا نجد فيها من الآيات التي تتحدث عن القرآن سنجد أن أول السورة وآخرها يشع بالحديث عن القرآن بأسلوب رائع البيان:

(الم(1)ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)).

هكذا تبدأ السورة؛ أما الختام فهو (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ(285)).

إن البداية فعلاً ملفتة، فأولاً تلك الحروف المقطعة "أ ل م" وهي طريقة لم يعهدها الناس في بدايات الكلام، ولقد ذهب فيها المهتمون بالقرآن مختلف المذاهب وكلها تدل على عظمة البداية، ثم ثانياً قوله تعالى:

(ذَلِكَ الْكِتَابُ) ؛  فاسم الإشارة مبتدأ والكتاب هو الخبر وهذا بعض وجوه إعراب الآية، وهذا الوجه يدل على أن الإشارة بكلمة "ذلك" يعني أنه إشارة إلى شيء رفيع عظيم، واضح كريم، وهو يشد الأسماع والأنظار إلى التوجه إلى المشار إليه ما هو، فإذا به يقول: "الكتاب" فالإشارة هي إلى هذا الكتاب الذي هو معرف بالألف واللام، فهو معروف مشهور للخاص والعام، ولا يجهله إلا أعمى في ظلام، وعليه فهو الكتاب الحق، وهو وحده الكتاب الذي لا يسمى بهذا الاسم سواه، ولا علم ولا هدى إلا هداه، وكل كتاب غيره فهو ظنون وتخريص، ووهم وتدليس؛ (ذَلِكَ الْكِتَابُ) كلمتان صغيرتان، لكنهما تدلان على أن هذا القرآن هو الموصوف بأنه الكتاب، وأنه المشار إليه بما يستحق من التعظيم والإعجاب، ثم بعد هذا الخبر الهام، عن هذا الكتاب الهام، تأتي كلمة (لَا رَيْبَ فِيهِ)، فالريب بعيد عنه بعيد، لا أثر له فيه ولا وجود، بل هو الحق الذي جاء من العزيز الحميد.

وهذا التعبير (لَا رَيْبَ فِيهِ) لا ينفي الحق عن الكتب الربانية الأخرى؛ بل هي موصوفة بأنها لا ريب فيها فالكل من عند الله الذي يعلم السر وأخفى، ولهذا فإن المؤمنين يؤمنون بالله وملائكته وكتبه كلها ورسله كلهم، لا يفرقون بين أحد منهم.

ثم تأتي جملة (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) فكلمة "هدى" المنكرة تفيد أنه شامل لكل الهدى، ومتوفر فيه كل صور الهدى، وهذا الهدى إنما هو للمتقين؛ أما المتكبرون فهو عليهم عمى، ولا يزيدهم إلا طغياناً وظلماً.

ولقد وصف الله المتقين بأنهم أولوا صفات تتناسب مع هذا الهدى الذي هو من الله ربهم فقال: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)) [سورة البقرة].

إنها صفات رائعة رفيعة، وسمات سامية سامقة، لا يرقى إليها إلا من هداه الله، ولهذا فإن الله يختم الصفات بقوله:

(أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(5)) [سورة البقرة].

إنه يشير إليهم بإشارة الاهتمام والإكرام (أُوْلَئِكَ) فهم في مقام رفيع يشار إليه، ولا يضيع على الناظر إليه، ثم هم متمكنون من هدى ربهم ثابتون عليه، ولهذا قال: (عَلَى هُدًى) فكلمة "على" تدل على العلو والتمكن، ثم قال: (وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ) بإعادة الإشارة مع ضمير الفصل، فهم وحدهم المفلحون، وهم وحدهم الواضحون على سبيل الله المبين، وغيرهم في ضلال وظلام حائرون، وهم في كل حالٍ خاسرون.

وعلى أي حال فكما كان الحديث عن القرآن هو البداية والختام في سورة البقرة؛ فإن الحديث قد تخلل آياتها بشكل مكثف ليدل على أن القرآن هو المحور الذي يدور عليه الحوار بين الرسول وبين الناس. ففي الآية "23" من السورة يأتي قوله مخاطباً الناس:

(وَإِنْ كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ(24)) [سورة البقرة].

وهو تحدٍّ للناس وتهديد بالعذاب إن استمر ريبهم في القرآن، وفي موقع آخر من السورة يتوجه الله بالخطاب لبني إسرائيل ليؤمنوا بالقرآن فهم أولى الناس بالتصديق به لأنه مصدق لما عندهم.

(يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِي الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ(40)وَآمِنُوا بِمَا أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ(41)) [سورة البقرة].

وفي معرض الحجاج مع بني إسرائيل تأتي الآية التالية:

(قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ(97)) [سورة البقرة].

ثم يختم الحوار مع بني إسرائيل مؤكداً أن فيهم من يؤمن بالقرآن، وهم الذين يتلون كتابهم بفهم فيقول:

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ [أي بالقرآن] وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ(121)) [سورة البقرة].

وتستمر الآيات وهي تحمل البشرى لمن آمن بالقرآن والإنذار لمن كتم وكفر بعذابٍ أليم؛ (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ(176)) [سورة البقرة].

ثم تلوح بين السطور وتشع الآية الكريمة التالية في معرض تكليف المؤمنين بالصيام:

(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنْ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ …(185)) [سورة البقرة].

وهكذا تتزين سورة البقرة كاملة بجواهر من الآيات التي تتحدث عن القرآن وتجعله المحور الهام الذي يدور عليه الإيمان والمعراج الكريم الذي يسمو به الإنسان إلى المقام الكريم.

موسيقى

وبعد أيها الإخوان فإن السؤال قد حان؛

ستجدون في الجزء الثاني من القرآن أية تتحدث عن القرآن وتصف الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى فإن عليهم اللعنات تتوالى؛

نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: