الشباب في القرآن (18): وعلّم آدم الأسماء كلها

بسم الله، والحمد لله، والصلاة والسلام منه على رسول الله محمد، وعلى آله وصحبه وعلى من سبقه من الأنبياء والمرسلين، ومن اتبعهم بإحسانٍ، آمين؛ وبعد:

السلام على المستمعين ومرحباً بهم وبالشباب إلى حلقة اليوم:

نحن اليوم سنواصل متابعة أحوال أول شابٍّ سكن في الأرض؛ إنه آدم عليه السلام، لقد خلقه الله مع زوجه وأعلن للملائكة بقوله: (..إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً..).

ولقد عرفنا الحوار الذي دار بين ربنا وبين الملائكة حول الموضوع في حلقة أمس، وعليه فإن حديثنا اليوم عن آدم وزوجه؛ فإذا كان آدم وزوجه أبوين للبشر؛ فإنهما حقاً أول شابين في البشر؛ ولهذا كان تعليم آدم في مرحلة الشباب التي تملك الفهم والاستيعاب، وتجعله ينعم بعطاء الله الوهاب؛ وهنا نصل إلى الآية التي وقفنا عندها أمس وهو قوله تعالى: (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا..).

ولقد ختمنا الحلقة بقولنا: ما هي هذه الأسماء؟ وما المراد بها؟

وها نحن نجيب الآن قدر الإمكان؛

الاسم في اللغة مشتقٌ من السمة، أي: العلامة أو الميزة التي يتميز بها المسمى، ولا تتعداه إلى سواه.

ولهذا جاء في سورة الرعد قوله تعالى: (..وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ..(33))[سورة الرعد].

ومن المعروف أن الشركاء التي تعبد من المشركين هي الأصنام ولها أسماءٌ معروفةٌ مثل اللات والعزى وهبل للعرب، ومثل يغوث ويعوق ونسر عند قوم نوح، وهكذا سواهم، إذن فما المراد بقوله تعالى: (قُلْ سَمُّوهُمْ). يعني: هل لهم مميزاتٌ كالمميزات التي يملكها الله: هل هي تخلقُ أو ترزق أو تعلم الغيب، أو تدفع الضر أو تجلب النفع؟.

كلا؛ بل إنها لا تملك لنفسها نفعاً ولا ضراً؛ لكن الله هو الخالق الرازق العلام الغيوب؛ الذي يسير كل شيءٍ ويدبره، ويعلم مستودعه ومستقره.

(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى..(180)) [سورة الأعراف]؛ أي: المميزات التي لا مثيل لها، وهي أحسن وأعلى وأكبر أبداً، ولهذا قال الله عن نفسه في سورة مريم:

(رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا(65))[سورة مريم].

فربوبيته تحيط بكل شيء، وبكل صغيرٍ وكبيرٍ، وله الخلق والتدبير، فهل تعلم له سمياً يملك هذه الميزات أو نظير؟. كلا؛ هي لله العليم القدير.

إذن فالله تعالى قد علم الإنسان مميزات الأشياء، فهو يعرف ما يتميز به كل شيءٍ عن سواه، فهو يدري بماذا يتميز الحديد عن الحجر، وبماذا يتميز الخشب عن النحاس، وبما يتميز النحاس عن الفضة، والذهب عن البرونز.

وهكذا كل ما على الأرض من مواد ومعادن وأشجار وأزهار وأثمار ومياه وسوائل أخرى، ولو عددنا الأشياء ومميزاتها لطال المقام ولكن الإنسان الذكي والمستمع المتأمل يعرف ذلك ويقيس ويضاعف الأسماء والمسميات والمميزات، ويعرف أن تعليم آدم الأسماء كلها يعني أن يجعله يعرف كل ما تتمتع به كل مادةٍ أرضية من مميزاتٍ تستخدم في مجالاتٍ تناسبها وتتخذ للأغراض التي يحتاجها، فيمزج هذا بهذا، ويركب هذا مع هذا، وبمقادير محددة وبأوزانٍ وأحجام منوعة ليخرج من كل هذا المواد وآلات أكثر نفعاً وقوة، وأكثر سرعةً وتأثيرا.

وبهذا فهو يضع ويعمر، ويزرع ويحصد ويخترع ويهمل ويجدد ويقرر ويحدد فإذا الحضارة تنمو والمنافع تربو، والمنجزات تسمو، والمخترعات والمكتشفات تزيد وتتطور وتتضاعف وتتكاثر فتتضاعف معها المكتشفات والمخترعات الأخرى وتتوسع بها المنجزات والحضارات بشكلٍ أسرع وأقوى.

وهكذا مع الزمن تزيد المسميات وتظهر المميزات لأشياء لم تظهر من قبل، فإذا الحياة أزهى وأفضل، فإذا الإنسان يتمتع بكل شيءٍ وحيٍ في الأرض، ويتوسع في استغلال كل ما على الأرض من مواد لم تستغل من قبل، وتسخر له قوىً وطاقاتٌ لم تسخر له من قبل، وكل توغل في الزمن إلى الأمام زاد أمامه الاكتشاف وتوسع الإنجاز وأسرع التطور، وتقدم العلم والفهم للميزات أكثر وأكثر. وهكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ويؤذن بانتهاء المستقر في الأرض الذي حدده الله العليم بقوله: (..وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(36))[سورة البقرة].

وعندها يكون الإنسان قد بلغ الكمال الذي أراده الله له حين أعلن للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً).

وبهذا يتضح أن الملائكة أبدت استنكارها لأعمال آدم في الفساد وسفك الدماء؛ لإنها لم تكن تعلم ما يعلمه الله من بلوغ الإنسان منازل الكمال والابداع في هذه الأرض التي استُخلف فيها.

ولكن هذا الكمال لن يكون إلا عندما يعمل الإنسان حسب هدى الذي استخلفه ويتبع النور الذي جاء به الأنبياء، ولهذا يقول الله:

(فَمَنْ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى(123)وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا…(124))[سورة طه].

ويقول في السورة التي نحن فيها:

(..فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ(38))[سورة البقرة].

ولأن هذا هو السبيل، وهدى الله هو الدليل، فإن سليمان وداود من الأنبياء، ولقمان وذا القرنين من الرجال الصالحين، هؤلاء جميعاً قد أبدعوا في الأرض وتمكنوا كثيراً من المعجزات والمنجزات وذلك ما كان إلا بهدى الله والحكمة، وبالشكر للنعمة، وما كان لهم ذلك المقام الودود عند الله، إلا لأنهم كانوا نعم العبيد لله؛ ولهذا يقول:

(وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ(30))[سورة ص].

وهكذا يقول عن الباقين، وهؤلاء وسواهم من الأنبياء هم العلامات على أن الإنسان سيبلغ في يوم من الأيام مقام السمو والزكاء، الذي يجعله ممكّناً من كل شيء ومسمى، لأن الله علمه الأسماء كلها، فلن يترك سبباً في الأرض إلا ويسخره الله له، ولن يفسد في عطاء الله الذي سخر له ما في السماوات والأرض جميعاً منه، وما الفساد الآدمي الذي أعلنه الملائكة وسفك الدماء الإنساني، إلا جزء من الصورة التي ستكتمل في يومٍ من الأيام، كما أراده الله العليم العلام، فرغم فساد الإنسان أحيانا جماعات وأفراداً فلا بد أن يحسن في حين من الأحيان أفراداً وجماعات، ويصل إلى مقامٍ رفيع المستويات، بهدي الله الذي يعلم الخفيات، ولهذا فإن الملائكة بعد أن أنبأهم آدم بأسماء الأعمال والإبداعات التي سينجزها الإنسان على الأرض بهدى الله وعلمه سكتوا ولم يبدوا أي شيءٍ عن آدم، لكن الله يختم الحوار مخاطباً لهم ومقرراً علمه وقصورهم: (..أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ(33))[سورة البقرة].

فالله العليم هو الذي قضى لآدم بما سيكون، وهكذا فإن المؤهلين للإبداع هم الشباب، وذلك بالعلم والعزم الوثاب، وبالاتباع لهدى الله الوهاب، وعند ذلك يتمكنون من كل الأسماء والأسباب على هذا الأمل الجميل نودعكم وإلى اللقاء غداً بإذن الله، والسلام عليكم ورحمة الله. 

اترك تعليقك

Post Navigation

%d مدونون معجبون بهذه: