الشباب في القرآن (15): وصية أبينا إبراهيم وميراثه لبنيه من بعده ألاّ تموتوا إلا وأنتم مسلمون

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام على محمد رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن سبقه من الأنبياء والمرسلين؛ وبعد:

السلام على المستمعين ومرحباً بالشباب في حلقة اليوم:

نحن اليوم أمام إمام الناس أجمعين، وقدوتهم إلى الإسلام لرب العالمين، هل تدرون من هذا الرجل الكريم؟. إنه خليل الله إبراهيم.

لقد عرفنا أنه الأب الحنون الذي أحب الله وأطاع، وأحب لأبنائه من بعده السير على نفس الطريق والاتباع، وهذا هو الحب الحقيقي للأبناء، وهو الفلاح في الدنيا والأخرى، وعليه؛ فإن على الناس أن يأتموا بإبراهيم في معرفة أن الحب الحقيقي للأبناء هو التعليم بوجوب طاعة الله والتسليم، ولهذا فإن الله وهو العليم الحكيم؛ يقص علينا وصية إبراهيم لبنيه لنكون على طريقه نقتفيه:

(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131))[سورة البقرة].

هكذا كان إبراهيم مسلماً لربه رب العالمين؛ ولهذا رفض قومه الذين يعبدون الأصنام؛

(قَالَ أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ(75)أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ الْأَقْدَمُونَ(76)فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ(77))[سورة الشعراء].

فمن هو رب العالمين في فكر إبراهيم؟

ها هو يعرفه لنا فيقول كما جاء في سورة الشعراء:

(الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (78)وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (79)وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ(80)وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ(81)وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82))[سورة الشعراء].

فهو الخالق العليم بكل مخلوقٍ وله يهدي، ولأنه عليمٌ وهادي؛ فهو الذي يطعم الحي ويسقي، أي يصرف الغذاء في جسده ويوصل إلى كل خلية حاجتها، وإلى كريات الدم وذرات الجسد ما تطلبه من غذاء وماء، ومع ذلك فهو يوصل الدواء إلى كل عضوٍ يحتاجه وإلا فكيف يتستفيد مثلاً ضرسك من حبة دواء تأكلها أو حقنة تحقنها، كيف يستفيد من ذلك إن لم يكن الله هو الهادي للعلاج، بالوصول إلى العضو المحتاج، والهادي للداء أن يستجيب ويتفاعل لهذا الدواء، ثم ينتفع به، حتى يشفى صاحبه. ثم إن ربك هو الذي يميت ويحيي؛ إنه الحي الذي نفخ فيك الحياة، وهو الذي يميتك متى يشاء لتلقاه؛ فكيف ستأتيه؟ وماذا تتمناه؟.

إن إبراهيم يطمع في الغفران يوم لقاه؛ فيقول:

(وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ(82)).

وهذا هو المطمع الهام، وهذا هو الإسلام. وبهذا يتضح لنا أن الإنسان بين يدي ربه، محتاجٌ إليه في مراحل دربه، فهو منذ أن كان ماءً في صلب أبيه، ثم نطفةً تتخلق في رحم أمه، ثم طفلاً رضيعاً، ثم رجلاً قوياً، ثم شيخاً ضعيفاً؛ هو في كل ذلك محتاجً لربه، وهو الذي ينقله من حالٍ إلى حال، ومن طورٍ إلى طور؛ حتى يموت فإذا هو إلى ربه راجع، (..أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ(53))[سورة الشورى].

ألست بهذا أيها الشاب محتاجاً إلى ربك دائماً؟. إذن فلتكن له مسلماً. وهذا هو معنى قول إبراهيم: (..أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ(131))[سورة البقرة].

فاتبع ملة إبراهيم، واستسلم لربك الرحيم، فإنه العليم الحكيم، الذي لا يرضى لك إلا الصراط المستقيم، لتكون تماماً كأبيك إبراهيم، إذ جاء ربه بقلبٍ سليم. وهذا هو الفوز العظيم.

فما رأيك أيها الشاب في مسلك هذا الأب الأواه الحليم؟.

لا شك أنك قد أعجبت بفكرته، وتحرص على الاستفادة من تجربته، ولا شك أنك ستقتفي أباك إبراهيم وتتمسك بملته، إذن فاستمع إلى وصيته.

وقبل الوصية نعود لنقول: إن إبراهيم قد أعلن إسلامه لرب العالمين، وأدرك أن هذا هو الحق المبين، ولقد أحب أن يكون أبناؤه من بعده على نفس الطريق سائرين، فكيف نقل هذا الحب إليهم؟.

إن الله يخبرنا فيقول:

(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ..).

أي أن إبراهيم وصى بهذه الملة الحنيفية بنيه واستمرت الوصية تنتقل فيهم حتى وصى بها يعقوب حفيد إبراهيم بنيه كذلك، وهكذا يجب أن تستمر الوصية تنتقل وتتناسل مع النسل في كل جيل، فهذا هو الميراث النافع الأصيل، وهو التراث الباقي الجليل، فلنحرص عليه فهو الهادي إلى خير السبيل، ولهذا الشأن الجميل؛ فإن إبراهيم ويعقوب يوضحان الوصية للأبناء، بأسلوبٍ أسمى وأجلا، وببيانٍ رفيع المستوى، ويقولان بحنانٍ شجي النداء:

(..يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(132))[سورة البقرة].

إن النداء للأبناء في كل زمان، ولهذا جاء بحرف النداء للبعيد “يا” وبلفظ الجمع والتعميم، وبعد النداء يأتي الخبر العظيم:

(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمْ الدِّينَ)؛ إذن فالله هو الذي اصطفى لكم الدين أيها الشباب، ولكم اختاره وارتضى، فهو اختصاصٌ عظيم، ومقامٌ كريم، يرفعكم إليه ربكم العليم. والله لا يرضى لعباده إلا الخير (إن تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ..(7))[سورة الزمر].

ولقد اصطفى الله لنا الإسلام، وهو دين كل حيٍّ وشيءٍ في الأرض والسماوات، ولهذا يقول الله:

(وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ(83))[سورة آل عمران].

ويقول: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ..)[سورة آل عمران].

ويقول: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ(85))[سورة آل عمران].

ويقول: (..وَرَضِيتُ لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا..(3))[سورة المائدة].

فالله قد رضي واصطفى واختار، وأكد أن الدين عنده الإسلام، وهدد أن من ابتغى سواه فهو غير مقبول وعقباه الخسران، وأمام هذا الاصطفاء الرباني، والتأكيد والارتضاء والتحديد، لا يملك الإنسان إلا أن يرضى ويستسلم ويستجيب ويسلم. ولهذا قال إبراهيم لبنيه وهو للوصية يختم:

(..فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ(132))[سورة البقرة].

إنه إعلانٌ واضحٌ، وحبٌ حنونٌ، يتوجه من أبينا إبراهيم إلى البنات والبنين، في كل حين؛ أن يتمسكوا بالإسلام على الدوام، فهل يدري أحدٌ متى يموت؟، وهل يدري ماذا يكسب غداً؟. كلا.

إذن؛ فليكن من الآن وفي كل آن، وعلى مدى الزمان مسلماً لله رب العالمين، حتى يأتيه الموت وهو مع المسلمين ومع الفائزين بالغفران يوم الدين.

وهكذا تنتهي الوصية أيها الشباب، وإنها لميراثٌ جميلٌ لأولي الألباب، على هذا نودعكم على أن نلتقي غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: