حرية الإنسان في القرآن(5): وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ

بسم الله الرحمن الرحيم، والسلام على المستمعين ورحمة الله، وبعد:

لا نزال اليوم مع قصة الإنسان الأولى، ومع البدايات التي ترفعه إلى الملأ الأعلى، وها نحن نشاهد ذلك بوضوح؛ لأنه يقصه الله العليم الذي لا يخفى عليه شيء، نشاهد ذلك في قوله تعالى:

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنْ الْكَافِرِينَ(34)) [سورة البقرة].

ليس المهم أن نعرف أين ومتى ولا كيف كان السجود؛ ولكن المهم أن نعرف أن الله أراد لهذا المخلوق المسمى آدم مقاماً رفيعاً يليق بخلقه في أحسن تقويم، فإذا الملائكة كلهم أجمعون مأمورون من ربهم بالسجود لهذا الكائن الجديد، وها هم يستجيبون وينفذون، فهم يعلمون أن الله فعالٌ لما يريد، ولهذا فهم إلى اليوم يواصلون لآدم السجود، ويعملون بأمر ربهم معه بما يؤمرون، فهم مع الإنسان حفظة كرام، وهم معه ينزلون بالوحي من العلام، وهم مع الأنبياء يناصرون، وبالعذاب لمن كذب ينزلون؛ فهم كلهم على طريق الله سائرون، وهم مع الإنسان بإذن الله أعوانٌ على الهدى المبين، هم بلا توقف حوله إلى يوم الدين، وهكذا أرادهم الله رب العالمين.

لكن إبليس اللعين أبى إلا أن يكون على الطريق المعاكس، وأن يكون للإنسان عدواً مشاكس، يلقي إليه بالوساوس، وهو الذي يخرج الإنسان من حريته وسموه إلى ظلامٍ طامس، ويدسه في طريقٍ دامس.

إنه عدوٌ مستكبرٌ عن الحق وكافرٌ بالهدى، وهذا هو السبب الذي يجعل مصير من اتبعه اللظى، عدوٌّ يكمن في الهوى، ويتسلح بالغوى؛ فإذا لاحت الشهوة للإنسان تخلى إبليس عن إبلاسه، وأظهر شيطنته وتاه بباسه، فإذا لاح التقوى انطوى وخنس، واختفى وأبلس، إنه يأُز النفوس أزًّا، فإذا تزكت انهزم وانزوى.

وباختصار؛ فإن إبليس مخلوقٌ غريبٌ عن الكون الساجد، وعنصرٌ غرورٌ جاحد، إنه لهبٌ متأججٌ، ونار مارجٌ، وفي الظلمات والجٌ؛ فمن اتبعه التهب في النار، ومن أطاعه أدلج في الظلام وتدحرج في هاويةٍ بلا قرار.

إنه يستعبد الأحرار، ويمنع الإنسان عن طريق الأبرار، ويدعوه إلى زمرة الأشرار؛ فلنتخذه عدواً، ولنتسلح لحربه بالتقوى؛ فإن التقوى هو اللباس الأقوى الذي يصد الغوى، وينهى النفس عن الهوى.

وإنما كان إبليس هكذا لأن الله أراده للإنسان فتنة وابتلاءً؛ ليعرف به من طغى ومن اتقى، (فَأَمَّا مَنْ طَغَى(37)وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(38)فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى(39)وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنْ الْهَوَى(40) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى(41)) [سورة النازعات].

ولقد عُرِف إبليس بذلك منذ البداية، والله برحمته يبين لنا ويقص لنا الحكاية، فلنقرأ بقية الآيات التي تلت آية سجود الملائكة واستكبار إبليس؛ فالله يقول بعد ذلك: (وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ(35)) [سورة البقرة].

فآدم مطلق الإرادة حر الاختيار فيما أباح له الله واختار؛ يأكل ويتمتع رغداً، وينال من الخيرات ما يشاء هنيئاً مريئاً ما دام بهدى الله اهتدى، فله في الجنة تلك السلام ما دام على طريق الهدى (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى(118)وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى(119)) [سورة طه].

وهكذا كان الحال، وهكذا كان سيبقى لو لم يتبع الهوى؛ لكن الشجرة لاحت أمامه فاشتهى، ونسي تحذير ربه الأعلا، ونسي العهد والهدى؛ وهنا ظهر الشيطان المبلس، وتقدم إليه يوسوس، ولنستمع لله وهو علينا يقص، (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ ..(36)) [سورة البقرة]. وفي آية أخرى يقول (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ(20)وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ(21)) [سورة الأعراف]، فماذا حدث؟

(فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ(22)قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ(23)) [سورة الأعراف].

وهكذا تتجلى لنا القضية وتتضح الحكاية؛ فالإنسان مكرمٌ حرٌ سعيدٌ مسرور، آمنٌ من كل شرٍ ما دام متبعاً لأمر ربه الذي خلق وقدر، والذي يعلم السر، حتى إذا اتبع الهوى وأطاع الشهوة سقط وهوى وأصبح عبداً لكل شيءٍ سوى الله؛ عبداً للمال والطغاة، عبداً للمتاع والغواة، مندفعاً للعدوان، مقموعاً بالطغيان، ذليلاً إذا قُمِع، مختالاً إذا شبع، فهو عبد الواقع، وفي الذل واقع، ولهذا فإن إبليس هو العدو الذي يجب أن يقمع في النفوس، ويمنع من الشيطنة والتلبيس، فإنه كيادٌ ضعيف، عند القلب الشريف، وهو ماردٌ مخيفٌ، عند القلب الغافل المسرف، فلنكن منه على حذر، فإنه يدعونا إلى سقر، وبئس المستقر.

وهذا ما توضحه الآيات فإن فيها البيان لمن تذكر، فبعد أن عصى آدم ربه فخرج من جنته الأولى التي كان فيها ماذا قال الله وماذا قدر؟.

(
قُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36)) [سورة البقرة].

فالإنسان قد هبط الأرض التي قدرها الله له وقدره لها، وهو على حالٍ هي بعضه لبعض عدو فهواه عدو لنفسه فإذا تزكى نجى، وإذا دساها تردى، ومع ذلك فإن الله يلهمه التوبة كما ألهم أباه آدم فقال:

(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(37)) [سورة البقرة].

فالتوبة مفتوحة لكل ابن آدم، والله يهديهم الصراط الأقوم، ولهذا يستأنف الله الخطاب لآدم ولكل من يليه فيقول:

(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38)وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(39)) [سورة البقرة].

فالهدى هو الحرية والسلام، وهو النور والإكرام، ومن اتبعه فهو الآمن من كل خوف ومن كل الأحزان، وهذا هو الأمل الذي يبحث عنه الإنسان، وهو المطمح الذي يطمع فيه مدى الأزمان، وطريق سهل ميسور هو اتباع هدى الرحمن، لكن الإنسان يبحث عن الأمن في العدوان، ويطمح في العزة باتباع الطغيان، ويأمل في التحرر من الخوف باتباع الشيطان، وما ذلك إلا الذل والهوان والعبودية لغير الرحمن، إنها عبودية الإنسان للإنسان أو للشيطان، وذل الإنسانية لقوى البغي والطغيان مدى الزمان، وهذا مصير لا يرضاه عاقل لنفسه ولا يرضاه الله الذي علمه ما لم يعلم وهداه، وبين له طريق السلام والنجاة، فالحمد لله رب العالمين.

وبعد أيها الإنسان؛ فإن السؤال قد حان؛

هناك آية في الجزء الخامس من القرآن، تصف الشيطان بأنه يضل العباد ويمنيهم ويأمر، وتصف من والاه بأنه خاسر، نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: