المرأة والطفل في القرآن (10): قَالَتْ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ۖ قَالَ كَذَٰلِكِ اللَّـهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ إِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ

بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمدٍ وعلى الأنبياء والمرسلين، وعلى من اتبعهم ، آمين؛ وبعد:

السلام على المستمعات والمستمعين، ومرحباً بهم أجمعين؛

ندعوكم اليوم لمشاهدة وعد الله كيف ينفذ ويصدق، فهو كما يقول: (..إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(47)) [سورة آل عمران].

وهكذا قال لمريم، وهو يبشرها بعيسى، فإذا الأمر كان، والمولود تكون واستبان، ثم تعالوا معنا إلى سورة مريم، وهي السورة التي سميت باسم هذه المرأة الصديقة، لقد خصت بها لتدل على مكانة المرأة عند الله، وأن للمرأة شأناً يجب أن يدركه الناس ويفهموا مغزاه، فيكونوا مع المرأة متقين خاشين الله، يعاملونها بما يرضاه.

ها نحن الآن معكم في سورة مريم، نعم سنجد في سورة مريم صورةً حيةً للولادة، مكاناً وزمناً وحركةً وحدثاً فلنشاهد معاً حكاية مريم عند الولادة.

(فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا(23)).

إنها الآن في حالة الولادة، فها هو المخاض يلجئها إلى جذع نخلةٍ جافة يابسة، ويبدو أن الزمن شتاء فالنخلة لم يبق منها إلا الجذع، والجو مكفهر من الخارج حول مريم، والجو مكفهرٌ في نفسها، ها هي تلد بلا زوج ولم يمسسها بشر، فكيف ستقول للناس، وبماذا ستبرر الحدث؟، ولهذا تمنت أن تكون قد ماتت، أو أصبحت شيئاً مهملاً لا يذكر، كانت في هذه الحال، وعلى هذا الاضطراب الشديد، مخاضٌ وخوفٌ وبردٌ وألم، وتوقع لما يؤلم، كانت في هذا كله ولم تدر أن البشارة والفرج سيأتي من عندها، بل ومن تحتها، فبينما هي تتمنى الموت والإهمال، يأتيها الإنقاذ في الحال، لقد خرج الولد وأصبح ينطق بأفصح المقال؛

(فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا(24)وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا(25) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا..).

يا سلام!! هنا الآيات تتوالى وتتلألا.. امرأةٌ تلد بلا زوج، ومولودٌ ينطق في المهد، ومن الأرض يتدفق نهرٌ للشراب، ومن الجو نخلةٌ يابسةٌ تتحول إلى ثمرٍ تساقط رطباً جنيا، فما على الوالدة الكريمة إلا أن تأمن بأن ولدها هو المدافع عنها، والقاطع كل مقالٍ وبهتان، فها هو ينطق في المهد، ولا بد أن يدافع عنها في كل مكان، ثم ها هو الماء والثمر متوفرٌ لحاجة الأنثى الولود المرضع، فالله هو الرازق العاطي وهو لعباده لا يضيع، وهنا تعزم مريم كما قال لها ربها على أن لا تتكلم مع أحد؛

(..فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَانِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا(26)).

وهكذا استمرت صامتةً صائمةً ترعى ابنها وترضع، وتأكل من الرطب الجني، وتشرب من الماء الهني؛ حتى إذا اطمأنت على حالها، واستعادت قوتها، وجمعت جأشها وجرأتها، قامت لتقطع الأقوال، وتبلغ القوم بهذا المولود النادر، وبما وهب ذو الجلال؛

(فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ..).

لقد جاءت إليهم موقنةً بأن الولد، هو الذي سيتولى على الأسئلة الرد، وسيلجم البهتان، بالكلام الذي يبهر الأذهان، وإنها لمتوقعة منهم ذلك، ولكنها في اطمئنان، وها هم يباشرونها بالبهتان؛

(..قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا(27)يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا(28)).

لقد اتهموها بالافتراء على الله، وأرادوا نفي السوء عن أبيها، والبغاء عن أمها أن يلصقوا الصفتين بها، ولكنها ظلت صائمة صامتة، موقنةً بأن ابنها عنده الكلمة القاطعة، والدليل الناطق؛

(فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ..).

يعني لا تكلموني أنا وكلموا ولدي هذا فإنه هو الذي سيحاوركم، لكنهم يستغربون؛

(..قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا(29)).

إن هذا أمرٌ مستحيل، أن يتكلم أمام القوم مولود، لكن المحال يصبح حقيقةً في الحال، والحق ينبلج ليقطع كل جدال، والمولود ينطق فيخرس كل الأقوال؛

(قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا(31)وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا(32)وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا(33)).

وهكذا تصبح البشارة لمريم، واقعاً ملموساً وحقيقةً تُعلم، وتصبح هي وابنها آية للعالمين بفضل الله الذي خلق وهدى وعلم، فالله يعطي الصالحات ما لا يتوقعه الخيال، ويهب القانتات من النساء ما قد يفوق الرجال، لأن المقياس عند الله هو العبودية والإخلاص في الأعمال، فمن أخلص الدين نال، ومن ارتاب كان في ضلال، وعليه فإن الطريق للأسرة الصالحة والأولاد الصالحين، وأن السبيل إلى سلامٍ في الدنيا والآخرة وفي كل حال، هو الإيمان والاستسلام لعلام الغيوب، واليقين بأنه السميع المجيب، وأنه لمن دعاه القريب.

ولقد كانت مريم مثالاً للمرأة الصالحة، التي يجب أن تقتدي بها النساء، في الطهر والقنوت والتقى، وفي العفة والنقاء، وفي التصديق بآيات الله والهدى، فمن اتبع هذا الطريق نال ما تمنى.

إن قصص الصالحين في القرآن ليست للتسلية والأسمار، ولكنها للتبصير والاعتبار، ولإيقاظ الناس من الغفلة والمنام، وإخراجهم من الظلام إلى نور الله المبين، وإلى سبيل الأنبياء والصالحين.

وبعد أيها الإخوان، فإن السؤال قد حان..

هناك آيةٌ في الجزء العاشر من القرآن، تفند ادعاء النصارى وقولهم الباطل في المسيح بن مريم، وتصف أقوالهم بالإفك الأعظم، فلا يعتمدوا لهم إلا على أوهام من سبقهم في الكفر من الأمم.

فهل عرفتم الآية؟. إذا عرفتم ابعثوا برقمها وجزئها وسورتها، والسلام عليكم ورحمة الله.

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: