المرأة والطفل في القرآن (6):إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ

بسم الله، والحمد لله، والسلام على المستمعين ورحمة الله. وبعد:

إن من شأن الأسرة الصالحة، أن تنجب الصالحات والصالحين، بل وتطلب ذلك من رب العالمين، وتتقرب إليه بما يمكنها من نيل آمالها في الأولاد والبنات، الذين يتسمون بأجمل السمات، وإن في القرآن لأمثلةٍ رائعة، ونماذج لامعة، تدل الناس أجمعين، ليتبعوا المسلك السليم الأمين، ويكونوا بتلك النماذج مقتدين، وإن الأنموذج الأجمل ليدعو السامعين، وينادي لكل الطامحين، في نسلٍ صالح، فيا ترى أين سنجد هذا الأنموذج المتلألئ بالإحسان؟، سنلقاه في سورة آل عمران، بل في بيت آل عمران، بل في امرأة عمران، فلنستمع كيف يخبرنا الله عنها، ويذكرنا بموقفها من ربها؛

(إِذْ قَالَتْ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(35)).

تأملوا معي أول الكلمات، (رب) هكذا بدون حرف نداء، كأن الله ربها قريبٌ قريبٌ منها لا يحتاج إلى رفع صوت، ولا إلى تصديره بحرف نداء، فهو يسمع الهمس مثل النداء، بل إن السر عنده نداء، ولهذا قال عن زكريا في سورة أخرى: (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا(3)) [سورة مريم] ، فهو يخفي ويخافت، ولكن الله سماه نداء.

وبعد: ماذا قالت امرأة عمران؟ وبماذا نادت؟

هل طلبت شيئاً من الدنيا والمتاع؟.

كلا؛ بل أعلنت شيئاً آخر:

(إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا).

هكذا أخلصت العطاء لربها، ونذرت ما في بطنها بسخاء، وحررت نفسها وحررت الجنين من العبودية لغير الله وهذه هي الحرية، وهذا هو الأمان، ولكن هل ركنت إلى هذا القول، واغترت بما نذرت؟، كلا؛ بل لا تزال على احتياجها؛ ولهذا سألته القبول لنذرها؛ (فَتَقَبَّلْ مِنِّي).

إنه التواضع وإنه اليقين بأن الله غنيٌ ونحن إليه الفقراء، ولكنه يسمع ويعلم ويجيب من دعى، ولهذا ختمت سؤالها بقولها:

(إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

أنت وحدك السميع وأنت وحدك العليم، فتقبلك مني لا يكون إلا عن علمٍ بإخلاص نيتي وصدق نذري، وهكذا ندرك أن الأم الصالحة لا ترجو لنسلها أن يقوم عبداً للدنيا، ولكن ترى أن العز لولدها هو أن يكون عبداً لله المتعال، وأن الحرية لنسلها هو أن يكون عبداً لله ذي الجلال، ولنراقب الآن امرأة عمران، وهي تنتظر الميلاد، وترقب الميعاد، حتى إذا حان الموعود، وضعت المولود، ماذا حصل للأم؟ لنستمع الآية:

(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا..).

يا للعجيب؛ ها هو الضمير يأتي مؤنثاً دون أن يذكر ما هو الذي وضعت، إنه أسلوبٌ قرانيٌّ يدل على مقامٍ رفيع، وكأنها أصبحت مشهورةً مشهودة، يعود الضمير إليها قبل ذكرها، ولنستمع:

(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى..).

هل هي تخبر الله بما وضعت؟؛ كلا ولكنها ترجو أن يقبل الله منها الأنثى، ولو كانت غير مؤهلة لما يؤهل له الولد؛ لكن الله يؤكد أنه العليم، وأنه الحليم، وأنه أراد لها الشأن العظيم، فقال:

(..وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ..).

فهو الذي خلق وأنشأ، وهو الذي قدر وهدى، ولهذا قال:

(..وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى..).

أي ليس الذكر الذي نذرته امرأة عمران وتمنته وحررته ليس كالأنثى التي وُهبت، فهذه الأنثى سيكون لها شأن، وستكون آية مدى الزمان، ولقد اقتنعت امرأة عمران، وسلمت بما قضاه الله وارتضاه، وأقبلت باطمئنان لتسمي المولودة، وتختار لها الإسم الجميل الرنان فقالت:

(..وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ..).

وهو اسمٌ يدل على اللين والبراءة، والطهر والنزاهة، والسكينة والسلاسة، ولكن هذا لا يكفي؛ بل لا بد أن تتوجه الأم إلى ربها ورب المولودة بقلب حنون، فقالت:

(..وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).

إن الأم الصالحة، والمرأة الصادقة الناصحة، تسأل الله ربها، أن يعيذها من السيئات، ومن هوى الشيطان والخطوات، وأن يصون أولادها من الغرور بالمال، وأن يجعل الصلاح متوارثاً في الذرية عبر الأجيال، فهذا هو الفلاح في الدنيا وعند المآل، وهكذا كانت امرأة عمران، قدوةً للمرأة في كل زمان، والأنموذج الذي يقتدى على طريق الإحسان، إن النسل لا يُطلَب للطغيان، ولا ليكون عوناً على العدوان، ولكن ليكون بذرةً صالحةً للإحسان، وإضافةً جميلةً في خير الإنسان، وعبداً مخلصاً للرحمن ليكون سعيداً مطمئناً في كل آن، ولا يتم ذلك إلا باللجوء إلى الله القدير لا إلى الناس، ولقد لجأت الأم الصالحة إلى ربها واستعاذت به وكان سريع الإجابة، فقال ملبياً سؤال الأم لابنتها:

(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا…(37)) [سورة آل عمران].

يا سلام، يا سلام!! ها هنا هو الجمال، وها هنا هو الأمان؛ الله ذو الجلال يتقبل سؤال الأم، ويتولى رعاية المولودة، ويتقبل النذر باهتمامٍ وإحسان، وينبتها إنباتاً يليق بكرمه وإحسانه ومقامه، فيا له من مقامٍ نالته الأم وابنتها عند الله، وهكذا تكون الأمهات والنساء الصالحات.

وبعد أيها الإخوان؛ فإن السؤال قد حان..

هناك آيةٌ في الجزء السادس من القرآن تحل للمؤمنين النساء المحصنات من أهل الكتاب، بشرطٍ هامٍّ هو عدم الكفر بالإسلام، وبشرطٍ أهم هو المهر التام، الذي يعني الإحصان للمرأة، وعدم المخادنة وإلا حبطت الأعمال.

هل عرفتم الآية؟، إنها واضحة الدلالة، فابعثوا برقمها وسورتها وجزئها..

مع التمنيات لكم بالتوفيق.. والسلام عليكم ورحمة الله،،،

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: