المرأة والطفل في القرآن (9): إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وخاتم النبيين، وعلى كل الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبعهم أجمعين، وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين، ومرحباً بهم.. ولعلهم قد عرفوا أن سماء المرأة في القرآن واسعة، وأن مقامها رفيع..

فلقد كرم الله مريم ابنة عمران، وأنبتها نباتاً بإحسان، وجعلها آيةً للنساء وللناس مدى الأزمان، فلقد أحصنت فرجها فكانت آيةً في الطُهر والنقاء، وفي القنوتِ والتقى، وفي الطاعة والزكاء، لقد وصلت إلى هذه المرتبة بعون الله، الذي علم عنها من الخير ما لا نراه، ثم جاءها منه في محرابها النداء؛

(وَإِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42)) [سورة آل عمران].

إنه التكريم، والعطاءُ الكريم، وإنه لرمز لمقام النساء العظيم، فتاةٌ طاهرةٌ حصينة، يأتيها النداء من ربها بالبشرى والاصطفاء، فإذا هي تزيد إلى الله افتقارا، وتتقرب إليه بما يرضى، ولهذا زادها الله من الأعمال، ما يجعلها تسمو إلى الكمال؛

(يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)) [سورة آل عمران].

إن الاصطفاء مرحلةٌ تتلوها مرحلةٌ أسمى وأعلا، هي مرحلة القنوت والسجود، والركوع لربها المعبود المحمود.

إن السجود له عز، وإن الركوع له علو، وإن القنوت له قوة وأمان، وكيف لا والعبد قد سلم نفسه لربه الرحمن، وصار من الذين اصطفاهم الله لينيروا درب الإنسان، وليس هذا خاصٌ بالرجال بل شاملٌ للرجال والنسوان، وها هي مريم أمامنا شاهدٌ على أن المرأة لها شأن، ما دامت عابدةٌ مستسلمةٌ لربها المنان، بل إن استمرارها على هذا الطريق الجميل، وسموها على هذا المعراج الجليل، يزيدها عند ربها حباً، وتصبح أكثر قرباً، لنشاهد مريم العذراء، وهي تستجيب لربها فتكون من القانتين، وتحب ربها فتكون راكعةً مع الراكعين، طائعةً مع الطائعين.

لقد انفرج هذا المشهد الجميل، عن بشارة تصنف عند الناس بالمستحيل، ولكن لا شيء يعجز الله الجليل، فلنستمع النداء الثالث القادم، وهو يهز مسامع العالم، ويطبع على جبين الزمن أهم المعالم.

ومن أين هذا الحدث ينطلق؟.

من محراب امرأةٍ تسمى مريم، فاستمعوا ربنا وهو يذكرنا بذلك عبرةً وآيةً للعالمين؛

(إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ(45)) [سورة آل عمران].

أسمعتم؟!.

فتاةٌ عذراء قانتة لله، تبشر بكلمة من الله، ومولودٍ ستؤتاه، وزيادة في فضل الله عليها، فإنه قد سماه لها ثم أعطاه من الصفات ما يبهجها؛ (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ).

يا للعطاء السخي الأمجد، ولكن هل انتهى العطاء عند هذا الحد؟.

كلا بل إن لهذا المولود ميزة أخرى، هي بحد ذاتها آية كبرى، وهي:

(وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنْ الصَّالِحِينَ(46)) [سورة آل عمران].

هل أنتم معنا في هذه المفاجئات المذهلة؟.

هل أنتم متابعون هذه الخيرات المتواصلة؟.

مولودٌ يأتي بلا والد، ثم يكلم الناس في المهد بكلام الصالح العابد، أليس في هذا ما يجعلنا نوقن بأن الله هو العليم القدير؟، وأنه بكل شيءٍ بصير؟، وأنه بعباده خبير؟، وأن للمرأة عنده تقدير؟، وللأطفال حمايةٌ وتدبير؟.

فها هو مع مريم في محرابها ينادي ويبشر، ويخلق ويختار ويقرر، ويجعلها مع ابنها آيةً للناس لا تنكر، وكل ذلك فضلٌ من الله يتكرر، لكل عبدٍ عابدٍ شكر، فلنشكر ولنسجد، ولنذكر الله ولنعبد، لنال منه ما لا ينفد، فهو الله الصمد، الذي يرجى ويقصد، وإليه كل شيءٍ فقيرٌ وإذا سأله وجد.

لنعد إلى مريم من جديد، هل انتهى العطاء أم أن هناك المزيد؟.

قبل أن نجيب، نسمعها وهي تسأل ربها باستغراب، لكنه يكسوها بالاطمئنان الحامل حسم الجواب، فلنستمع..

(قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ .. ).

هكذا كان السؤال، إنه سؤال من يظن البشرى كالمحال. لكن ربها يجيب في الحال، مؤكداً قدرته التي تفوق الخيال؛

(..قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(47)) [سورة آل عمران].

إذن فما على مريم إلا أن تسلم لما قضى الله وأن تستعد لما يكون، فإنها في رعاية ربها رب العالمين، وهو الحامي المعين، ولا تخاف قول الإفك من القائلين، ومولودها سيفحمهم بالكلام المبين، وهكذا فإن الولد الصالح هو الذي يصون أمه ويحميها، وأن الأم الصالحة هي التي تنال من الأولاد ما يسرها وتقر به عينها، ولهذا فإن علينا أن نسأل الله أن يهب لنا من أولادنا وأزواجنا قرة أعين، وأن يهدينا إلى اتباع ما هو أحسن، فإنه المعراج إلى مقام من أحسن.

والآن أيها الإخوان، جاء موعد السؤال..

هناك في الجزء التاسع من القرآن آية كريمة، تحكي أقوالاً أثيمة صدرت من كبار القوم في المدينة، تصف رسول الله وآيات الله بالإفساد في الأرض وإخراج أهلها منها، وتحث القوم على إصدار أمرهم فيها.

هل عرفتم الآية، إنها واضحة معروضة على الملا، يعرفها من تلا، فأرسلوا رقمها وجزءها إذا عرفتم، ونرجو لكم التوفيق، والسلام عليكم ورحمة الله.

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: