الشباب في القرآن (13): يحيى مثال الشاب البر التقي

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه وعلى من سبقه من الأنبياء والمرسلين؛ وبعد:

السلام على المستمعين الكرام ومرحباً بالشباب إلى حلقة اليوم:

نحن اليوم أمام أنموذجٍ شبابيٍ نادر الإسم والمثال، باهر النجم والأعمال، طاهر السر والأقوال، إنه هبةٌ سنية، وهديةٌ زكية، وبشرى رضية، لأبٍ يصف نفسه بكلماتٍ شجيةٍ ندية، ويشرح حاله لربه بحسن نية؛ فيقول:

(قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا(4)وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتْ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5)يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا(6))[سورة مريم].

أتدرون من هو هذا الأب الذي نادى ربه نداءً خفياً؟.

إنه عبد الله زكريا، الذي نال من رحمة ربه عطاءً سخيا.

لن نطيل في التفاصيل حول قصة زكريا، ولكنا سنقطف منها الثمر الجنيا؛ لقد سمعناه يخشى على العلم لديه من النسيان والإهمال، وهو أبٌ يحب أن يتواصل العلم والمعرفة محمولاً على الأجيال، فلا بد أن يسلم الآباء راية الحضارة إلى الأبناء سليمة العود، خفاقة اللواء، طيبة الجناء، ليحملها الأبناء إلى من يليهم بطهرٍ ونقاء، ولتتواصل المعرفة بلا اختفاء، وتبقى الشعلة متقدةً بلا انطفاء، وتنتشر الأشعة بلا انطواء، فذلك مسئولية الآباء والأبناء، وذلك واجب الآباء العلماء؛ الذين لديهم من العلم ما يفيد ويبقى، وهكذا كان زكريا.

لقد رأى المجتمع حوله مهموماً بالشهوات، منصرفاً عن العلم والآيات، يعمل لبطنه، ويهمل عقله، ويسعى لهواه، ويكسل لمعرفة ما فيه عُلاه. فهو مجتمعٌ جديرٌ بأن يُخاف منه ويُخاف عليه، وأن العلماء واجبهم أن يحرصوا على تجنيبه ما يُسيء إليه. ولهذا دعى زكريا ربه بقوله:

(..فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا(5)يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا(6))[سورة مريم].

إنه يستوهب الله العليم الوهاب، أن يمنحه ولياً يليه، ويرث العلم الذي لديه، ويرث من علم آل يعقوب الذين هدوا الناس إليه، فيعقوب لم يمت حتى سأل بنيه بحنان: (..مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي..)؟. فلما سمع جوابهم أحس باطمئنان؛ (قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ(133))[سورة البقرة].

هذا هو ما أراده زكريا لوليه من بعده، وهذا هو الميراث الذي حرص أن يرثه منه ومن آل يعقوب من قبله، إنه الإسلام، إنه الإيمان، وهذا هو العلم الحق للإنسان، فبه يسعد وينال الأمان، وبه يسود السلام والخير كل زمانٍ ومكان، وبه تعيش الأجيال على نورٍ من الله وبرهان، وعلى هدى يقودهم إلى العمل بإتقان، وإلى العيش فيما بينهم بحبٍ وإحسان، وذلك هو الخير والاطمئنان. وهذا هو مطلب الإنسان عبر الزمان، إنه بكل حضاراته وأعماله وصراعاته، لا يبحث إلا عن الأمان والطمأنينة، ولكنه لن يجدهما إلا في الاستقامة على طاعة الله وإخلاص دينه، ولقد قال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ(28))[سورة الرعد]. والذكر هو: العلم.

وقال: (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ(82))[سورة الأنعام].

إذن؛ فالعلم والإيمان هو الطريق للاطمئنان والأمان، وعليه؛ فإن سؤال زكريا ذلك الميراث العلمي لوليه إنما هو حبٌّ صادق، ونظرٌ ثاقب، ولم يكتف بذلك الميراث العلمي الوفير، بل طلب من ربه صفةً لوليه تزيده من الخير الكثير، ولقلبه تنير، ذلك هو قوله في الختام: (وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا).

فالشاب الذي يعمل ما يرضى به الله، ينال به رضاء الله، وبهذا ينال الخير الذي يتمناه، أليس هذا هو أمل كل شاب ومُناه؟.

بلى؛ بلى؛ وإنه للحق الذي نحرص عليه لا سواه.

قبل أن نجيب يجب أن ننبه إلى أن الله يخبرنا أنه قريبٌ جداً وأنه يسمع الهمس كالنداء، ولهذا فهو يسمي خواطر زكريا الخفية نداءً، فلنطمئن إلى علم الله فالله يعلم السر وأخفى، ويعلم وسواس النفوس.

وبعدُ فماذا حدث بعد نداء زكريا؟.

لقد جاء الجواب لزكريا، نداءً مباشراً من الله العليم بالخفاء، ومبشراً له بيحيى:

(يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا(7))[سورة مريم].

وهكذا يأتي الولد الرضي الزكي وكما شاء زكريا وينمو ويشب حتى يناديه ربه مكلفاً له بمهمات الشباب:

(يَايَحْيَى خُذْ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ..)، إن يحيى رمزٌ لكل شابٍ يحيا، إنه نداءٌ لكل حي القلب من الشباب، ولكل من يريد أن يعيش حياًّ من أولي الألباب.

وإنه الأمر لكل من يحيا ويرث العلم، أن يأخذ الموضوع بقوة وعزم، وأن يحمل المهمة بجدٍّ وحزم، وأن يجعل العلم سمته والهم، وأن يبلغه إلى الناس ولا يسأم.

فأين الشباب الذي يحمل هذا الواجب العظيم؟.

إن من يحمله يصبح الله معه يُعطيه العطاء الكريم، كما فعل مع يحيى الغلام الرضي العليم، فلقد قال الله عنه: (.. وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا(12))[سورة مريم]، فهو في صباه أصبح حكيماً ومن حملة الحكمة، وما هي الحكمة؟، إنها التوحيد لله والشكر له ومعرفته حق المعرفة وتقديره حق قدره، هذه هي الحكمة هي البذرة التي تثمر العمل الصالح، وتدنو مجانيها للناس بالخير والمصالح، ولهذا كان من أهم صفات يحيى التالية قوله تعالى:

(وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا(13))[سورة مريم].

فهو حنونٌ لطيف، وسيدٌ حصيف، وزكيٌّ شريف، وتقيٌّ نظيف، فلا يعمل إلا ما يفيد، ولا يقول إلا ما يقربه إلى ربه الحميد، يستوي في ذلك أهله والناس، فهو يعامل الجميع بقلبٍ نظيفٍ من الوسواس، نقي من السوء، مشعٌّ بأحسن الإحساس، وهذا هو لكل سلام أساس، ولتأكيد هذه المعاني يقول الله عن هذا الشباب التقي:

(وَبَرًّا بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا(14))[سورة مريم].

هكذا كان يحيى الفتى، وإن البر بالوالدين إنما هو رمزٌ للمجتمع بأكمله؛ ذلك أن يحيى مثالٌ للجيل الذي يتحمل مسئولية التواصل مع الآباء، والحرص على أن يرث منهم النقاء، والعلم والتقى، وأن يتعاون معهم على بناء الحياة الفضلى، ببرٍّ وإحسان، وبلا جبروتٍ وطغيان، ولا اختيالٍ وعصيان.

تلك مسئولية الجيل الجديد، وذلك خُلُقه في التعامل مع القريب والبعيد: السعي لوصل ما أمر الله به أن يوصل، والعمل بلا فخرٍ ولا اختيال، والجد بلا تجبرٍ واستكبار؛ فإن انحرف عن هذا الطريق فقد خان العلم وأساء إلى الكبار والصغار، وعصى الآباء والأمهات وكان مثالاً للعصي الجبار، وذلك هو طريق الشر والأخطار التي تعم الجميع.

وعليه؛ فإن سلوك يحيى مع الكتاب ومع العلم ومع المجتمع ومع الوالدين هو السبيل للخير والاطمئنان، وهو الدليل لكل شابٍّ في كل زمانٍ ومكان، وبهذا ينال الجيل السلام والأمان باستمرارٍ وتجددٍ أبدي، كما ناله يحيى بسلوكه الرضي التقي، يقول الله ليحيى، وهو وعدٌ له ولكل من به اقتدى:

(وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا(15))[سورة مريم].

ألستم تريدون هذا السلام الدائم الأبدي أيها الشباب؟.بلى؛

إذن فكونوا مثل يحيى لتحيوا في سلامٍ سعداء في الطفولة والشباب، وفي الدنيا والأخرى. وهل بعد هذا من مطمحٍ؟، إنه المنتهى، وعليه نودعكم وغداً بإذن الله نجدد اللقاء، والسلام عليكم ورحمة الله. 

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: