القرآن في القرآن (23):أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ

بسم الله والحمد لله ، والصلاة والسلام منه على محمد رسول الله وخاتم النبيين، وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين..وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين ومرحباً بهم إلى لقاء جديد.

سنجدد اليوم الحديث عن الخلق العظيم الذي استمسك به وكان عليه الرسول الكريم، وهو خلق القرآن الحكيم؛ فهو الخلق العظيم، وهو الصراط المستقيم، وعليه يجب أن يستقيم كل مؤمن متبع للرسول بصدق ويقين؛ فالله يقول: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلَا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ(112)) [سورة هود].

وما دام الله بما نعمل بصيراً فلنكن على اطمئنان بأن لنا أجراً كبيراً إذا استقمنا على خلق القرآن، ولنكن على حذر بأن لنا عذاباً وسعيراً إن انحرفنا عن خلق القرآن؛ وعلى أي حالٍ فإن الخلق العظيم في كثير من الآيات يفوح، وهو في سورة الرعد كالنور يلوح، فلنقرأ ما فيها من العلم والروح؛ يقول الله:

(أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(19)) [سورة الرعد].

نعم إن الفريقين لا يستويان، وشتان ما بينهما؛ فالذي يعلم ويوقن بأن المنزل من ربنا هو الحق وهو به صدق فإنه المستبصر الذي لا يضل ولا يرهق؛ أما من ارتاب وتردد؛ فإنه أعمى البصر والبصيرة، وهو في ظلمات ورهق، بل هو بلا لب ولا هدى كالخشبة العجفاء؛ (إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الْأَلْبَابِ)، هؤلاء هم المتذكرون العلماء، وهؤلاء هم الذين يعلمون بأن القرآن هو الحق وفيه الهدى، وهؤلاء هم الذين على خلق عظيم في السراء والضراء، وعلى حال سعيد كريم في الدنيا والأخرى، ولا نقول هذا من عند أنفسنا؛ بل الله الحق هو الذي يصفهم ويبين خلقهم فيقول: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنقُضُونَ الْمِيثَاقَ(20) وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ(21)وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ(22)جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ(23)سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ(24)) [سورة الرعد].

أسمعتم الصفات؟ أشاهدتم الأخلاق الفاضلات؟ إنها تلوح مشعة كالكواكب الدرية، وتفوح شذية كالزهور الندية، وإن بيانها ليشرح الصدور كالرياض الفردوسية؛ فهل بعد بيان القرآن نستطيع أن نضيف شيئاً من البيان؟ ولكن إذا أردتم المحاولة والاقتراب من الآيات بقلوب متأملة؛ فإننا سنحاول وعلى الله نتوكل فنقول:

أولاً: إن الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق؛ هؤلاء هم صمام الأمان للإنسانية، وهم اليمن والبركة للناس في كل الأزمان؛ فمن يوفي بعهد الله فإنه يعبده مخلصاً له الدين، ويتعامل مع الناس بتواضع وحب؛ فكلهم إخوة له في الله والدين أو في الإنسانية؛ وأكرمهم عند الله أتقاهم، وبهذا لا ظالم ولا مظلوم، ولا غانم ولا محروم؛ الأرض وضعها للأنام وهذا ميثاق على الناس وهؤلاء الموفون بعهد الله لا ينقضون هذا الميثاق فالوفاء لله هو الحق، وما لهم من ودونه من واق. 

ثانياً: فإن هؤلاء أولي الألباب؛ (يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ)؛ فما يستحقه الناس من رزق الله، وما يسأله الناس من أسباب الحياة؛ يصلونه ولا يمكن أن يتسببوا في توقفه أبداً؛ بل يحرصون على تدفقه بسلاسة ويسر إلى كل يد، إنهم أناس يعلمون أن الله يعلم السر وأخفى، فهم يخشون ربهم في كل حال، ويخافون منه الحساب؛ لأنهم يوقنون أن إليه المآب، وأن كل صغيرة وكبيرة قد أحصاها الكتاب؛ فأعمالهم كلها صالحة، وأقوالهم للناس حسنة، والناس كلهم أحباب، وهم يبتغون ربهم الوهاب؛ ومع هذا الجمال؛ وهذا الحب والوصال بين الناس في كل حال؛ فإن خشية الله ذي الجلال، واليقين بأن إليه المآل؛ صفة تجعل الناس في سعادة وأمان، وتمحو عنهم الطغيان والعدوان؛ إنها أخلاق قرآنية تسعد الإنسانية، وبالإضافة إلى تلك الصفات الجميلة؛ فإن لهم أخلاقاً تسمو بهم إلى مقام رفيع من العمل الصالح الجميل؛ تلك هي: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ..(22)) [سورة الرعد]؛ إنه الصبر على الوفاء والعطاء، والصبر على حمل الميثاق؛ فهو صبر دائم يبتغون بذلك وجه الله لا الرياء، ولا يؤذون الناس بالعطاء ولا يمنون به، ولكي تدوم صلتهم بربهم فإنهم يقيمون الصلاة فهي معراج لهم كل حين إلى ربهم الجليل، وهي نور لهم مشع بالعمل الجميل، فهي قائمة معهم في الأعمال، دائمة معهم في الأقوال، فلا يعملون الأماني ولا يقولون إلا حسنا، ولهذا فهم ينفقون مما رزقهم الله سراً وعلانية، ففي أموالهم مجال لتشغيل البطالة، وتلبية لحاجة القلوب السائلة، ولإغاثة المحروم وتحسين أحواله، إنهم يعلمون أن المال مال الله وهم مستخلفون فيه، فهم ينفقونه في سبيله وفيما يرضيه، وهم مع هذا العطاء لا يمنون على الناس ولا يؤذونهم، بل إن من أساء إليهم يقابلونه بالحسنة، ومن اعتدى عليهم يدفعونه بالإحسان؛ لأنهم يوقنون بأن الجزاء عند ربهم الرحمن، فما عندهم ينفد وما عند الله باق؛ إن هذا مقام في الإحسان سامق، وخلق قرآني عظيم شاهق؛ ولهذا فإن الله ربهم يشير إليهم بإشارة الإكرام والتعظيم فيقول: (أُوْلَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ(22)) [سورة الرعد]، فهم وحدهم المختصون بالعقبى الحسنة في دار النعيم الدائم، وهي قوله تعالى: (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ(23)سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ(24)) [سورة الرعد]. لقد كانوا ظل سلام للناس في الدنيا، فكانت دار السلام لهم مقاماً في الأخرى (..وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسْ الْمُتَنَافِسُونَ(26)) [سورة المطففين]، (وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ(9)) [سورة غافر] صدق الله العظيم.

موسيقى

وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال الآن؛

ستجدون في الجزء الثالث والعشرين من القرآن، آيتان كريمتان تخبرنا أن القرآن نبأ عظيم هام؛ لكن الناس عنه منصرفون؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: