حرية الإنسان في القرآن (28): فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ

بسم الله، والحمد لله رب العالمين، والسلام على المستمعات والمستمعين.. وبعد:

في حلقة اليوم نستأنف ما أجلناه؛ فلقد عرفنا في حلقة أمس أن هناك نماذج أربعة من النساء؛ كان لهن اقتران بموسى. اثنتان كان لهما دورٌ في ميلاده وطفولته، وهمة وعزم في حفظه وحمايته من فرعون وزبانيته؛ هاتان هما أمه الكريمة وأخته المناضلة الحليمة.

واليوم سنتعرف على المرأتين اللتين أجلنا الحديث عنهما، وكان لهما صلة بموسى في هجرته ورجولته؛ فلقد هاجر من مصر فراراً من مؤامرة الملأ بقتله؛ لأنه وكز رجلاً من آل فرعون فقضى عليه فغفر الله له زلته، وكان معه في محنته.

قد يسأل سائل: وكيف التقى موسى بهاتين المرأتين؟ وما هي المناسبة؟

ولكن الله يقص علينا ذلك ومن خلاله نعرف الإجابة؛ فلنقرأ الآية:

 

(وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنْ النَّاصِحِينَ(20)) [سورة القصص].

 

إن هذا الرجل لا شك يحب موسى، ولا شك أنه رجلٌ من الملإ المقربين إلى فرعون؛ ولهذا فإنه عرف بما يأتمرون، فبلغه إلى موسى وهم لا يعرفون.

 

ولهذا وثق موسى بنصيحة الرجل، فقرر أن يخرج من المدينة ويرحل، وعلى الله يتوكل؛

 

(فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(21)) [سورة القصص].

 

إلى أين يتجه! ، لقد قرر أن الاتجاه سيكون إلى مدين، وهي منطقة شمال الجزيرة العربية الغربي، وفي أهلها كان شعيب الرسول والنبي. ولعل موسى يعرف عنه بعض الروايات الغابرة التي تروى؛ فإن أيام شعيب تسبق زمان موسى، ولهذا فلعل الله له إلى وجهة مدين هدى؛ عسى أن يجد فيها سبباً من صلاح تبقى، ولهذا فإنه يذكر ربه في الارتحال وفي كل حال؛

 

(وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ(22)) [سورة القصص].

 

لعل موسى يخرج من مصر لأول مرة، ولهذا فإن السبيل أمامه غير ظاهرة، بالإضافة إلى أن جواسيس فرعون يتبعون أثره.

 

ولأجل هذا فإنه يرجو من ربه الهدى إلى السبيل السوية، ولقد هداه الله السبيل، وأعانه على مهمات الرحيل، وأخذ بيده إلى ما له قدر وكتب، ويسر له مشقة التعب؛ فلقد كان الجو صيفاً بالحر يلتهب، ولقد كان على موسى أن يقطع صحراء مصر الشرقية وصحراء سيناء ثم صحراء النقب.

 

ثلاث صحارى قطعها حتى وصل إلى المبتغى، فماذا لقي هناك موسى وماذا جرى؟!

 

هنا تبدأ الحكاية، التي فيها لكل من تدبر عبرة وآية:

 

(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنْ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمْ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ).

 

لقد وصل وقت رواح المراعي والرعيان، وكل أهل مدين يسقونها على الماء جماعات ووحدان؛ إنهم يزاحمون على الماء؛ رجالهم والنساء.

 

ولكن الرجال لا يأبهون بحق النساء العفيفات، ولا يقدرون حاجة النساء الضعيفات؛ فهم يسقون بلا احترام للحريم، وبلا شعورٍ مهذبٍ كريم؛ ولهذا كانت الفتاتان منفردات عن الزحام، تذودان عن الماء ما معهما من الأغنام، والقوم لا يعيرونهما أي اهتمام.

 

لكن موسى الرجل الشهم الغريب؛ استفزه هذا الوضع الغريب، ونسي في لحظته متاعبه، وحرارة الجو الملتهبة، وألقى متاعه وهمه، وتقدم إلى الفتاتين بهمة؛ تقدم لاستيضاح الحال، بحرصٍ واحتفال، ثم يلقي عليهما بلطفٍ السؤال؛ فماذا قال:

 

(قَالَ مَا خَطْبُكُمَا) ؟ سؤالٌ مختصرٌ مغلفٌ لعفته، متلفعٌ برقته، لا يريد لهواً ولا لغوا، بل يريد عملاً نافعاً يؤدى؛ فلماذا أنتما تذودان الأغنام وتزْورَّان عن الزحام؟! أليس السقي من حقكما، وأنتما أولى من غيركما؟!

 

فما بال هؤلاء الرجال لا يأبهون بكما؟! هل لديهم خلقٌ يليق باحترام النساء، أم أنهم بلا خلق ولا حياء؟!

 

وكأن الفتاتين أقرتا موسى على ما ظنه في هؤلاء، وعرفا أنه رجلٌ شهمٌ له خلقٌ وإباء. ولهذا فإنهما يرسلان إليه الجواب باقتضابٍ مفيد؛

 

(قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23)) [سورة القصص].

 

إنه جوابٌ يفصح عن العزة والاحترام، والصبر على المهام، والعزوف عن الزحام، فلا بد أن ينصرف الرعاة، لنسقي بهدوء وبلا فوضاء؛ ثم كأن الفتاتين بذكائهما أدركتا أن خلف سؤال موسى سؤالاً خفياً هو لماذا يخرجان للرعي؟. فهل لهما رجلٌ يقوم بهذا العمل ولهما يرعى؟؛ ولهذا خُتِم جوابهما بإيضاح السبب في خروجهما هو قولهما (وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ).

 

إنه جوابٌ يدل على أن ليس لهما في البيت من رجل يقدر على العمل، وليس هناك إلا أبوهما ولكنه شيخٌ كبيرٌ لا يستطيع أن يقوم بالعمل عنهما؛ وإنه لعذرٌ يبيح للمرأة أنها للعمل تخرج، ولكن بعفةٍ وبلا تبرج، ولا مخالطةٍ ولا تبهرج.

 

وهذا ما هما عليه الآن، وحالهما وسلوكهما فيه البيان. كما أن للرجل أن يخاطب المرأة العاملة إذا كان يريد بذلك غرضاً ينفعها، ويدفع عنها ما يؤذيها؛ وأن يقوم بالمساعدة بدون غرضٍ يسيء غليها؛ وهذا ما فعله موسى، فكان مثلاً للرجال النبلاء.

 

لقد شمر عن ساعد الجد، واقتحم الزحام يساعد؛

 

(فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ) بسرعةٍ أدى المهمة وأكمل، ثم لم يستمر لهما محاوراً، ولم يطلب منهما أجراً؛ بل قطع الخطاب واعتزل، ولجأ إلى ظلٍّ يستظل؛ إنه نعم الرجل، الذي يضرب به المثل.

 

إنه حر الفؤاد، عزيز النفس، كامل الأدب، تقي الإرب؛ ولهذا فإنه لم يلجأ إلى أحد يطلب، بل توجه إلى ربه بالسؤال:

 

(فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ(24)) [سورة القصص].

 

نعم هذا هو الملجأ؛ إنه ربه الذي يعلم السر وأخفى، وهو الذي يُدْعَى ويُرْجَى، ولقد كان معه يسمع ويرى، فلنشاهد الجواب؛ كما يقصه الله الوهاب؛ (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ(25)) [سورة القصص].

 

لقد تحرر موسى بإيمانه وصبره، وبثقته بربه تحرر من الطاغوت الفرعوني ومن الظالمين، وأصبح في الناجين.

 

بل لقد كان كرمه مع الفتاتين، وشهامته في معاملة المرأتين؛ سبباً في وصوله هذا المقام الأمين.

 

ولم يقف الأمر هنا، بل تقدمت الأمور إلى ما هو أهنأ؛ فلنستمع إلى واحدةٍ منهما ترشحه للعمل، وتكيل له الثناء؛ فتقول: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَاأَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنْ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ(26)) [سورة القصص].

 

هكذا هو الحر الصابر، القوي المثابر، الأمين القادر، يلقى الثناء والإكرام، في كل متجهٍ وفي كل مقام، ويحيط به الحب والاحترام، من الناس ومن ربه العلام.

 

وكما كان موسى حراً شريفاً؛ فقد كانت الفتاتان كذلك حرتين شريفتين كريمتين وفيتين؛ فهما اللذان أنبئآ والدهما بدور هذا الفتى معهما، وموقفه الشريف في خطابهما؛ ثم بادرت بدعوته إلى البيت أحدهما، بينما تولت الأخرى ترشيحه للعمل عندهما. فكانتا حرتين في التصرف الحصيف، شريفتين في الوفاء للرجل الشريف.

 

وهنا يبادر الأب الشيخ الكبير؛ إلى تتويج العطاء باقتراح الحكيم الخبير؛ فهو قد رأى في موسى نعم الأجير، ولكن كيف يعيش في منزلٍ واحدٍ هذا الفتى مع فتاتين شابتين؟! إذن فلا بد من مبررٍ لإقامته معهما بدون حرجٍ ولا جناح عليهما؛ إنه اقتراحٌ يدعم اقتراح ابنته، ويمكن موسى من مهمته، فلنستمع إلى الاقتراح من الشيخ الكبير:

 

(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَةَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الصَّالِحِينَ(27)) [سورة القصص].

 

يا سلام!! لقد أصبح موسى الهارب، الخائف المطارد؛ أصبح آمناً مطمئناً في أسرةٍ كريمةٍ تحيطه بالود، وبعد سيصبح زوجاً للفتاة التي أرادته وأراد، ولهذا قبل العرض بلا تردد، وعلى ربه اعتمد؛

 

(قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ).

 

فله الخيار في ثمان سنين أو في عشر؛ وهذا هو الشرط الذي أضافه على العقد موسى، ثم ختم العاقدان عقدهما بالخاتم الذي يبقى. ذلك قولهما معاً بصوتٍ واحدٍ (وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ(28)) [سورة القصص].

 

نعم فهو الوكيل والمولى، ومن تولاه فله العزة والإكرام، ومن توكيل عليه فله الحرية والاطمئنان والسلام؛ (أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(62)) [سورة يونس]. صدق الله العظيم.

 

وبعد أيها الإخوان؛ فإن السؤال قد حان.

 

آيتان في الجزء السابع والعشرين من القرآن يخبرن أن فرعون كذب بالنذر؛ فأخذه الله المقتدر؛ نرجو أن تعرفوا الآيتين رقماً والسورة اسماً، والسلام عليكم ورحمة الله.


اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: