المرأة والطفل في القرآن (7):كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على محمدٍ رسول الله، وعلى من سبقه من المرسلين، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ آمين.. وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين، ومرحباً بهم أجمعين.

ندعوكم اليوم لمواصلة المشاهد الجميلة، مع امرأة عمران الصالحة النبيلة.

لقد شاهدناها أمس وهي تسلم ابنتها المولودة مريم، إلى يد ربها الأكرم، وتعيذها وذريتها به من الشيطان، موقنة بأن ربها هو الرحمن، الذي بيده الملك والقدرة والإحسان، ولقد استجاب ربها النداء، ولبى الأمل والرجاء، فقال لنا وللناس جمعاء:

(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا..).

فبماذا تكفل زكريا لمريم؟.

لقد تكفل كريا بالرعاية لها في المعبد، وتوفير الطعام والشراب، وكلما يهم الجسد، لكن الله ربها، تكفل لها بالغذاء العقلي والزكاء النفسي، وهو العلم الذي يناله العباد المخلصون، ولا يعطيه إلا رب العالمين، وكيف لا وقد تقبلها بقبول حسن، إن الحسن عند الله يعني الكمال والجمال والوفاء، والارتفاع إلى مستوى سامقٍ من التقوى والنقاء، ثم ماذا؟.

(..وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا..) [سورة ].

فكيف يمكن أن يكون هذا الإنبات، وهو الذي يتولاه الله رب الكائنات؟!

لا شك أنه إنباتٌ لا يحد، وخصبه لا ينكد، وعطاؤه لا ينفد، أليست في رعاية الله الواحد الأحد، الذي لم يكن له كفواً أحد!!

إن من تولاه الله هداه، ومن هداه زاده علماً وحكمه، ومن نال العلم؛ فقد سلم قلبه من الهم؛ (..أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28)) [سورة الرعد].

ومن نال الحكمة؛ فقد نال أجل النعمة؛ (وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا..(269)) [سورة البقرة].

وهكذا أوفى الله بما تكفل، وأعطى مريم ما تستحقه من العطاء الأجل، وهذا هو الذي أدهش زكريا وأذهل، فكان يدخل على مريم المحراب، ليحمل إليها الطعام والشراب، فيجدها في سموٍّ عن المتاع، وفي خشوعٍ لربها الوهاب؛ (..كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا..)، فما هو الرزق؟، هل هو طعامٌ وشرابٌ، وفواكه وأعناب في غير الموعد كما يقال؟، إن زكريا هو المتكفل بهذا الطعام للجسد، وإن الرزق الذي كان يجده عند مريم؛ هو العلم والمعرفة بالله الأعظم، هو الفهم والحكمة الذي يرفع الإنسان إلى المقام الأكرم، ولهذا فإن زكريا وهو يرى مريم تفوق أولي الألباب، لا يتمالك أن يسألها باستغراب:

(..قَالَ يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا..)؟.

إن هذا  الأسلوب في صياغة السؤال يعني أن الرزق الذي كان يجده هو رزق لا يتعلق بالجسد، ولكنه رزقٌ أسمى وأمجد، وأنفع وأخلد، ولهذا صاغ السؤال بأسلوبٍ يليق بما يرى، وبما لدى مريم من العطاء، (أَنَّى لَكِ هَذَا)؟.

وها هي تجيب بما يقطع الحيرة، وينير السريرة؛

(..قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ..).

نعم ؛ فلا يعطي العلم والهدى، ولا يمنح النور والزكاء إلا الله جل وعلا، فمن اتجه إليه أعطاه، ومن قنت له هداه، ومريم كانت من المؤمنين، وكانت من القانتين، فجاءها الرزق من ربها الوهاب، ولهذا فإنها قالت في ختام الجواب:

(..إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ(37)) [سورة آل عمران].

وهكذا كان رزقها الحقيقي هو العلم والعرفان، ولهذا كان زكريا يتساءل في كل حالٍ وآن؛ لأنه يجد علماً يفوق الحسبان.

وبعدُ فإن ما سردناه وحققناه يجعلنا نحرص على أن يكون أهم رزقٍ لأولادنا هو العلم والحكمة أولاً، وهو العلم والحكمة ثانياً، وهو العلم والحكمة أخيراً، فهو الرزق الأسمى والأبقى، وهو الخير الكثير الأنقى، من الله ذي العُلى:

(يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الْأَلْبَابِ(269)) [سورة البقرة].

وهذا هو ما حرص عليه وتمناه زكريا، وهو يرى هذا العطاء لدى مريم العذراء، فكيف عبّر عن هذا وكيف دعى؟؛ هذا ما سنعرفه بإذن الله غدا.

والآن.. أيها الإخوان؛ فإن السؤال قد حان؛

هناك آيةٌ في الجزء السابع من القرآن، تذكر بسؤالٍ يوجهه الله إلى عيسى عليه السلام، يوم يقوم الناس للحساب، إنه سؤالٌ هامٌ خطير، ولكن عيسى يجيب عليه بقلبٍ مستنير، ويواجه الموقف بعقلٍ مسبحٍ موحدٍ لربه العليم، معظمٍ مقدرٍ لربه العلي العظيم، فهل عرفتم الآية، إنها واضحةٌ لمن يرتل القرآن بعناية.

إذا عرفتم فارسلوا برقمها وسورتها وجزئها، ونرجو التوفيق والسداد؛ والسلام عليكم ورحمة الله..

الحل هو الآية رقم “116” من سورة المائدة.

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: