حرية الإنسان في القرآن (22): تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ

بسم الله الأحد، والحمد لله الصمد، والسلام على المستمعين ورحمه الله.. وبعد:

في حلقه أمس كنا مع رجلٍ مغمورٍ، لكنه أصبح مشهوراً كالكوكب، واليوم سندعوكم إلى رجلٍ مشهورٍ؛ لكنه انقلب مغموراً في غيهب، فمن هو هذا الرجل؟.

إنه كما يصفه الله فيقول:-

(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ

إنه واحدٌ من بني إسرائيل الذين كانوا في مصر مستضعفين؛ لكنه بغى عليهم وانضم إلى أعوان فرعون طمعاً فيما لديهم من مالٍ وزينةٍ وسلطانٍ؛ فنال من ذلك ما أذن به الله؛ فهو الذي مكنه وأعطاه، فكان كما يصفه الله:-

(وَآتَيْنَاهُ مِنْ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ).

إنه عطاءٌ سخيٌّ، وتمكينٌ جليٌّ؛ فها هي مفاتيح الكنوز لا تستطيع حملها جماعةٌ ذات قوةٍ، بل إنها تنوء بالعصبة من الناس الأقوياء؛ وإذا كانت هذه حال المفاتيح فكيف حال الكنوز.

إن هذه الحال تجعل الإنسان يشكر ويتواضع ولا يفختر ويختال؛ لكن الرجل تاه وافتخر، وفرح واستكبر وبطر، ولربه أنكر، فإذا به يُظهِر من الفرح ما يلفت الأنظار، ويُبْدِي من الإسراف والمرح ما يدعو إلى الاستنكار، ولهذا فإن قومه تقدموا إليه بالنصح السديد، وذكروه بربه الودود؛ (إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ(76)) [سورة القصص].

إن الله لا يحب الفرحين، ولكن هل كان قارون يحرص على أن يحبه الله؟.

هل كان يخشى أن لا يحبه الله؟.

كلا؛ لقد كان يحب نفسه ويتبع هواه، فهو عبدٌ مطيعٌ للمال والثروة، وهو عبدٌ طموحٌ في الجاه والسلطة، فكيف يتحرر من هذه العبودية وقد لبسها تيهاً وافتخر بعبوديته، إنه من الصعب أن يتحرر من طُبع على العبودية للشهوات.

ورغم ذلك فإن القوم استمروا ينصحون قارون ويزيدونه تذكيراً، عسى أن يتذكر، فاستأنفوا نصحهم قائلين:-

(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ(77)) [سورة القصص].

إن القوم والله مخلصون لقارون محبون؛ فلقد قالوا له الحق، ودلوه على الخير؛ فالدنيا لا تبقى مهما كثر المال وزادت الكنوز، فليس للإنسان منها سوى نصيبه الذي كتبه الله لا سواه، وما زاد فإنما هو مصائبٌ تصيبه وأوزارٌ تثقل ظهره في دنياه وأخراه، والحاذق هو من يبتغي بما أوتي من الدنيا أن ينال الفوز في الأخرى؛ لأن عمارة الدنيا مهما شمخت تشيخ وتفنى، وعمارة الأخرى مهما قلت تشمخ وتبقى. فليبتغ المثري بثراه خير الآخرة، وليعمر المثري بثروته الدار الآخرة؛ فذلك هو العاقبة الحسنى.

وكيف لا يستجيب الإنسان لهذا النداء؟!، وكيف لا يطمح إلى الخير والإحسان وقد أحسن الله إليه فأعطاه، ومكنه من خيرات الأرض خير تمكين.

إن الإحسان يستدعي الإحسان عند الإنسان الحر الوفي، البار التقي، لكن الذي يكون عبداً لهواه؛ فإنه يدبر ويولي عن الإحسان، ويتجه إلى الإسراف والتبذير في الفخر والاختيال، ظاناً أن هذا هو العز والكمال، وأن هذا هو سبيل البقاء والعلو، وهو ظنٌّ خاطئٌ واهمٌ، فما الفخر والإسراف إلا سقوطٌ وخرابٌ، وانهيارٌ وتبابٌ، ومن ابتغى العلو في الأرض فقد أراد استغلال الثروات لنفسه وللآخرين الحرمان، وأراد احتكار الحرية لنفسه واستبعاد أخيه الإنسان. وبهذا يصبح الجميع عبيداً للشهوات، بل بعضهم عبيدٌ لبعض، وبعضهم لبعضٍ أربابٌ من دون الله، وهذا هو الفساد الذي يدمر الحياة والأحياء، وهو الفساد الذي لا يحبه الله وبه للإنسان لا يرضى. فمن ابتغى الفساد في الأرض؛ فقد وقع فيما له الله يبغض، ومن استعبد عباد الله؛ فقد خرج مما يحبه الله؛ (إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)، هكذا كان نصح قوم قارون، وهكذا كان معنى قولهم لقارون؛ لقد أرادوا تحريره من الأوهام والظنون، وتخليصه من الفخر والفرح المجون؛ لكنه ظل على وهمه هادراً، وفي فخره سادراً. فلنسمع إليه يرد على القوم:-

(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي).

ألم أقل لكم إن الرجل أصبح عبداً لهواه، محباً لفساده وطغواه؛ فلقد نسي عطاء الله وأنكر، وادعى أن ما آتاه الله من المال والكنوز المتعددة إنما أوتيه هو على سبيلٍ من علمٍ وخبرةٍ عنده فلا أثر لربه، ولا هو يطمع في حبه؛ بل سيستمر في الفرح والاختيال، وبعلمه هذا سينال المزيد من القوة والمال؛ هكذا كان يظن قارون، وهكذا كان معنى رده للناصحين.

وهنا يذكره ربه بمصير المختالين، ونهاية الفرحين فيقول: (أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ(78)) [سورة القصص]؟.

بلى؛ إنه يعلم؛ ولكن الهوى أعماه وأصم، فأصبح يفخر بالقوة والمال، ويظن أن هذا هو الخير والكمال، وأن ثروته بلا زوال، وهو غفولٌ يقع فيه كل مجرمٍ؛ فإذا سقط في الجزاء أظهر الندم، (وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمْ الْمُجْرِمُونَ)؛ فإن إجرامهم هو الذي أرداهم في جهنم، وكل مجرمٍ لا يُجزى إلا بما قدم، وما ظلمه الله ولكنه لنفسه ظلم.

ومع ذلك فإن قارون استمر لفساده مظهراً، ولاختياله وفخره شاهراً (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ).

إنه يريد العلو في الأرض، ويريد أن يشعل في قومه الغيض، ولقد أثار بذلك البعض؛

(قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَالَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ(79)) [سورة القصص].

هؤلاء فريقٌ من عشاق الدنيا والثروات، وعبيد الهوى والشهوات، والغافلين عن ربهم رب الأرض والسماوات؛ لكن فريقاً من الأحرار، العلماء الأبرار؛ يصرخون في وجه هؤلاء الغافلين باستنكار؛ فلنستمع إليه:-

(وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ(80)) [سورة القصص].

لقد أوتي هؤلاء العلم، وهو خيرٌ من المال والكنوز، ولقد آثروا الثواب من الله ولهذا أحبوا الإيمان والعمل الصالح فهو الحظ الذي يبحث عنه الإنسان الفالح، وهو مقامٌ لا يلقاه إلا الصابر المطمئن باليوم الآخر، الطامع في رحمة ربه الغافر.

إن هذا هو الإنسان الحر المتطهر من الأهواء، المترفع عن متاع الدنيا، المتزكي عن وحول المال، الساعي لحسن المآل، الموقن بأن كل قوةٍ وثراءٍ في الدنيا إلى زوال.

وهذا ما رآه القوم وشاهدوه في الحال، فلنشاهد معهم كيف أحاط بقارون الوبال:

(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنْ المُنْتَصِرِينَ(81)) [سورة القصص].

من ذا الذي ينصره؟، لا فئته ولا كنوزه، ضمنت له بفوزه؛ بل أحاط به الله فخسف، وحاق به ما افتخر به وأسرف؛ بل انطوى في أعماق الأرض، وصار مع قوته وكنوزه بلا حظ. وإن ذلك لعبرة لمن كان يملك قلباً بصيراً؛ ليعلم أن الله كان على كل شيءٍ قديراً؛

(وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ(82)) [سورة القصص].

لقد تحول الحال، فإذا الذين تمنوا مكان قارون الفخور بقدرته، يقرون بقدرة الله وتدبيره ويعترفون أنه يبسط الرزق لمن يشاء ابتلاءً، ويقبضه ابتلاءً، فمن يبسط له ولم يشكر؛ فإنه لنفسه يدمر، ولقد أصبح المتمنون موقنين بأن من يختار الإعراض عن طاعة الله، معرّضٌ للخسف والانهيار، وأن الفخر بنعمة الله هو الكفر فكيف يفلح الكفار؟.

وعليه فإن من عبد الله وأطاع أصبح حراً من الأطماع وأن من عبد المال فإنه في ضلالٍ ومعرضٌ للزوال، والرجل الحر الذكي هو الذي لا يبتغي بالمال والبنين الفخر والاختيال، وإنما يبغي حسن المآل، وإن الرجل البار التقي هو الذي لا ينخدع بزينة الحياة الدنيا، وإنما يبادر إلى الباقيات الصالحات التي ينال بها عند ربه الفوز بالأخرى؛ وكيف لا والله يقول:

(تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ(83)) [سورة القصص].

نعم إن التواضع لله المدبر، سموٌّ وارتفاعٌ إلى مقعد صدقٍ عند مليكٍ مقتدر؛ وإن العلو في الأرض والتفاخر على العباد، هو أبشع صور الفجور والفساد، وعقبى الإسراف هو الهلاك والنفاد؛ فلنلبس لباس التقوى؛ فإن عقباه الفوز والفلاح في يوم المعاد، وهذه هي الحرية والرشاد، فلنتحرر من العبودية بزينة الحياة الدنيا، ولنتطهر من العلو على الناس والطغوى؛ فمن عبد المال فقد دعا إلهاً غير الله، وخسر في دنياه وأخراه؛ فلقد قال الله:

(وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ(88)) [سورة القصص]. صدق الله العظيم

وبعد أيها الإخوان فإن السؤال قد حان؛

ستجدون في الجزء الواحد والعشرين من القرآن آيةٌ كريمةٌ رائعة البيان؛ تعلن أن المجاهدين في الله هم المحسنون، وأن معهم الله يهديهم سبيل رب العالمين.

نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: