الْمَسْجِد الْحَرَام

إن المسجد الحرام كلمة وردت كثيراً في القرآن وهي في مفهوم المفسرين تعني المكان الذي يطوف فيه الناس ويسجدون وفيه يتعبدون ويجتمعون ، أو فلقد كانوا يعنون بالمسجد الحرام هذا المبنى الذي يحيط بالصحن المعد للطواف ، والذي يتوسطه المبنى الأصغر الذي بناه إبراهيم ورفع قواعده فهل هذا الفهم صحيح ، تعالوا نقرأ القرآن : يقول الله (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ) الإسراء 1 ، لنتأمل الآيات بإمعان ولنسأل أولاً هل الإسراء تم من المسجد الحرام المتعارف عليه بيننا بأنه المبنى المعد للصلاة والطواف؟؟ إن الجواب على السؤال بلا شك يؤكد أن الإسراء تم من مكة أو من بيت من بيوت مكة ، لا من المسجد الذي للصلاة المعهودة ثم هل كان المبنى الذي كان يجتمع فيه القرشيون حول الأصنام مسجداً لله؟ وهل كان فيه صلاة؟؟  كلا.  بل الله يقول (وَمَا كَانَ صَلاَتُهُمْ عِندَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكَاء وَتَصْدِيَةً) الأنفال 35 إذن (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ليس المراد به إلا البلد الأمين بكامله ومحتواه ، ولا يقصد به إلا البيت الحرام بمعناه الذي عرفناه ، لقد أسري بالنبي من المنطقة التي هي مكة أو البلد المسمى بالمسجد الحرام ، قد تسألون ولماذا سمي بالمسجد الحرام ؟ وأنا أسأل هل وَصف المسجد بأنه حرام يعني أن الحرم مقصور على المبنى؟؟ إذا كان المسجد هو المبنى فإن هذا يعني أن الحرم محدد به وهذا غير صحيح فالحرم هو البلد الكامل الشامل المناطق الحرام كلها ، التي يعرف الناس حدودها ، وبدايتها ونهايتها ، بلا لبس ولا خلاف ، وعليه فالمسجد المراد به كل المنطقة الحرام .

أما لماذا سمي مسجداً فهو لأنه محل للطاعة والخضوع والانقياد لله والخشوع والتزام سلوك معين معهود للناس مشروع ، فلا رفث فيه ولا فسوق ولا جدال ولا خصام ولا اعتداء ولا قتال ، بل سلام واطمئنان لكل مقيد وباد. ومن يرد فيه بإلحاد ، فأن العذاب له بالمرصاد ، وهكذا سمي البلد مسجداً ، ووصف بأنه الحرام ، لأنه هكذا محكوم فيه بالطاعة والالتزام وهو معهود للناس بشكل عام ، سواء من كفر وغادر الإسلام ، ومن استجاب بعد ذلك للإسلام ، فهو المسجد الحرام ، الذي حكمه معروف ، والتحريم فيه مألوف ، والقتل فيه مكفوف ، وهو بالاحترام محفوف ، فالمسجد الحرام هو البلد بكله ، والمسجد الحرام هو المنطقة الحرام الكاملة.

ثم هل هناك حين أسري بالنبي مسجد في القدس ، كلا بل كان هناك كنائس وأديره لليهود والنصارى ، فلماذا سمي إذن المسجد الأقصى؟  لأنه مقام عبادة وطاعة لله ، ومحط سلام واطمئنان ، فالسجود يعني الخضوع والاستسلام والمسجد يعني موطن التمسك بذلك والالتزام ، فهو المسجد الأقصى ، أي المكان أو البلد الذي يحترم فيه الناس بعضهم بعضاً. ثم إذا كان المراد بالمسجد الأقصى هو الكنائس والأديرة والبيع النصرانية فلماذا وصف بالأقصى؟

إن الأقصى لا يوصف إلا بلد كامل أو مقام واسع الأرجاء أو منطقة يسكنها الناس ويعيشون في سلام شامل وعطاء

ولهذا أضاف الله صفة أخرى فقال (الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) فالبركة منشورة على كل بقعة فيه وعلى ما حوله ولقد وصفها الله في آيات أخرى بقوله عن إبراهيم (وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ) الأنبياء 71 ويقول عن سبأ :(وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً)سبأ 18  ويقول عن سليمان وهو كان في القدس (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) الأنبياء 81 إذن فهي أرض ، وسماها الله مسجداً فقال (إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ) وعليه فالمسجد الحرام هو الأرض الحرام كاملة ، وهي التي حرمها الله ،

وبعد تعالوا إلى آية أخرى هي قولة تعالى : (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا) الفتح  27 وقال  (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ) الفتح 25 فهل المسجد الحرام هنا يعني المبنى الذي للطواف أم البلد والأرض الحرام كاملة لا شك أن المراد به مكة الأرض المحرمة المحددة المعروفة الطول والعرض ، وهكذا فإن المسجد الحرام هو البلد الحرام هو البيت الحرام هو الكعبة الحرام. فالرسول لم يرد دخول المسجد فقط الذي فيه يتعبد ، ولكن أراد الأرض والبلد الذي هو حرام ، وله حد محدد ، معروف من الأبد. إذا أردتم المزيد من الأدلة ، فاسمعوا هذه الآية :(كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلاَّ الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) التوبة 7 والمراد بهذا العهد هو ما عقده النبي مع بعض القبائل القاطنة على حدود الأرض الحرام ، ويقول الله عن الحديبية التي تم فيها الصلح مع قريش (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُم بِبَطْنِ مَكَّةَ مِن بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) الفتح 24  فسمى الحديبية بطن مكة ، أي أنها على حدود البلد الحرام. ثم أن هناك آية تؤكد أن المراد بالمسجد الحرام هو البلد أو الأرض المسكونة ضمن المنطقة الحرام ، يقول الله في سورة البقرة عن من حج متمتعاً بالعمرة إلى الحج (ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ)  فهل الأهل يسكنون في المسجد المصلى أم في البلد الذي جعله الله للناس حراماً. وقبلها يقول الله للمؤمنين (وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) البقرة191 فهل القتال يكون عند الأرض التي تسكن فيها ، أم عند المسجد الذي يصلى فيه؟  إن المراد الأرض المسكونة. إذن فالمراد بالمسجد الحرام الأرض التي هي محرمة أو البلد الحرام . ثم تعالوا إلى سورة الحج .. يقول الله :(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) ثم يصفه بقوله (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) ثم يقول (وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ) الحج 25  فهل العاكف والباد من الناس يسكن في المسجد المصلى ، أم في البلد الذي يسع الجميع ويكون للناس سواء؟ إن الوصف يؤكد أن المراد بالمسجد الحرام هو الأرض الحرام كاملة المسماة بالبيت الحرام ، الذي هو (أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) وهو (الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاء الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ) فالمسجد الحرام هو البيت الحرام. ثم تعالوا أخيراً إلى سورة الأنفال :(وَمَا لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُواْ أَوْلِيَاءهُ إِنْ أَوْلِيَآؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ) الأنفال34 ، لا شك أن المراد هنا هو البلد الحرام بأكمله لا مجرد المسجد الصغير بداخله. وهكذا نصل إلى النهاية في هذا الموضوع عسى أن يكون مقبولاً عندكم باقتناع.

2 Thoughts on “الْمَسْجِد الْحَرَام

  1. بارك الله فيكم وكثر من أمثالكم أثلجتم صدري بقولكم إن المسجد الحرام هو مكة البلد الحرام .. ولكن لدي سؤال ألا يمكن أن يكون المسجد الاقصا تعني المدينة النبوية وتحريمها كما حرمت مكة المكرمة وحادثة الاسراء هي حادثة الهجرة والدليل قوله تعالى في سورة الاسراء( وماجعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس … الآية ) وقال سبحانه في سورة الفتح ( لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق ) أفيدوني أثابكم المولى

    • عبدالفتاح إسماعيل الكبسي on 19 أغسطس، 2012 at said:

      بسم الله أقول إن المسجد الاقصى يقع في الارض التي بارك الله فيها للعالمين وهذا الوصف يتكرر في القرآن عند الاشارة إلى الوقائغ والاماكن التي حول فلسطين. أما مسجد المدينة فلم يكن بعد فد بني عند نزول سورة الاسراء والواضح عندي أن السورة نزلت قبل حادثة الهجرة كما تشير السورة نفسها في قوله تعالى ” وان كادورا ليستفزونك من الارض ليخرجوك منها وإذاُ لا يلبثون خلافك إلا قليلا” الاية رقم 76. أما الرؤيا التي في سورة الفتح فهي غير الرؤيا التي في سورة الاسراء حيث كانت الرؤيا في الفتح – كما تقول الاية – دخول المسلمين المسجد الجرام آمنين وذلك لم يتم إلا بعد الهجرة بسنوات عديدة.والله ولي الهداية والتوفيق.

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: