المرأة والطفل في القرآن (11): وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام منه على رسول الله محمد الأمين، وعلى من سبقه من المرسلين، وعلى من اتبعهم، آمين؛ وبعد:

السلام على المستمعين ورحمة الله، ومرحباً بهم..

لعل الحديث عن المرأة يجر إلى الحديث عن الرجل، بل أن هذا ضروريٌّ ولازم، فما الحديث عنها إلا على أساس علاقتها بالرجل، واتصالها به واتصاله بها، وعلى هذا الأساس كان هذا الموضوع هو محور هذه الحلقات، فيا ترى أين سنذهب اليوم؟ وإلى أي قضيةٍ سنتجه؟.

سنتجه إلى قضية الزواج والطلاق، فهي القضية الهامة، وهي التي تتصل بعلاقة الرجل والمرأة بصفةٍ دائمة، فهما إما في زواجٍ ولقاء، أو في فراقٍ وجفاء؛ لكن لو تأملنا القرآن لوجدنا أن الله جعل قضية الزواج واللقاء سهلةً ميسورة، فلا حواجز أمام لقاء الزوجين، إلا رضاء الطرفين، وموافقة الوالدين، وأن يكون اللقاء على هدى الله رب العالمين؛ ولهذا جعل الأزواج آيةً من آياته فقال:

(وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ(21)) [سورة الروم].

وما دامت الزوجة سكناً لزوجها، فهو أيضاً سكنٌ لها، ولهذا فاللقاء لا بد أن يتم على المودة والرحمة، وعلى طاعة الله وشكر النعمة.

ولكي تبقى هذه المودة وتشع الرحمة في الأسرة، فإن الله يؤكد لنا على الحرص على بقاء بناء الأسرة، وأن لا نهدمها بمجرد الخلاف البسيط، أو الشقاق الرقيق، الذي يمكن فيه التوفيق، إن الفراق لا يتم إلا بإجراءاتٍ متطاولة، وبعد محاولات للإصلاح متواصلة، وبعد خطوات شرعية واجبة غير مهملة، فإذا تعدى الإنسان ما أمر الله به وهدى، فقد ظلم نفسه.

ولهذا فإنه تعالى يحثنا على الصبر وحسن المعاشرة، والابتعاد عن الأوهام المدمرة؛

(..وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا(19)) [سورة النساء].

إنها دعوةٌ حسنة للصبر والاطمئنان، وحسن العشرة بإيمان، فلا ننساق لأوهام الهوى، ولا نتبع الظنون والغوى، إن ذلك قد يجعل بين الزوجين الكراهية العمياء، فيحدث من الرجل ما يظنه خيراً وهو خطرٌ وشر، وهدمٌ للأسرة، وقطعٌ للرحمة، فالله ينصحنا بهدوء؛ إن الكراهية قد تكون وهمية، وإن التمهل والتأني الصبور، قد يكون فيه الخير الكثير، خير يأتي به الله العليم الخبير، ولهذا قال في ختام الآية: (وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).

فلنثق بوعد الله، ولا نتعجل في ما لا يرضاه، ولنستقبل موعظته باطمئنان، ولا ننزلق في أوهام الشيطان، فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر، والله يعدنا بالجنة والمغفرة لمن صبر.

وإن هذا التوجيه الرحماني، يعني أن الأسرة يجب أن تبقى منعقدة الميثاق، ما دام ذلك ممكن التحقيق، لأن التقوى تتغلب على كل ما يؤدي إلى التفريق، ولأن الصبر والتأني هو إلى الخير الكثير أحسن الطريق، ولكن الله مع ذلك لا يسد على الناس الطريق، ولا يحرم الفراق؛ فإذا كان البقاء يضر الزوجين، ويعطل حدود الله بين الإثنين، وإذا كان الدافع على الفراق، أقوى وأشد من دواعي الاتفاق، فإن الفراق هو الأحسن للفريقين.

ولكن كيف يكون؟.

هل بالانفصال المؤذي والمزعج المهين؟.

هل بالفراق الذي يقطع كل ود ٍويهدم كل صلة؟

كلا؛ ولكنه فراق بإحسان، وتسريحٌ بإكرام للمرأة واعترافٌ بحقها، وسخاء بمالها، وهذا ما يوضحه الله تعالى؛ فإنه بعد التوصية بالصبر والتعسي بالخير يقول:

(وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا(20)) [سورة النساء].

جميلة “إن أردتم”. لقد استعمل كلمة “إن” التي تفيد الشك والاستبعاد للشرط، فكأن هذه الإرادة نادرة، وغير مؤكدة الوقوع إلا عند الضرورة القصوى، وإذا حدث ووقع الاستبدال للزوجة، فلتسرح بالإكرام والإحسان؛ فإذا كانت قد نالت ما يساوي القنطار من الملابس والحلي فهو لها، ولا يصح أن يؤخذ منها أبداً، بل إن الواجب أن يُزاد عليه متاعٌ خاصٌ بالمطلقة، حق على المتقين، وواجب على المحسنين، فكيف يجوز أن يؤخذ منها ما هو لها حقٌّ مكين، ومكتسب لازم مأمون؟، كلا إن الأخذ بهتانٌ بل وإثمٌ مبين.

أسمعتم؟. إنه إثمٌ، والإثم حرام، والإثم أمر الله باجتناب ظاهره وباطنه، فكيف يقترفه رجلٌ مع امرأةٍ عاشرها وسلمت له نفسها!! إنه بهتانٌ يثير الاستغراب والعجب والاستنكار، ولهذا يقول الله مستغرباً مستنكراً؛

(وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا(21)) [سورة النساء].

كيف يا من تدعي الإيمان، تأخذ هذا المال من يد الزوجة الأولى، وقد كسبته بما أعطته من نفسها!! (وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ).

نعم لقد أطلق كل واحدٍ فيها أسراره للآخر وكشف لصاحبه كل مكنون، وفتح له كل مغلقٍ ومستورٍ، بإخلاصٍ وسرور، فكيف يتحول هذا اللقاء الحميم، إلى شحٍّ لئيم، وإلى خُلق ذميم؟! كلا إن هذا لا يليق بالمؤمنين، بعد هذا الإفضاء والتبادل الودي الحميم. ثم تعال واسمع أيها المؤمن، إن عقدك بهذه الزوجة، التي استبدلت بها غيرها؛ إن هذا العقد كان ميثاقاً غليظاً أخذته هي منك واثقة، وأعطيته أنت لها بنيةٍ صادقة، إنه عهدٌ أمام الله على الوفاء والسخاء، والكرم والعطاء، والعشرة الحسنة والفراق بالحسنى.

فكيف تنقض هذا الميثاق الغليظ؟،

وكيف تفك عرى هذا السور العريض؟،

وكيف تهدم أركان الحب المجتمع بالأسلوب البغيض؟.

كلا كلا؛

فلينفق الأزواج ولا يشحوا، وليعطوا وليصلحوا، وليحسنوا ليفلحوا؛ فإن المرأة زجاجةً شفافة، تستحق الاحترام والمحافظة عليها بلطافة، فاللقاء بها يحف بالإكرام، وفراقها يحف بأضعاف الإحسان والإكرام؛ ليدوم في المجتمع السلام، ولينعم الأولاد بالحب والوئام، وإلا شاع في المجتمع الكراهية والخصام، وذلك هو الخسران المبين؛ وبعد:

لقد حاولنا هنا الإشارة السريعة إلى أسلوب وطريق اللقاء، وأسلوب الفراق بين الزوجين؛ كما يريده الله العليم الخبير، لكنا في الحلقات القادمة سنحاول تفصيل شروط الفراق التي يوجبها الله علينا، في حالة استحالة الاتفاق، إنها شروط تدل على اهتمامٍ بالمرأة والأسرة والأطفال يفوق كل اهتمام، فلنتابع الحلقات؛ لنرى أجمل الأحكام والآيات بإذن الله.

وبعد أيها الإخوان؛ فإن السؤال قد حان الآن؛

هناك في الجزء الحادي عشر من القرآن، آيةٌ تعد المحسنين بالحسنى والتيسير الوفير، وتنفي عنهم الفقر والذلة والتعسير، وهو وعدٌ يتحقق يوم النشور، فهل عرفتم الآية؟، إذا عرفتم فابعثوا برقمها وسورتها وجزئها؛ والسلام عليكم ورحمة الله.

اترك تعليقك

Post Navigation

 
%d مدونون معجبون بهذه: