حرية الإنسان في القرآن (25): يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ

بسم الله الرحمن الرحيم، والسلام على المستمعات والمستمعين ومرحباً بهم إلى حلقة اليوم..وبعد:

سنحاول اليوم استقراء آيةٍ من آيات القرآن، تشع بحرية الإنسان، وهي آيةٌ تخاطب الناس جميعاً بصورةٍ مباشرةٍ وتدعوهم إلى الدخول في مضمار الحرية المفتوح لمن يبادر؛ فلنقرأ الآية فإنها في أول السورة الثانية؛ يقول الله:

(يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(21)) [سورة البقرة]. صدق الله العظيم.

إن الآية خطابٌ للناس أجمعين الأولين والآخرين بل ومعهم الجن فإنهم من المخاطبين، بدليل أن الله يقول: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (56)) [سورة الذاريات]، إذن فالخطاب هنا بناءً على الدليل خطابٌ للإنس والجن، ونداءٌ لمن يعي ويعقل؛ فماذا يحوي الخطاب من المعاني والدلالات؛ إنه ينطق بأمرٍ هامٍّ، وتكليفٍ عامٍّ؛ ذلك هو قوله: (اعْبُدُوا رَبَّكُمْ) نعم؛ إنه أمرٌ بعبادة الله ربنا؛ ليُبنى عليها ما بعدها من صفاتٍ.

قد يسأل سائلٌ، أو قد يعترض معترضٌ فيقول:

ألست تقول أن الآية تشع بحرية الإنسان؟، فأين الحرية والآية تأمر بالعبودية وتدعو الناس إليها وتوجبها عليهم؟.

وهو سؤالٌ أو اعتراضٌ لا يصمد أمام البيان؛ فاسمع يا أيها السائل الجواب بإمعانٍ لتتضح لك الحقيقة التي لا تخفى، ولتتجلى لك الحرية كالنهار إذا تجلى.

ذلك أن الله حينما يوجب على الإنسان عبادة ربه الموصوف بأنه الذي خلقه؛ فإنما يدعوه إلى الأمان والاطمئنان والقوة والعزة، ذلك أن الخالق هو القادر العليم، وهو الذي لا يعجزه شيءٌ في الأرض والسماء، وهو الذي يدبر الأمر في النهار والمساء، ويعلم ما يجري في الفضاء وتحت الثرى. فلا يخفى عليه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وهو الذي يفعل ما يشاء، ويقضي بالحق وله العزة كلها.

وعلى هذه الحقائق فالرب الذي هذه بعض صفاته، هو القادر على أن يمنح الناس الأمن والاطمئنان والحرية والعزة؛ فإذا عبدوه فقد نالوا ذلك بلا ريبٍ، وإذا دعوه أجيبوا لأنه القريب المجيب، ومعنى العبادة يا عزيزي لربك العزيز؛ لا يعني نزع الحرية عنك، وإنما منحها لك؛ لأن العبادة لربك تعني حبه والاعتماد عليه، وشكره والتقرب إليه، وحمده والتوكل عليه، والإحسان في الأعمال؛ تبتغي وجه ربك ذي الجلال، وعند ذلك تنهال عليك رحمته كل حين، (إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ(56)) [سورة الأعراف].

إذن فالعبادة لله ربك ليست إلا تجارةً حرةً رابحةً أنت فيها المستفيد؛ لأنه غنيٌّ حميد؛ أنت فيها الفقير، وهو الوهاب القدير؛ أنت فيها المحتاج السائل الضعيف، وهو القوي اللطيف، أنت فيها الحائر المسكين، وهو الرزاق ذو القوة المتين؛ فالعبادة له هي الحرية؛ لأنه يحررك من الخضوع للناس سواه، وهي العزة لأنه يخلصك من الذل للطغاة، وهي الغنى لأنه يغنيك عن الاحتياج إلى الطامعين البخلاء.

فالناس بعبادة ربهم أحرارٌ في حياتهم؛ فكلهم إليه يتجه، وكلهم إليه يقصد، وكلهم من عطائه يجد؛ فلا يطغى أحدٌ على أحد، ولا أحدٌ بخيرات الأرض يستبد، بل الله ربهم لهم من عطائه يمد (وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا(20)) [سورة الإسراء].

فيا أيها الإنسان اعبد ربك وحده؛ فإن ربك هو الوفي بوعده وعهده، وهو القدير على تنفيذ وعده، وربك لا ينفد ما عنده.

أما الناس فإن ما امتلكوه معرضٌ للفناء والنفود؛ بل إنهم معرضون للموت فليس لأحدٍ منهم خلودٌ، وهم مملوكون لله المعبود، كما أنهم عاجزون عن الوفاء بالعهود، بل ينقضونها طمعاً، ويبخلون هلعاً، ويخافون من الفقر جزعاً، ويمنعون الخير مناعاً (إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا(19)إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا(20)وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا(21)) [سورة المعارج].

وعليه؛ فإذا استعبد الإنسان أخاه الإنسان؛ أذاقه الله الذل والهوان، ونزع عنه العز والاطمئنان، وجرده من الحرية والأمان، وجعله عبداً مسخراً بلا غاية، وطاقةً معطلةً بلا دراية، وهذه هي الحياة البائسة، الشقية المظلمة، وهذه هي العبودية الذليلة المحرومة وهي العيشة الضيقة.

فكيف يرضى الإنسان لنفسه هذا المصير الأليم، ويعرض عن عبادة ربه الكريم؟!

إذن فليعبد الإنسان ربه الذي خلقه وخلق من قبله؛ فإن ربه الخالق العليم هو الكفيل بتحقيق ما يؤمله الإنسان، وهو القدير على الوفاء بما يحتاجه الناس في كل زمان، وبهذا ينالون العزة والحرية ويسلكون سبيل السلام والمحبة، وهذا هو التقوى الذي جعله الله غايةً للعبادة في الآية.

ثم إن الله بعد أن وصف نفسه بأنه ربنا الذي خلقنا وخلق من قبلنا يضيف صفاتٍ أخرى فيقول:

(الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنْ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنْ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ..(22)) [سورة البقرة].

أسمعتم؟. إذن فما تحتك وما حولك وما فوقك مسيرٌ مدبرٌ بربك الخبير، وهو الذي بيده الملك وهو على كل شيءٍ قدير.

إذن فهو الذي يرجى ويدعى، ويقصد ويحمد، وهو وحده الذي يعبد، وذلك هو الذي به الإنسان يسعد، وفي سماء الحرية يصعد.

أليس هذا هو الحق الذي علمناه؟. أليس هذا هو اليقين والعلم الذي تعلمناه؟.

بلى بلى؛ إنه العلم اليقين؛ ولهذا فإن الله يختم الآية بقوله: (فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ(22)) [سورة البقرة] صدق الله العظيم.

إن من يجعل لله أنداداً وشركاء، ويقصد الناس ويوجه إليهم الرجاء، فقد جهل الحقيقة وأصابه العمى، وقد أذاق نفسه الذل والشقاء، وكسى نفسه بالعبودية النكداء، وسقط في مهاوي الردى، فكيف يرضى الإنسان لنفسه هذا المصير وهو يعلم أن ربه هو الخلاق القدير، وهو اللطيف الخبير؟!.

أليس أن عبادة هذا الرب القادر؛ هو الذي ينقذنا من الذل ويحرر؟.

بلى بلى؛ فهل اتضح للسائل المعترض ما سقناه من عرضٍ، وهل هو وافٍ بالغرض؛ نرجو ذلك، ونسأل الله التوفيق.

والآن وقد اكتمل المقال، فإن قد حان السؤال؛

هناك في الجزء الرابع والعشرين من القرآن؛ ستجدون آيةً كريمةً تستنكر على الناس عدم تقدير الله المالك، مع أنه القابض لأرضه وسماه بلا مشارك.

نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: