حرية الإنسان في القرآن(15): فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ

بسم الله الرحمن الرحيم، والسلام على المستمعين والمستمعات أجمعين، وبعد:

 

تعالوا اليوم إلى مصر قبل عدة قرون، وبالذات في عصر فرعون؛ حيث نجد هذا الرجل قد استخف قومه فأطاعوه؛ فإذا هو يدعي أنه المعز المذل، وأنه يهب الأرزاق ويبذل، فلقد قال: (أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ(51)) [سورة الزخرف].

 

وهو في جانب آخر ظالم مستكبر، كما وصفه الله الخبير فقال:

 

(إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِ نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُفْسِدِينَ(4)) [سورة القصص].

 

وأمام هذا الضلال والطغيان؛ كان لا بد أن يرسل الله رسولاً ليدعوه إلى الإيمان؛ ولقد اختار الله موسى بن عمران فأوحى إليه كما قص علينا فقال: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى(17)فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى(18)وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى(19)فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى(20)فَكَذَّبَ وَعَصَى(21)ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى(22)فَحَشَرَ فَنَادَى(23)فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمْ الْأَعْلَى(24)فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى(25)إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى(26)) [سورة النازعات].

 

وأمام قوله تعالى: (فَحَشَرَ فَنَادَى) نقف لنرى طبيعة الحشر ونعرف نهاية الموقف، (فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى(58)قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى(59)) [سورة طه].

 

لقد سمى فرعون آيات الله التي أظهرها موسى سماها سحراً وأراد أن يواجه السحر بسحر مثله وتحدى موسى بأن يضرب موعداً للمباراة لا يتخلف عنه الفريقان لكن موسى أظهر الثقة والثبات وحدد الموعد (يَوْمُ الزِّينَةِ)، وهو يوم بداية الربيع في مصر الذي يسمى يوم شم النسيم؛ فالناس يخرجون فيه عند الضحى إلى الحدائق للتمتع بالجو الرائق، وعلى أي حالٍ فقد انصرف كل فريقٍ لشأنه في انتظار اللقاء؛ (فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَى(60)) [سورة طه]، لقد حشر السحرة من كل مدينة، وحشر الناس معهم ليوم الزينة (وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ(39)لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمْ الْغَالِبِينَ(40)) [سورة الشعراء].

 

وهنا تبدأ المساومة، وهنا يبدأ النزاع بين السحرة وبين الظلمة؛ (فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ(41)قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ(42)) [سورة الشعراء].

 

إنه الطلب المنتظر ؛ لأن السحرة لا يهمهم إلا المال؛ فهم عبيد للدينار، وبه يعملون ما يريده الظالمون من شر ومنكر؛ ولهذا فإن فرعون لا يعدهم بالأجر المالي فقط، بل يضيف إغراء أهم فيقول (وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ).

 

لقد أغراهم بأن يكونوا من الحاشية المقربين أولي الامتيازات الدائمة، يؤكد لهم ذلك بالقسم ليتقدموا إلى العمل بعزم وهمم وهذا الذي كان فلقد برزوا للميدان، وموسى يراقبهم باطمئنان، (قَالَ لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ(43)) [سورة الشعراء].

 

وهنا يبرز اعتزازهم بالطاغية فلنسمع قولهم كما جاء في الآية (فالقوا حبالهم و.. الغالبون فألقى موسى .. يأفكون..

 

(فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانقَلَبُوا صَاغِرِينَ(119)) [سورة الأعراف]

 

وأمام هذه الآيات القاطعة أمام الناس ماذا يتوقع الإنسان؟، هل يستمر السحرة ينتظرون الأجرة؟ كلا لا بد أن تنقلب الأمور، ويتحرر المغرور؛

 

(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى(70)) [سورة طه].

 

لقد أصبح ربهم هو الله رب العالمين، الذي يدعو إليه موسى وهارون، وأصبح فرعون الذي وصف موسى بالمهين أصبح هو المهين؛ ولكنه مع ذلك يتماسك ويظهر للناس بأنه المالك؛ فإذا به يتوجه إلى السحرة فيقول: (قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ)؟ إنه سؤال الطغيان الذي يظن أن قلوب الناس مملوكة له، فلا تنكر ولا تقرر إلا بإذنه، ولا يكتفي بهذا بل يعلن الوعيد، ويلفق التهمة بأسلوب بليد، فيقول: (إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمْ الَّذِي عَلَّمَكُمْ السِّحْرَ)، ثم يواصل التهديد للسحرة، ويظهر البأس الشديد، (فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى(71)) [سورة طه].

 

إنه الأسلوب الذي يلجأ إليه الطغاة حين يهزمون، ليس لهم منطق ولا فكر ولا حجة، فليس لديهم إلا البطش والقوة؛ ظانين أن هذا يرهب العقول المستنيرة؛ لكن الإيمان حين يشرق في القلوب؛ فإنها تستهين بالتهديد والترهيب، وتتحرر من خوف القوة المكذوب، وتوقن أن الأبقى هو الله علام الغيوب، وهذا ما ظهر من السحرة أمام تفاخر فرعون ومزاعمه المستكبرة فلنسمع:

 

(قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنْ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا). إنهم يقسمون بالله الذي فطرهم، ولهذا استهانوا بتهديد فرعون، واستخفوا بالوعيد فقالوا: (فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا(72)) [سورة طه]؛ إنه مؤقت، قضاؤك ينتهي بالموت؛ لكنه السبيل إلى لقاء الله الذي بيده الملكوت؛ (إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنْ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى(73)) [سورة طه].

 

نعم إن الله هو الخير الذي نرجو وهو الأبقى، وكل شيء سواه يفنى، فلنمسك بالخير الأبقى؛ فإنه الفوز والمنة الأرقى، وهكذا أصبح الذين كانوا عبيداً للمال والسلطان أحراراً أقوياء بالإيمان، أبراراً أتقياء بالاستسلام للرحمن، ومثالاً يقتدى للإنسان في كل زمان ومكان، إنه سر لا يدركه إلا المؤمنون بأن الله ربهم ومقام لا يرقى إليه إلا من يقول: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(50)) [سورة طه]، وهذا هو ما اهتدى إليه هؤلاء السحرة؛ فكانوا أسمى من القوة المستكبرة؛ فأصبحت أمام إيمانهم مندحرة، والله خير وأبقى.

 

والآن أيها الإخوان فإن السؤال قد حان؛

 

هناك في الجزء الرابع عشر من القرآن آية كريمة تؤكد أن كل ما في الكون من دابة ساجدة لله، وأن الاستكبار لا يتصف به عباد الله؛ نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً؛ والسلام عليكم ورحمة الله.


اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: