الشباب في القرآن (14): إبراهيم الشيخ الكبير يعلّم ابنه الشاب إسماعيل أن يسلم لله رب العالمين

بسم الله، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسوله محمد الأمين، وعلى آله الطيبين وصحابته الراشدين، وعلى جميع الأنبياء والمرسلين؛ آمين، وبعد:

السلام على المستمعين والمستمعات ومرحباً بالشباب والشابات إلى حلقة اليوم؛

نحن اليوم مع أبٍ صادق اليقين، محبٍّ لبنيه، ويتجلى حبه لهم في تربيتهم على طريق الحق المبين.

إنه إبراهيم الذي قال وهو يقيم في مكة المكرمة:

(رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ(35))[سورة إبراهيم] .

فهو يدعو للأرض وللإنسان، ولبنيه من بعده مدى الزمان؛ يدعو لهم جميعاً بالأمن والسلام، وليس السبيل إليهما إلا باجتناب عبادة الأصنام؛ ولقد أدرك إبراهيم أن عبادة غير الله هي الضلال والضياع، والخوف والفزع، والحزن والجزع، ولهذا أحب لبنيه اجتناب هذا المسلك الخطر، وجعلها كلمةً باقيةً في عقبه إلى يوم النشور.

وليس أدل على ذلك من أنه وهو يرفع القواعد من البيت في هذه المهمة الكريمة والعمل الجليل، أحب أن يصطحب معه ابنه إسماعيل، ليكون على علمٍ بشرف هذا العمل، وليشارك في هذا الشرف الأجل، وليدله على أن الخير كل الخير هو العملُ في سبيل الله، وعلى هَديٍ من الله، وأن الفلاح كل الفلاح هو الاستعانة بالله، ثم إن القمة في الخير والفلاح هو قبول الأعمال من الله، ولهذا يقص علينا الله ربنا موقف إبراهيم في البناء فيقول: (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنْ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ..).

ها هو إسماعيل الفتى قد دخل مع أبيه في شرف هذا البناء، وبهذا نعرف أن الحب الذي يجب أن يحرص عليه الآباء للأبناء هو أن يشركوهم في أعمال الخير والتقوى، ويدلوهم على طريق النجاح في الدنيا والأخرى، هذا هو الحب الحقيقي للأبناء.

ثم ها هو إبراهيم وإسماعيل، وهما يرفعان القواعد من البيت الحرام الذي بوأه الله لإبراهيم، وجعله له المقام، ليكون مثابةً للناس وأمناً مدى الأيام.

ها هو إبراهيم وابنه وهما يعملان هذا العمل الجليل، يطلبان من الله ربهما القبول، فيقولان حال العمل: (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ(127))[سورة البقرة].

إن قبول الأعمال عند الله يحتاج إلى الإخلاص، حتى ولو كان العمل في أول بيتٍ وضع للناس، ليكون مقبولاً عند الله الذي يسمع كل همس، ويعلم كل وسواس، وهكذا تقدم إبراهيم يرفع القواعد، ويعلّم ابنه كيف يكون إخلاص العبد العابد، ومع ذلك فإنه مع ابنه إسماعيل يدعوان لنفسيهما وللناس من بعدهما، أن يعينهما الله ربهما على الاستقامة على الإسلام، وأن يتوب عليهما من الآثام، وأن يريهما العمل الصالح الذي يقبله الله مدى الأعوام، ولنسمع الدعاء باهتمام:

(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ(128))[سورة البقرة].

أسمعتم؟. إن الإسلام غاية ما يتمناه إبراهيم وإسماعيل، ولذريتهما على الدوام، وإن العلم بالدين والمتاب إلى الله هو المطمح لهما والمرام، ثم لم يكتفيا بهذا، بل طلبا من الله أن يجدد الملة والدين برسولٍ يُبعث في ذرية الرجلين:

(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ(129))[سورة البقرة].

وهكذا كان الله مستجيباً لإبراهيم الأب وإسماعيل الولد، فبعث في ذريتهما خاتم النبيين محمد، لقد تلى علينا الآيات البينات، وعلمنا الكتاب الذي فيه الأحكام الصالحات، وعلمنا الحكمة وهي التوحيد لله وعبادته وحده بإخلاصٍ وإخبات، وفوق ذلك ومع هذا العطاء كان ما أنزله الله على رسوله محمد من الآيات والكتاب والحكمة؛ تزكيةً وتطهيراً للأمة من كل زيغٍ ومن كل شرك، ومن كل ما يردي ويؤدي إلى الظلمة، فكان الإسلام هو الدين الذي احتوى كل ذلك العطاء الكريم، وهو الدين الذي ارتضاه للناس ربهم العزيز الحكيم.

ألا وإن الله حقاً هو العزيز الحكيم، فهو عزيزٌ غنيٌ عن العباد، وهو الغالب على أمره ويفعل ما أراد، وهو لا يحتاج إلى عبادتهم، ولا ملكه بالعبادة يزداد، ولكنه بحكمته ارتضى الدين الحق لهم؛ ليهتدوا به إلى طريق العلم والحكمة من ربهم، ولينالوا الخير والفلاح عنده في دنياهم وأخراهم، وذلك هو الفوز العظيم. فمن ذا الذي يرغب عن الخير والنجاح إلا إنسان لا يعقل ولا يميز المساء من الصباح.

ولهذا جاء عقب الآيات الكريمة، والدعوات الإبراهيمية؛ قول الله:

(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ..).

فهي الملة الحق، وهي ملة أولي العقل والصواب، وهي الطريق التي يختارها أولوا الألباب، فمن رغب عنها فقد جانب الحق والصواب، ورضي لنفسه بالسفه وسوء المآب، وكيف لا وإبراهيم خليل الله الذي اصطفاه: (..وَلَقَدْ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنْ الصَّالِحِينَ(130))[سورة البقرة].

إذن فملته هي ملة الناس العاقلين، ولكن ما هي ملة إبراهيم الخليل التي أحبها لبنيه، ولكل شاب وشابة في كل جيل؟.

إنها كما يوضحها الله الجليل فيقول:

(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131))[سورة البقرة].

أسلم، هل يعني هذا أن يدخل في الإسلام؟.

كيف وقد سمعناه يدعو الله من قبل مع ولده بقوله: (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ)، إذن؛ فما المراد بقول الله له (أسلم)؟، إن المراد أن يزيد في استسلامه لربه، ويوقن في توكله على ربه، ويطمئن في حكم ربه فلا يحب إلا ما أحبه الله، ولا يضيق ذرعاً بما يأمر الله ويحكم، وعلى ما كلفه الله يقبل ويعزم، وعلى ما ابتلاه يصبر ويحزم، ويؤدي الواجب ويتم، بلا ضجرٍ ولا تبرم، ولكن بحبٍّ وإقبال، كأنه به متيم. 

إن الإسلام لرب العالمين، هو اليقين بأنه الذي يخلق ويهدي، وهو المدبر والمسير لكل شيءٍ، والرازق والحافظ لكل شيءٍ وحيٍّ، وهو الذي يطعم ويسقي، وإذا مرض الحي فهو يشفي، وهو الذي يعلم ما يبدي العبد ويخفي، وهو العليم بحاجة كل مخلوقٍ وحال، وهو المجيب لها قبل السؤال، ثم هو المحيي وإليه المآب، وإنه سريع الحساب.

إن من له هذا المقام والشأن؛ جديرٌ بأن يسلم له الإنسان، إنه رب العالمين. 

فلنكن له أيها الشباب مسلمين، وتلك وصية إبراهيم لبنيه، وسنكون معها غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة. 

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: