حرية الإنسان في القرآن (26): وَإِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ

بسم الله، والحمد لله، والسلام على المستمعات والمستمعين ورحمة الله .. وبعد:

كنا في حلقة قبل أمس قد وقفنا مع امرأةٍ تحررت من الطاغوت والطغيان، وضربت مثلاً للمؤمنين عبر الزمان؛ إنها امرأة فرعون التي (قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(11)) [سورة التحريم].

واليوم ندعوكم إلى مشاهدة امرأةٍ أخرى عُطفت على الأولى؛ فكانت مثلاً يقتدى لكل مؤمنٍ ومؤمنةٍ عبر المدى؛

إنها امرأةٌ تطل علينا من وراء القرون بنور اليقين والثقة بربها رب العالمين؛ فكانت عنده من القانتين.

ولنسمع إلى ربها وهو يناديها أجمل نداءٍ يتردد في الأرض والسماء، ويتولاه الملائكة من الملأ الأعلى؛ فلنستمع إليهم بإصغاء؛

(وَإِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ(42)) [سورة آل عمران].

هذا هو النداء الجميل؛ لمريم البتول من ربها الجليل.

قد يسأل سائلٌ: ما هي مؤهلات هذا الامتياز لها؟، وما هي صفات هذا الاصطفاء؟.

أنه مزيدٌ من القرب إلى ربها الذي يقول لها:

(يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ(43)) [سورة آل عمران].

ولقد استجابت فكانت فعلاً من القانتين، وكانت من الساجدين الراكعين أي المستسلمين بإخلاصٍ لرب العالمين ولحبه منقطعين، وكانت من المتحررين من كل الشهوات والأهواء، المؤثرين الطهر والزكاء على زينة الدنيا، هكذا كانت مريم العذراء عند ربها، ولهذا فإنه اصطفاها وطهرها، واصطفاها على نساء العالمين؛ وإنه لمقامٌ للمرأة يبهر الناس العارفين.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد من التكريم لهذه المرأة الكريمة؛ بل تتواصل العطاءات لتجعل مريم آيةً من أروع وأبدع الآيات؛ فالله الذي اصطفاها وطهر؛ قد أراد لها آياتٍ تظهر؛ لتكون مثلاً لمن تزكى وتطهر، فإذا الملائكة تعود إليها بالبشارة العجيبة، وتناديها باسمها نداءً يستمع صداه البرية؛

(إِذْ قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنْ الْمُقَرَّبِينَ(45)وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنْ الصَّالِحِينَ(46)) [سورة آل عمران].

إنها بشارةٌ من ربها بمولودٍ هو كلمةٌ من الله، ومولودٍ لها وهب بدون سببٍ ولا أب، ولا يقف هنا حد العجب؛ بل إن هذا المولود يكلم الناس في المهد، وينطق بما يدل على أنه نبيٌ من ربه ورسول، وأنه آية للناس في كل جيل.

فيا لها من بشارةٍ لم تنلها امرأةٌ قبل مريم، ويا له من عطاءٍ اصطفى الله به هذه المرأة وكرم، فكانت صديقة قانتة لربها الأكرم، متحررة النفس من كل مأثم، طاهرة من كل محرّم.

إن الآيات على مريم وابنها تتكرر، ومنهما تظهر من ربهما الذي هدى وقدر؛ فإذا هي تلد دون أن يمسها بشر، وإذا ابنها يتكلم في المهد وينطق، ويخاطب الناس بالحق، ويعلن أنه عبدٌ عابدٌ لربه الذي خلق، فيقول: (إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا(30)) [سورة مريم]. ويقول: (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ(36)) [سورة مريم]. فهو عبدٌ مباركٌ نافعٌ؛ مصلٍّ لربه خاشع؛ ولهذا فإن الله يتوجه لمن يدّعون أنه ابن الله وله يعظمون، وبه يشركون؛ يتوجه إليهم فيقول:

(ذَلِكَ عِسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ(34)مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(35)) [سورة مريم].

بل إن الله لهؤلاء المتعجبين من خلق عيسى بلا أبٍ وبلا سببٍ؛ يزيل عنهم العجب بما هو أعجب فيقول:

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ(59)الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنْ الْمُمْتَرِينَ(60)) [سورة آل عمران].

نعم إن كان عيسى قد وُلِد من آدم وبدون ما يعتاد الناس من الأسباب؛ فإن آدم قد خُلِق بلا أُمٍّ ولا أبٍ؛ بل من ترابٍ، فسبحان الخالق الوهاب؛ فلماذا الاستغراب؟.

وعلى أي حالٍ فإننا هنا لا نناقش هذه الآيات الإلهية؛ فهو الله القادر على كل شيءٍ، ولقد أراد أن يجعل مريم وابنها آية؛ فلنعد إلى موضوعنا وهو مكانة المرأة المؤمنة في مقام الحرية، ولنحاول معرفة لماذا كانت مريم وابنها آية ولماذا اختصها من بين نساء العالمين لهذه الميزة واصطفاها لهذه الغاية.

بل لقد نالت مريم من التكريم، ما جعلها لله العليم من النساء المؤمنات التي ضرب بهن المثل للمؤمنين في سورة التحريم.

ولقد كان لنا وقفة في الحلقة التي قبل يوم أمس مع امرأة فرعون التي قال الله عنها: (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ..) إلى آخر الآية.

ثم قال عن مريم بعد ذلك عاطفاً:

(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ(12)) [سورة التحريم].

بل لقد قال عنها في سورة الأنبياء:

(وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ(91)) [سورة الأنبياء].

ومن خلال آيتي التحريم والأنبياء يتضح لنا الجوب عن السبب الذي جعل مريم وابنها آية لأولي الألباب.

هل تعرفون ما هو السبب؟. إنه قوله تعالى: (أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا).

إنه شيءٌ لم يسبق إليه أحدٌ من النساء؛ إن إحصان الفرج وهو عضوٌ خُلِق لمهمةٍ لا غنى عنها للنساء، وهو مؤهلٌ لحالةٍ لا تصبر عليه أقوى النفوس في التقوى.

نعم؛ إن إحصان الفرج وتطهيره من ضرورة الإيلاج، بل ونسيان الفرج مما ينطوي عليه من الاحتياج؛ إن هذا السلوك لشيء سامي رفيع، يدل على نفسٍ زكيةٍ قنوعٍ، وجسدٍ طاهرٍ منيع.

قد يقول قائلٌ: إن كثيراً من النساء تبقى محصنة بلا زواج حتى تموت.

نقول: نعم إن بعض النساء قد تبقى محصنة من الرجال، لكن ربما لعيبٍ فيها، أو لأن أحداً لم يرغب إليها، أو لمرضٍ يمنعها، أو لأن أولاداً تحب رعايتهم ولا ترغب في فراقهم. أما أن تكون بقوة مريم وجمالها، وصحة مريم وسلامتها فذلك نادر؛ لكن مريم مع ذلك كله أحصنت فرجها، فبلغت في الطهارة قمتها، وفاقت بالعفة كل بنات جنسها؛ لقد أحسنت كل الإحسان بما فعلته مريم ابنت عمران، فكانت مصطفاة على كل النسوان، وكانت مثلاً في الإيمان لكل إنسان.

لقد تحررت مريم من شهوة ورغبة فلم تكن بها تهتم، ولقد كانت مريم في هذا الإحصان أقوى امرأة في العالم، ولقد قاومت حاجة ضرورية عندها لا يمكن عند غيرها أن تقاوم لأنها طبيعية لكل بني آدم فهي مثل نادر يفوق كل حاضر وغابر، وكل قائم وسائر؛ لنضرب لكم مثلاً ملموساً للرجال والنساء؛

ها هو بعض الناس يجلب لنفسه عادة في حياته ليست خلْقية ولا طبيعية فيه؛ بل طارئة مجلوبة إليه كالتدخين مثلاً؛ فإذا بها تصبح مسيطرةً عليه، وسيدةً مطاعةً لديه؛ فلا يستطيع ردها، ولا يتمكن من صدها؛ بل ولا يستطيع تحصين شفتيه، ولا حماية صدره ورئتيه، ولا يستطيع أن يكف عنها يديه؛ بل تراه إذا رآها ينهار، وإذا شمها أظهر الرغبة والانبهار؛ ورغم ما يحسه من الأضرار؛ فإنه يستسلم لها بإصرار، فإذا قيل له اتركها ومنها تحصن؛ قال هذا غير ممكن. وإذا قيل تحصن من الشقارة قال التحصين منها خسارة؛ بل تصبح الحياة بدونها عناء، والسمرة بلا هناء، والمقيل بلا معنى، فليس له عنها غنى. هكذا يكون موقف كثير من الناس من التنباك: استسلامٌ بلا حراك، مع أن لهم إحساساً وإدراك، أليس أن أمر التبغ والدخان عجيباً أيها الإنسان؟! أليس أنه لدى الكثير استعصى على الإحصان؟!؛ فكيف لا نستطيع أن نحصن أفواهنا من عادةٍ طارئةٍ ضارةٍ، في حين أن مريم أحصنت فرجها من حاجةٍ طبيعيةٍ ضرورية؛ أليست أقوى من الناس أجمعين في كل البرية؟! أليست تستحق الاصطفاء من الله والمرتبة العلية؟! أليست جديرة بأن تكون للعالمين آية وابنها آية؟!

بلى بلى؛ بل إنهما قد أصبحا آيات، وأصبح أمرهما للناس من أروع البينات؛ على أن الطهر والعفة يرفع الإنسان إلى أسمى المقامات.

وإن من تخلى عن سبب من أسباب الدنيا الغرور؛ نال من ربه ما يصبح عنده المحال كالميسور، ومن استغنى عن خداع الشهوات؛ أغناه الله بأروع الآيات.

لقد كانت مريم لنا المثال، فنالت بإحصان فرجها أروع منال، وتحقق لها من ربها ما يظنه الناس كالمحال، وهو هينٌ لدى ذي الجلال.

وبعد فإن الذي لما قلناه يتدبر؛ يدرك أن مريم القانتة أروع مثال للقوة والتحرر، وقدوةً في القهر للشهوة بقلبٍ متنور، وبيقينٍ لا ينكسر.

لقد كانت حصناً منيعاً بالإيمان، وقمةً سامقةً بالإحسان، ومثلاً شامخاً للرجال وللنساء؛ الذين يريدون التحرر من اتباع الشهوات والهوى، كما قال ربها: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنْ الْقَانِتِينَ(12)) [سورة التحريم].

صدق الله العظيم

وبعد أيها الإخوان؛ فإن السؤال قد حان؛

ستجدون في الجزء الخامس والعشرين من القرآن؛ آيةً تخبرنا أن ابن مريم لما مثلاً ضُرِبْ، صد عنه في القوم كل مكذب.

نرجو أن تعرفوا الآية رقماً والسورة اسماً، والسلام عليكم ورحمة الله.




اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: