المرأة والطفل في القرآن (8):هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام منه على رسوله محمد وعلى كل رسل الله من قبله، وعلى من اتبعهم بإحسانٍ، آمين؛ وبعد:

السلام على المستمعين، ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم؛

لقد وعدناكم في حلقة أمس أن نقف مع زكريا وهو يتعجب أشد الإعجاب، بما تناله مريم من الرزق وهي في المحراب، لقد عرف أنه رزقٌ خاصٌّ، يناله أولو الإخلاص، إنه العلم والتقى، والصلاح والزكاء، والحكمة والنقاء، إنه معرفة الله ذي العلم والقدرة، وتقديره حق قدره، هذا هو العلم الذي نالته مريم من ربها الوهاب، وهذا هو الرزق كان يأتيها ويتوالى بازديادٍ وبدون حساب، وهذا هو الذي أثار في زكريا الغبطة والإعجاب، فاتجه إلى ربه بلا ارتياب، موقناً بأنه يسمع النداء، وأنه يجيب من دعى، وكيف لا وقد قال في سورةٍ أخرى، (..وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا(4)) [سورة مريم].

فماذا قال زكريا هنا؟ وبماذا دعى، وهو يرى على مريم من العلم ما يرى؟.

استمعوا إلى الله وهو يحكي لنا ما جرى، ويأخذنا إلى هناك لنسمع ونرى، ويقول:

(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ(38)) [سورة آل عمران].

لقد سأل الذرية الطيبة ولم يسأل الذرية الدنيوية، التي تهُبُّ إلى المتاع الفاني، وتحب المال أكثر من الله الباقي، وهكذا فإن المؤمن ينجذب إلى مثله، ويتمنى لنفسه ولذريته ما ناله الصالحون من النعمة، ويرجو أن يزيدهم الله من العلم والحكمة، فذلك هو الأمل الأجمل والأسمى، وهو للإنسان المهمة العظمى، ولهذا أراد زكريا أن تكون ذريته ذات علمٍ وتقوى، تحيا به وتكرُم، كما كَرُمت ورزُقت بالعلم مريم، لقد سأل الله ذلك في الحال، موقناً من إجابة السؤال، فهل كان الجواب كما توقع؟. نعم نعم؛ لقد جاء الجواب بما يَشفي، وجاءه من البيان ما يكفي، وجاءته البشرى بعطاء ربنا الوفي، فاستمعوا معي:

(فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ(39)) [سورة آل عمران].

أسمعتم؟.

إنه عطاءٌ يتدفق، ومحالٌ يتحقق، وبُشرى لم تُسبق، رجلٌ بلغه الكبر وامرأته عاقر، واستحالة الإنجاب أمرٌ ظاهر، لكن النداء يأتيه بالبشائر، بمولودٍ له صفات الشباب التقي الطاهر،استمعوا إلى الصفات تتوالى كالغيث المتسارع القطرات..

(أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى).

فالبشرى من الله والبشارة ولداً اسمه يحيى، فهو سيحيى مذكوراً على المدى بالحسنى، وكيف لا وهو كما يصفه ربه:

(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنْ اللَّهِ).

فهو أول المصدقين بعيسى، ثم ماذا؟

(وَسَيِّدًا).

أي أنه سيدٌ على هواه ونفسه وعبدٌ لربه.

(وَحَصُورًا).

أي أنه يحاصر نفسه عن الهوى، ويحصرها في طاعة ربه ذي العلى.

(وَنَبِيًّا).

نعم ينبئ الناس بما لا يعلمون، ويخبرهم بما كان ويكون؛ لأنه يأتيه من العلم ما لا يعرفون، وليس هذا فقط، بل هو نبي من الله مع النبيين. وفوق ذلك هو:

(مِنْ الصَّالِحِينَ).

صفاتٌ تتوالى، وميزاتٌ تتعالى، ومقاماتٌ تتسامى، لتجعل هذا الغلام، في مقام الحب والإكرام، وهذا ما يؤكده الله العلام في سورة مريم فيقول: (..وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12)وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا(13)وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا(14)وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا(15)).

وهذه الصفات هناك هي المطابقة لمعنى: (وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنْ الصَّالِحِينَ).

وهل الصلاح وهل السيادة، إلا طاعة الله وإخلاص العبادة؟.

وهل الحرية وهل الكرامة، إلا الخشوع لله واتباع هداه؟.

وهل العز والأمان، إلا الأخذ بكتاب الله بقوةٍ وإحسان؟.

وهل السلام والاطمئنان، إلا اتباع الرسل واتباع الذكر من الرحمن؟.

وهذا هو ما سأله زكريا لذريته ولنفسه، كما شاهده في مريم ابنة أخت زوجته. وهكذا فإن على كل أسرةٍ أن تحرص على أن يطيب النسل من الذكر والأنثى، وعلى أن يتعلم الذكر والأنثى، وأن تحرص على أن يتنافس الذكر والأنثى، على التقى والزكاء، لا على اللهو واللعب واتباع الهوى.

وكل هذا يكون في إطارٍ من خشية الله والمحبة، وعلى طريقٍ من الرغبة والرهبة، والذكر والتسبيح برغبة، ولهذا فإن الله يأمر زكريا بعد البشرى بقوله:

(..وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ(41)) [سورة آل عمران].

فلنكن من الذاكرين المسبحين لذي الجلال، لننال من عطائه المحال، وليصلح لنا الأولاد والبنات في كل حال، أليس في زكريا لنا المثال؟!

وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال قد حان..

سؤال اليوم في الجزء الثامن من القرآن. ابحثوا في هذا الجزء عن آية، تصف بعض الأولين باقتراف فاحشة ما سبقهم إليها أحدٌ من الأقدمين، وبها كانوا من المسرفين، فهل عرفتم الآية؟، إذا عرفتم فابعثوا برقمها وسورتها وجزئها.

والسلام عليكم ورحمة الله.

 

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: