الشباب في القرآن (17): آدم أول شاب يتلقى العلم من ربه

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام منه على رسول الله، وعلى آله وصحبه وعلى الأنبياء والمرسلين أجمعين، آمين؛ وبعد:

السلام على المستمعين ومرحباً بهم وبالشباب إلى حلقة اليوم:

اليوم سنكون مع أول شابٍّ على وجه الأرض؛ قد تستغربون، وذلك أننا لا نعرف تاريخ بداية الأرض ولا تاريخ الإنسان الأول عليها..

قد يكون هذا صحيحاً لو كان مصدرنا في الحديث عن أول شاب على الأرض هو ما يكتبه الناس فالتاريخ الذي كتبه الإنسان لا يتعدى بضعة قرون قبلنا، كما أنه تاريخ يعتمد على الخرافات والتخمينات أو يمليه الهوى، أو توجهه المصالح القومية والمذهبية والعصبية والخلافات الدينية، وهذا ما يجعل التاريخ غير موثوق فيه، ويجعل الروايات مشكوكاً في صحتها حتى ولو كانت معاصرة، فما بالك إذا كانت غابرة؛ ذلك أن الإنسان محدود المعرفة بما حوله فكيف بما قبله ثم هو محكوم بالهوى والعواطف التي تجعله يميل إلى صحة ما تهوى نفسه، وقد يخترع من الأحداث ما يدعم هواه، ولو كان باطلاً ويعرض عن الحق ويجعله مهملاً.

نعم نعم، وإن استغرابكم لما سنتحدث عنه اليوم وهو حكاية أول شاب على الأرض، يمكن أن يكون مقبولاً إذا كان مرجعنا فيه هو ما كتبه الإنسان، لكن إذا كان المرجع هو الله عالم الغيب والشهادة وخالق الإنسان؛ فإن ما سيقصه علينا هو الحق الذي لا مراء فيه ولا بهتان، بل هو الحقيقة الساطعة البرهان، وهل هناك برهانٌ أقوى من شهادة الرحمن، وهل هناك حقٌّ إلا ما يقوله الله في القرآن. إن هذا هو المسلم به بلا شكٍّ أيها الشبان؛

إذن فلنستمع إلى حكاية أول شابٍّ على الأرض كما يقصها الرحمن في آيات القرآن.

لنقرأ معاً قوله تعالى في سورة البقرة وهو يعلن عن خلق آدم:

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..).

إذن فآدم هو أول شابٍّ على الأرض، ذلك أن الله هنا يعلن للملائكة إرادته أن يجعل الإنسان الذي خلقه من طين الأرض خليفة فيها، أي: مخلوقاً يخلف بعضه بعضاً، ذلك أن الله يستخلف السابقين باللاحقين؛ فالناس جميعاً في كل زمانٍ خلفاء لبعضهم بعضاً، ولهذا قال الله على لسان نبيه هود مخاطباً قومه:

(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً..(69))[سورة الأعراف].

ويقول على لسان رسوله صالح لقومه في ثمود:

(وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا..(74))[سورة الأعراف].

وهكذا تتوالى الأمم والأقوام، ويخلف بعضها بعضاً على الدوام؛ إذن فالله قد أراد أن يجعل هذا الإنسان خليفة في الأرض.

وقد عرفنا أن كلمة “خليفة”، لا تعني أنه خليفةٌ لله يتصرف في الأرض، بعيداً عن الله كما يفهمها بعض الناس، تعالى الله عن ذلك علواً كبيرا.

بل المراد بها كما أوضحنا: أن يخلف بعض الناس بعضاً؛ فأمةٌ تفنى ليخلفها سواها، وإنسانٌ يموت ليخلفه سواه، وهكذا أراد الله، وعليه: فإن الشباب هو المستخلف في كل زمان، والشباب هو المتسلم راية الحياة من الشيوخ ليخلفهم حتى يسلمها لمن يخلفه، وهكذا تدور العجلة باستمرار، وتنتقل راية الاستخلاف بلا استقرار؛ وإذا كان الله قد أراد الإنسان خليفة في الأرض كما فهمنا فإن آدم هو أول شابٍّ عل وجه الأرض، فلقد تسلم أول رأية للاستخلاف بقوة فتوته، وحملها بطاقة شبيبته، فالشبيبة هي الطاقة والقوة، التي تكون مؤهلة للخلافة، وتؤدي المهمة بكفاءة، ولكن هل تكفي القوة والفتوة لهذه المهمة الإنسانية؟ كلاّ!

فما المؤهلات المطلوبة إذن؟ إنها العلم.

فلقد علم الله أن الإنسان بالعلم سيبدع ويحسن العمل على الأرض بالاستخلاف والتجارب العملية المتراكمة المتوارثة، ومهما طغى وأفسد؛ فإنه في النهاية سيصيب الرشد، ما دام على العلم من ربه اعتمد، وبه أقام الحياة وشيد.

ومن هذا المفهوم استمر الحوار بين الله وبين الملائكة؛

(..قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ..).

لقد استخرجوا هذا الفهم للإنسان وألصقوا هذا الوصف به من مفهوم كلمة “خليفة”. إذ معنى الخليفة أن عمره قصير وآماله عريضة، ومقامه يسير وطموحاته واسعة. وهذا لا بد أن يفجر الصراع المذموم، ويحفز على السباق المحموم، ويدعو إلى الفساد الذي يدمر ما يقوم. ولكن الله العليم بما كان ويكون؛ يرد على الملائكة بأن الأمر محسوم:

(..قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ(30))[سورة البقرة].

فهو يعلم أن الإنسان مهما أفسد وطغى، ومهما سفك الدماء؛ لا بد أن يصل إلى مرحلة التقوى، فيحسن الاستخلاف، ويمضي على الهدى، وكيفلا والعلم سلاحه في مهمته على المدى، ولهذا فإن الله يشير إلى هذا السر العظيم، الذي يهدي الإنسان إلى الصراط المستقيم فيقول:

(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاء إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ(31))[سورة البقرة].

إذن فالعلم هو توأم الإنسان، بل هو القرين له منذ إعلان الخلافة، إنه الثدي الأول الذي يرضع منه، والمهد الأول الذي ينمو فيه، والدرب الأول الذي يدب عليه، والهدف الأول والأخير الذي يسعى إليه، وبه يسمو إلى المقام الذي أراده الله للإنسان ودعى إليه.

وهكذا كان آدم أول شابٍّ يتلقى العلم من ربه، وأول تلميذٍ يقبل العلم ويستوعبه.

وهذا هو قدر كل شابٍّ من بعده، وهي مهمة كل فتىً يخلفه، وهو طريق كل جيلٍ يتسلم الراية من سابقه، ولكن؛ ما هي الأسماء التي علمها الله لآدم؟ وما هي الأشياء التي عرضها على الملائكة وطلب منهم الإنباء بها؟.

هذا ما سنعرفه غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله. 

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: