حرية الإنسان في القرآن(3): يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ

بسم الله الرحمن الرحيم، والسلام على المستمعات والمستمعين ورحمة الله، وبعد:

ها نحن في اليوم الثالث من شهر الصيام، ولقد كتب الصيام على المؤمنين، لهدفٍ هامٍّ يعلمه رب العالمين، ولقد حدده في قوله: (يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(183)) [سورة البقرة].

إذن فلقد تحدد الهدف في الآية واتضح وهو قوله تعالى: (لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).

فماذا تعني التقوى؟ وماذا يعني أن يقال رجل متقي؟.

إنهما معاً يعنيان أسمى صفات الإنسان الحر القوي، وأما المتقون فلقد توضح معناهم في أول سورة البقرة حين وصف الله القرآن بأنه: (هُدًى لِلْمُتَّقِينَ(2)) [سورة البقرة]. ثم عرف المتقين بقوله: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)) [سورة البقرة].

إنه بيان كامل يوضح أن المتقي هو الإنسان الكامل، فمن يؤمن بالغيب لابد أن يتحرر من أزمات الواقع المشهود، ويتطلع إلى ما عند الله في الغيب الموعود؛ فإذا لم يتحقق له اليوم أمل، أو لم ينجز له عمل؛ فإنه لا ييأس ولا يتململ، ولا يقنط ولا يكسل، بل يستمر في السعي ويواصل المسير، موقناً بأن لدى الله الخير الكثير، وأن ربه هو العليم بما يحتاجه العبد ولطيفٌ لما يشاء من عطاء وأن ربه بموعد العطاء خبيرٌ بصير؛ (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(14)) [سورة الملك].

وهكذا يطمئن العبد إلى ربه، ويسمو في طلبه، وعليه: فهو حر الفؤاد والمراد، قوي الثبات على الإيمان والرشاد، صابرٌ صادقٌ في سداد؛ ولذلك فهو يتجاوز مرحلة الصبر السلبي إلى الصبر الإيجابي، فهو بتقواه يكون ممن وصفهم الله بعد ذلك بقوله: (وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ(3)) [سورة البقرة].

إنهم يقيمون معنى الصلاة في الحياة؛ فالله عندهم هو المعبود المستعان، وهو المسبح بلا توان، وهو [اللــه أكبــر] من كل مخلوق مهما كان، وهذا هو ما تشع به الصلاة وما تعنيه لدى التقاة ؛ إنها تنهى عن الفحشاء والمنكر، وتجعل ذكر الله هو للعمل والسعي المصدر، وهو الأعظم من كل متاعٍ وأكبر، وبهذا فإن المصلي ينطلق إلى الحياة طاهر القلب شاكراً، مكبراً لربه ذاكراً؛ فلا يخون ولا يخضع، ولا يذل ولا يطمع، ولا يعتدي وللخير لا يمنع، بل يعطي وينفق، وبربه الرزاق يثق، فما دام هو الخالق فهو الذي يرزق، وبهذا اليقين فإنه يكون من المنفقين، وإلى الخيرات مسابقين، وهم فيها من السابقين، وبهذا فهم أحرارٌ من الأطماع والمتاع، مبادرون إلى الزكاء والارتفاع، باذلون للناس ما ينفع، معطون لهم بدون هلع، عاملون بلا جزع، فبهؤلاء تسعد الحياة ويكون الناس جميعاً أحراراً من هلع الطغاة، إخواناً في طاعة الله، أليس في هذا أرقى معاني حرية الإنسان، وفيه أسمى معاني الانطلاق إلى الإحسان، ولا يقف الأمر هنا؛ بل إن العطاء من هؤلاء يكون بلا منٍّ ولا أذى؛ لأنهم ينتظرون عند الله الجزاء، وكيف لا وهم ممن يقول عنهم: (وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ(4)) [سورة البقرة].

فالإيمان بما أنزل الله من قبل ومن بعد؛ يجعل المؤمن محباً لكل عباد الله، يحس بأنه رفيق لأنبياء الله في موكبٍ واحدٍ عبدٌ مدى الحياة، ويستمر حتى يلقى الله، فهو ممن يقول الله عنهم: (وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ).

فاليقين بالآخرة يجعل الإنسان حراً من العبودية للمتاع الفاني، متطلعاً إلى العطاء الباقي، ويجعله مترفعاً على العيش النافد، مندفعاً إلى الخالد، فهو يعطي ولا يبخل، وبإتقانٍ يعمل، وبإحسانٍ وحبٍّ يقيم علاقاته مع الآخرين؛ يبتغي جزاءه من رب العالمين، وهذا النوع من الناس هم الأحرار الكاملون، وهم المهتدون إلى السلام والعيش الكريم؛ بل إنهم عند ربهم نوعٌ متميزٌ يشار إليه بالتكريم، ولهذا يقول عنهم: (أُوْلَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ(5)) [سورة البقرة].

إنهم وحدهم المهتدون والمفلحون، وهم اليمن والبركة للناس من حولهم؛ لأنهم تحرروا من شهواتهم وأطماعهم، وأيقنوا في ربهم الذي يحبونه ويحبهم.

وهكذا تعرف معنى المتقين، إنهم أناسٌ أحرارٌ أبرار، والناس معهم يعيشون في حريةٍ واستبشار، فكلهم عبيدٌ لله الواحد القهار، وكلهم سواسية في حضرة الملك الجبار، فلا صغار عنده ولا كبار؛ بل التقوى هو الميزان لكبيرهم والصغير (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(13)) [سورة الحجرات].

وبعد؛ فإذا كنت عزيزي تريد أن تعرف التقوى ما هي وكيف هي؛ فإنها معنىً ولا يستطيع القلم أن يصف المعاني؛ ولكنها معنىً شفافٌ رباني، تظهر على كل سلوكٍ إنسانيٍ إيماني؛ ولهذا فإن الله يدلنا عليها بأسلوبٍ بيانيٍّ فيقول مخاطباً بني آدم في سورة الأعراف: (يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ..(26)) [سورة الأعراف].

فالله قد يسر لنا ووفر الملابس والرياش والزينة، وبسطها في كل بلادٍ ومدينةٍ، وتلك مظاهر وسواتر للعيوب الجسدية، وللمواضع الحسية؛ فإذا استغنى بها الناس فإن سوءاتهم الجسدية قد تستر وتختفي، لكن سوءاتهم النفسية تظهر في بشاعةٍ تُزري، ولا تسترها الملابس ولا الريش ولا تُخفي.

إذن فلا لباس للنفوس من الانكشاف، ولا ستر للقلوب من الإسراف؛ إلا لباسٌ معنويٌّ شفاف، ولكنه كثيفٌ ساترٌ بلا انكشاف، فما هو هذا اللباس؟.

إن الله يخصه بإشارةٍ تزيل الإلباس فيقول: (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ).

نعم إنه الخير وهو الأجدى والأنفع من كل لباسٍ وريشٍ؛ فهذا اللباس لا يطيش، وهو اللباس الذي يضمن الحياة الطاهرة والعيش البشوش، ويجعل الناس في سلامٍ وسرور، وخيرٍ خصبٍ وفير، وفي سعادةٍ وتجارةٍ لن تبور.

إنها الحرية للإنسان من كل طغيان، وإنها الانعتاق له من كل خوفٍ وعدوان، والخلاص من الشقاء والأحزان؛ فهو سعيدٌ بأخيه المتقي، وهو لأخيه الإنسان محب وفي، وهو حر في حياته من كل ظلمٍ وغوى؛ لأن الظلم لا يجانس التقوى، ولأن كابوس الطغوى غير لباس التقوى (..ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ(26)) [سورة الأعراف].

وهكذا أيها الإخوان؛ ندرك أن التقوى من أهم أسباب حرية الإنسان، وعلى هذا فإن هدف الصيام الذي كتب على المؤمنين؛ هو الهدف الأسمى وهو الفوز المبين، فالحمد لله رب العالمين، الذي جعلنا من الصائمين؛ لعلنا نكون من المتقين.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: